جنود الله في تونستان

“إنّ لغة السبّ والشتم والتجريح والكذب المقصود منه تشويه الغير لأنّه خالفك الرأي والعقيدة، ولأنك تريد فرض معتقدك ورأيك وطقوسك عليه، وحشره غصبا داخل علبك وقوالبك التي خلتها أو خيّلوها لك أحسن وأكمل ما في العالم، لهي لغة أقلّ ما يقال إنها بدائية لا تليق بعاقل فما بالك بمتعلم ومثقف، وتعكس عقلية ملوثة تجاوزها الزمن..”هكذا كتب الراحل الطاهر الهمامي سنة1987. في نفس مقاله “خطر في خطر”، تساءل المفكّر المناضل : “ما معنى أن تتلقى مُدرّسة بالمعهد الفلاني رسالة تهديد مجهولة الباعث (وإن كانت معلومة الهوية) لوهي تمادت في تدريس بعض الأبواب التي لا تتماشى وقراءتك السلفية للتاريخ ولم تقيّد لسانها عن ذكر ما لا يعجبك؟ وما معنى أن تتلقى مُدرسة الفلسفة بمعهد آخر نفس التهديد في وضح النهار لكن مباشرة وعلى لسان أحد الشبان الجالسين أمامها للتعلم، لا لشيء إلا لأنها لم تفعل ما فعله الكثيرون من أمثالها خوفا فتتخلّى عن تدريس بعض الأبواب العقلانية، أو أن يقع تهديد المسؤول الإداري بالتصفية طالما لم يرضخ أو أن تقع المطالبة بتغيير مدرّس لأنه من “حزب الشيطان”..هل نحن بصدد العودة القهقرى، تساءل صاحب “بعل ولو بغل”، لحضور ما كان يتعرّض له أحد شهداء الفكر والحرية الطاهر الحداد من أذى الجهلة والمخدوعين الذين كانوا يحرشون ضدّه ويؤلّبون عليه ..؟”

نحن نحضر هذه المأساة بعد مضيّ أكثر من عشريتين على ما نبّه إلى خطره الهمامي. ها هي قوى التخلف الديني تتكالب على تونس العصرية لأنها أصرت على العيش في زمانها. في الأمس القريب دعا كبيرهم الذي علّمهم الأصولية الحاقدة لإعادة فتح تونس. وحرّض إرهابيو النهضة الجهلة لسفك دم الأستاذ النبيل العفيف الأخضر.. واليوم يخرج بُلهاء من نفس الفصيلة يهدّدون بتصفية نخبة من المثقفين النزهاء في تونس الحداد والشابي والمسعدي والشرفي ونوري بوزيد..

تبقى المدرسة التونسية تصارع الغول الأصولي وحدها، تحاصرها اللاعقلانية جوّا وبحرا وبرّا..وبدلا من أن تغدو مثالا يحتذى، أصبحت تؤرق مضجع الإسلاميين ومعشر أعداء المستقبل من المحيط إلى الخليج.

“ديوان لجنة تقصي زنادقة العصر”! تعدّدت الأسماء والشرّ واحد، يتوالد من رحم الثقافة المستترة وراء نشر الإسلام والعودة إلى الدين. تساءل الكثيرون عن هوية هؤلاء وعمن يقف وراءهم وهذا من مهام مصالح الأمن التي قد تصل إليهم، وأتمنّى أن يحاكموا محاكمة عادلة في حالة إيقافهم. أمّا مهمّة المحلّلين فينبغي أن تذهب إلى أصل الداء ولا تكتفي بمداواة الأعراض. فصاحب أو أصحاب رسالة “أسلم تسلم” ما هم إلا إفراز ثقافة التأسلم الفضائي والكتب الصفراء، منتهية الصلاحية وغيرهما من أشكال الورع الكاذب.

لا يستطيع متأمّل نزيه للنصّ المهدّد لأحبّائنا في تونس أن لا يربط بينه وبين ‘العقيدة’ بشكل عامّ، فقد مارست القمع المعنوي والمادي في أرض الإسلام على طول التاريخ، ما هو جديد مع الأصولية المتأخرة محاولتها جاهدة وبكل الطرق أن ترتقي بالعقيدة إلى جهاز دولة قمعي رسمي. إيمان مسلّح في خدمة الحلم الثيوقراطي، إيمان مُبيد يتوهّم إقامة ‘الدولة الإسلامية’، يحمله خطاب ديماغوجي يتلبس بلبوس القداسة، يقدم الثقافة على أنها إعادة كتابة الواقع، تغييره..ولا يفعل في النهاية سوى خلق آمال لا يستطيع أحد تحقيقها ويؤدي ذلك الإحباط إلى أمراض سرعان ما تمارس عُنفيا على الغير.

هل نزل من أطلقوا على أنفسهم ‘ لجنة تقصّي الذكاء والعقل’ من السماء أم هم من تفريخ ثقافة مفلسة، تهدم الحاضر والمستقبل باسم الماضي؟ هؤلاء أبناء جوّ عامّ لا يستشهد سوى بـــ “من تمنطق تزندق” و”اعدوا لهم” و”لن يفلح قوم” .. ألم يخرّب القرضاوي وأشباهه عقول الشباب؟ لا أحد نطق بكلمة معقولة في فضائية إلا وانهال عليه الجميع، منشّطين ومتدخّلين، شتما وتخوينا وتكفيرا واعتداء، أمام ملايين المشاهدين. من يستطيع اليوم الحديث عن التخريب الذي تحدثه حماس في غزة؟ من يستطيع قول الحقيقة بشأن حزب الله وكيف خرّب لبنان؟ من يستطيع فضح الكذابين المحتفلين بتدمير لبنان متوهّمين ذلك نصرا من الله لقائد حزب الله نصر الله؟.. من يجرؤ على تسفيه ولاية الفقيه في إيران يُعدّ من أعداء الأمة المتأمركين من طرف الإعلام الإخواني التبشيري المسيطر في العالم العربي والراكع لأوهام الملالي. في بداية الشهر، أعطت ‘ قناة العربية ‘ أحد الإرهابيين الصوماليين العتاة فرصة، ليقول للشباب العربي بالحرف الواحد أنّ ‘الرهبوت’ أنفع وأجدى من ‘الرحموت’!

من لم يستيقظ بعد من سباته، عليه أن يتأمّل ما حدث في “دوربان2” وكيف اصطفّت معظم الدول الإسلامية كالبنيان المرصوص ضدّ الحرية الفردية وكونية حقوق الإنسان والحقّ في التعبير.

قل للقرضاوي وكلّ من يدعو لإعادة فتح تونس، لتونس الخضراء اليوم نخبة عقلانية تحميها..بل كل عقلانيّ في العالم العربي هو اليوم تونسيّ!

“أرى النخل يمشي في الشوارع”، قال الهمامي في قصيدته الرائعة، واليوم نرى الخرافة تمشي في الشوارع تتأبّط خنجرا.. “يا أيها العقلانيون اتّحدوا ضدّ هجمة الخرافة”*، ضدّ سلطة العنف المتدنية، ضدّ مخلّفات عصر سيادة العضلة والمخلب والناب.

* الطاهر الهمامي، تجار الدين في تونستان، مكتبة الشبيبة ،صامد للنشر و التوزيع، صفاقص 1990

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This