الأصولية الشيوعية : الخلاصية البروليتارية
تتحدّد الأصولية في الشيوعية، المستندة أصلاً إلى النظرية الماركسية، في كونها تقدّم نفسها نظرية تحمل تفكيراً شمولياً للتاريخ والمجتمع، وتشكّّل في حدّ ذاتها علماً قادراً على كشف الحقائق ومقرّراً لحتميات في التطور. يتجلّى هذا العلم الذي يطلق عليه “المفهوم المادّي للتاريخ” في وصفه المفسّر لتاريخ تطور المجتمعات الذي سيصل حتماً في النهاية إلى تحقيق الشيوعية على الأرض. وتأخذ الأصولية في الشيوعية أبعاداً أخرى عبر النظرة إلى موقع الطبقة القائدة في المجتمع الحديث، أي البروليتاريا التي سيقوم على عاتقها تحرير البشرية وإيصالها إلى “جنّتها” الموعودة. وفي هذا السبيل سيشهد المجتمع تحوّلات حتميّة تصل إلى زوال الدولة، وإلغاء استغلال الإنسان للإنسان، وتأمين المساواة الكاملة بين أفراد الشعب من دون أيّ تمييز. في الممارسة العملية، اتجهت هذه الأصولية، كسائر الأصوليات الدينية، إلى إلغاء الآخر، وكرّست الاصطفائية للشيوعيّ ورفعته إلى الأعلى مقارنة بسائر أفراد الشعب، واعتبار النموذج الاشتراكي القائم حاملاً للحقيقة المطلقة بحيث يتوجب اتباعه. لقد شكّل الإيمان بهذه النظرية لكثير من معتنقيها “ديناً” يسلّم المؤمنون بمطلقاته وأحكامه، والاستعداد للتضحية في سبيل المبادئ التي يقول بها هذا “الدين” والموت في سبيل أهدافه ومثله، بما فيها القبول بالممارسات التي يتطلّبها هذا المعتقد. فإذا كان تحقيق هذا النموذج يتطلّب استخدام العنف لخلق الإنسان الاشتراكي الجديد، فإنّ هذا العنف يصبح مشروعاً ويحظى بكل التبريرات، طالما أنّه يخدم المصلحة العامة على حساب المصلحة الخاصة. لم يمنع كون الشيوعية التي قدمت نفسها نظرية للإنسان وفي خدمته من أن تحوّلها “المبادئ” الأصولية، الكامنة في قلب هذه النظرية، إلى مسار مختلف عن الأهداف التي نشدتها، إلى عنف وظلم وقهر للشعوب التي حكمتها. لذا ستشكّل العودة إلى النص الماركسي شرطاً ضرورياً لفهم هذه الأصولية ومقولاتها الفكرية، ثم رؤية تجليّات هذه المفاهيم على صعيد الممارسة.
{{ الأصولية الشيوعية في النص الماركسي}}
تخترق النصوص الدالّة على المفهوم المادي للتاريخ مجمل كتابات ماركس وإنجلز وتشكّل المرجع لفهم “المادّية التاريخية” والقوانين المحددة لها. في كتاب إنجلز “الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية” تعريفات واضحة لهذا المفهوم ولأهداف النظرية التي يدعو إليها مع ماركس. يقول إنجلز :”فرضت الوقائع الجديدة القيام بدراسة جديدة لكلّ التاريخ الماضي، وحينذاك تبيّن أنّ التاريخ الماضي كلّه، باستثناء الحالة البدائية، لم يكن سوى تاريخ النضال بين الطبقات، وأنّ هذه الطبقات الاجتماعيّة المناضلة كانت، في كل لحظة معينة، نتاجات علاقات الإنتاج والتبادل، أي نتاجات العلاقات الاقتصادية في عصرها. وتبيّن بالتالي أنّ التركيب الاقتصادي للمجتمع في كلّ مرحلة معينة يشكل الأساس الفعلي الذي يفسّر به، في نهاية الأمر، كل البناء الفوقي من المؤسسات الحقوقية والسياسية والآراء الدينية والفلسفية وغيرها من الآراء الملازمة لهذه المرحلة التاريخية المعينة. وقد حرّر هيغل مفهوم التاريخ من الميتافيزياء، وجعله ديالكتيكياً، ولكنّ فهمه هو للتاريخ كان من الجوهر مثالياً. أمّا الآن، فقد طردت المثالية من ملجئها الأخير، من مفهوم التاريخ، ووضع مفهوم مادي للتاريخ، ووجد الطريق لتفسير تفكير الناس بطريقة حياتهم، بدلا من تفسير حياتهم بطريقة تفكيرهم، كما جرى حتى ذلك الحين” (ص153).
ويحدّد إنجلز مفهومه وماركس للمادية التاريخية في الكتاب إيّاه بالقول :”إنّ الفهم المادي للتاريخ ينطلق من الموضوعة القائلة إنّ إنتاج المنتجات أولاً، ثم تبادلها، يشكلان أساس كل نظام اجتماعيّ، وأنه في كل مجتمع معني يدخل حلبة التاريخ يتحدد معه توزيع المنتوجات، ومعه انقسام المجتمع إلى طبقات أو إلى فئات، بما يجري إنتاجه وبكيفيّة تبادل هذه المنتوجات. ولذا إذا شئنا أن نجد الأسباب التي تحدد التغيّرات الاجتماعيّة والانقلابات السياسية، وجب علينا أن نبحث عنها، لا في رؤوس الناس، لا في معرفتهم المتنامية عن الحقيقة والعدالة الخالدتين، بل في تحوّلات أسلوب الإنتاج والتبادل، أي أنه يجب أن نبحث عن هذه الأسباب، لا في الفلسفة، بل في اقتصاد العهد المعني” (ص155). يؤخذ على الماركسية، هذا التغليب المطلق للعنصر الاقتصادي في تفسير التطوّرات الاجتماعيّة والسياسية، ومغالاتها في جعل هذا العنصر طاغياً على سائر العناصر التي تتكوّن منها البنية الاجتماعيّة، مما يعني أنّ العنصر الاقتصادي هو أحد العناصر المقررة في التغيرات الاجتماعيّة لكنه ليس العنصر الأول أو الأساس. أدّى تغليب هذه “الاقتصادوية” إلى انحرافات في فهم المجتمعات وشروط تطورها، انعكست سلباً على برامج الأحزاب الشيوعية في أكثر من مكان في العالم.
تجلّت النظرية الأحادية الجانب لتفسير المجتمع وتطوره، مقروناً بالحتميّات التي يقول بها التفسير الماركسي، إلى ترجمة محددة على صعيد النظام الرأسمالي، سواء لجهة حتميّة انهياره واستبداله بالشيوعية أو بحتميّة زوال الدولة الحاملة لهذا النظام. يشير لينين في كلمة ألقاها لدى تدشين نصب ماركس وإنجلز:”إنّ مأثرة ماركس وإنجلز العظيمة، ذات الأهمية التاريخية العالمية، تقوم في كونهما قد أثبتا، بتحليل علمي، حتميّة انهيار الرأسمالية وانتقالها إلى الشيوعية حيث يزول استثمار الإنسان للإنسان”. فالمادية التاريخية تقدّم نفسها في كونها الأساس الذي يقوم عليه العلم الاجتماعيّ، وتذهب أبعد من ذلك إلى القول بأنها مشابهة في هذا المجال لنظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي للعلم البيولوجي التي قال بها داروين، وهو ما أشار إليه إنجلز بالقول:”كما أنّ داروين اكتشف قانون تطوّر العالم العضوي، كذلك اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ البشري” (كلمة على قبر ماركس،ص188). يؤكد إنجلز أيضاً في هذا الصدد بالقول :”بقدر ما يحوّل أسلوب الإنتاج الرأسمالي أكثر فأكثر السواد الأعظم من السكان إلى بروليتاريين، يخلق القوة التي لا بدّ أن تهلك هلاكاً أو أن تقوم بهذا الانقلاب. وبقدر ما يجبر أسلوب الإنتاج الرأسمالي أكثر فأكثر على تحويل وسائل الإنتاج الكبرى، التي جعلت ملكيتها اجتماعيّة، إلى ملكية للدولة، يشير بنفسه إلى الطريق اللازم اتباعه للقيام بهذا الانقلاب. فبعد أن تستولي البروليتاريا على سلطة الدولة، تحوّل، قبل كل شيء، وسائل الإنتاج إلى ملكية الدولة. ولكنها بذلك تقضي على نفسها بنفسها بوصفها بروليتاريا وتقضي على جميع الفوارق الطبقية، وجميع التضادات الطبقية، وتهدم بالتالي الدولة بوصفها دولة” (ص169) .
يشكّل الموقع الذي تحتله البروليتاريا في النظرية الماركسية أحد الجوانب الهامة في “أصوليتها” بالنظر إلى الدور “الرسولي” المنوط بها في خلاص البشرية. وانطلاقا من هذا الدور جرى التعاطي مع سائر طبقات المجتمع وتحددت المهمات السياسية لهذه الطبقة. ففي “البيان الشيوعي” يشير ماركس وإنجلز إلى أنه “ليس بين جميع الطبقات التي تقف الآن أمام البرجوازية وجهاً لوجه إلاّ طبقة واحدة ثورية حقاً، هي البروليتاريا. فإنّ جميع الطبقات الأخرى تنحطّ وتهلك مع نمو الصناعة الكبرى، أمّا البروليتاريا فهي، على العكس من ذلك، أخصّ منتجات هذه الصناعة”. ولا تتحقق “خلاصية” هذه الطبقة إلاّ من خلال استيلائها على السلطة وإقامة “ديكتاتورية البروليتاريا”. ففي رسالة من ماركس إلى جوزف فيدماير بتاريخ 5/3/1852 يقول :” إنّ الجديد الذي أعطيته يتلخّص في إقامة البرهان على ما يأتي: 1- إنّ وجود الطبقات لا يقترن إلاّ بمراحل تاريخية معينة من تطور الإنتاج. 2- إنّ النضال الطبقي يفضي بالضرورة إلى ديكتاتورية البروليتاريا.3 – إنّ هذه الديكتاتورية نفسها لا تعني غير الانتقال إلى القضاء على كلّ الطبقات وإلى المجتمع الخالي من الطبقات”. ويوضّح ماركس هذه المسألة في فقرة واردة في “نقد برنامج غوتا” حيث يقول :”بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي، تقع مرحلة تحوّل المجتمع الرأسمالي تحوّلاً ثورياً إلى المجتمع الشيوعي، وتناسبها مرحلة انتقال سياسي لا يمكن أن تكون الدولة فيها سوى الديكتاتورية الثورية للبروليتاريا”.
وفي نصّ يتّسم بالوضوح الشديد في شأن “خلاصية” البروليتاريا، يقول ماركس في مقدمته لنقد فلسفة الحقوق عند هيغل” :”في ألمانيا، حيث الحياة العملية مجرّدة من الفكر، والحياة الفكرية مجرّدة من الممارسة سواء بسواء، لا توجد طبقة في المجتمع المدني تشعر بالحاجة أو تملك القدرة على إطلاق حركة الانعتاق الشامل، ما دام وضعها المباشر، الضرورة المادية، وقيودها هي ذاتها لا ترغمها على ذلك. أين توجد إذن الإمكانية الأكيدة للانعتاق الألماني؟ جواب : في تكوّن طبقة ذات قيود جذرية، طبقة المجتمع المدني، فئة تشكل ذوب كل الفئات، دائرة تملك سمة شمولية بشمولية آلامها ولا تطالب بحق خاص بها، لأنهم أوقعوا بها مظالم خاصة بل المظالم في حدّ ذاتها، ليس في وسعها التبجّح بصفة تاريخية ما، لكن فقط بصفة إنسانية، ليست في تناقض حصري مع النتائج فحسب، بل في تناقض منهجي مع الشروط المسبقة للنظام السياسي الألماني، لدائرة لا تستطيع في النهاية أن تتحرّر دون أن تحرّر نفسها من كل الدوائر الأخرى للمجتمع ودون أن تحرّر بالتالي، بسبب هذا الواقع كل الدوائر الأخرى في المجتمع، الذي هو، بكلمة مختصرة، الضياع الكلي للإنسان، ولا يستطيع بالتالي أن يستعيد نفسه دون الاستعادة الكلية للإنسان. هذا الذوب للمجتمع متحقق في طبقة مفردة هو البروليتاريا” (ماركس انجلس، حول الدين.ص44)
إذا كان ماركس يرى أنّ الشيوعية ليست حلماً طوباوياً بل نتيجة وضرورية وحتمية لتطور المجتمع الرأسمالي ولنضال الطبقة العاملة ضد الرأسمالية، وإذا كان لينين يرى أنّ ماركس “يطرح مسألة الشيوعية كما يطرح عالم الطبيعيات مسألة تطوّر شكل جديد، لنقل مثلا، تطور شكل جديد من الأشكال البيولوجية بعد أن عرف مصدره واتضح الاتجاه الذي يسلكه تطوره”، فإنّ إنجلز يذهب بعيداً في الطلب صراحة بأنه “منذ أصبحت الاشتراكية علْماً فإنها تطالب بأن تتبع كعلم، أي بأن تدرس. وستكون المهمة هي أن تنشر بين جماهير العمال بحماس متزايد الفهم ومتزايد الوضوح الذي نحصل عليه بهذه الطريقة، وأن نربط معاً بمزيد من القوة تنظيم كل من الحزب والنقابات” (ملاحظات تمهيدية لكتاب حرب الفلاحين في ألمانيا). هذه الإيمانية المطلقة، وهذا “التطويب” للنظرية على أنها علم قادر على قول الكلمة الفصل في تفسير التاريخ وتعيين مساره المستقبلي، ترك أثراً بالغاً على حيوية النظرية الماركسية وشمول التحليل البنيوي الجديد الذي أتت به في قراءتها للنظام الرأسمالي وتحديد تناقضاته البنيوية، وما قدمته بالتالي من إنجازات على صعيد علم الاجتماع، فطغت ألوان من الجمود العقائدي الذي تحوّل دوغمائية غير قابلة للتطوّر انعكست على معتنقي هذه النظرية سواء أكانوا في بلدان ما عرف بالمعسكر الشيوعي أم في الأحزاب الشيوعية خارج هذا المعسكر.
{{ الثورة والحزب}}
تجلّت الأصولية الشيوعية على صعيد الممارسة بقضيتين مركزيتين نجم عن الأخذ بهما نتائج خطيرة بل كارثية سواء في دول المعسكر الاشتراكي أم لدى الأحزاب التي اعتنقت الشيوعية في العالم. تمثلت القضية الأولى في كيفية قراءة الثورة الروسية التي تشكل الثورة الشيوعية الأم. جرى تصوير الثورة على أنها ذات طابع عالمي وكوني على المجتمعات البشرية استلهامها في وصفها النموذج الأمثل للخلاص البشري من الاستغلال والعبودية. في التطبيق لهذه الوجهة، كان على البلدان الاشتراكية استلهام نموذج الثورة الروسية وإسقاط مقولاتها النظرية والعملية على كل بلد واستنساخ هذا النموذج من دون الأخذ بخصوصيات المجتمعات غير الروسية. لم يجر التعاطي من قبل القيادة الشيوعية في الإتحاد السوفيتي على اعتبار الثورة الروسية ذات خصوصية روسية أولا وفي الأساس، بل على أنها الثورة العالمية بامتياز. في الممارسة، بدا كل تصوّر مغاير للنموذج السوفيتي والنظريات التي تركّبت في ما بعد على الحكم فيه، بمثابة انحراف عن الشيوعية وحتى خيانة لمبادئها.
أما القضية الثانية، فكانت استنساخ النموذج الحزبي اللينيني وفرضه في كل مكان وعلى الأخص منه نظرية “المركزية الديمقراطية”. هنا أيضاً كان على معتنقي الشيوعية التزام النصوص التنظيمية التي قال بها لينين أولاً ثم طوّرها ستالين لاحقاً، والأخذ بحرفيتها بعيداً عن تمايز التشكيلات الاجتماعيّة في كل بلد والظروف السياسية التي تمر فيها درجة تطوره. ترتّب على ذلك تكوّن الأممية التي تضمّ الأحزاب الشيوعية في العالم، والتي بموجب نصوصها يشكل النموذج السوفيتي مرشداً لعملها في النظرية والحزب على السواء. لم تكن التمايزات مقبولة، كما لم تكن الاجتهادات مرغوباً بها، كان الإلتزام الحرفي بما تقوله موسكو قانوناً على الجميع الخضوع إلى موجباته. هكذا دفعت الحركة الشيوعية أثماناً باهظة لهذا الالتحاق الإجباري الذي كانت الأممية تفرضه عليها، وارتكبت أخطاء سياسية تجاه شعوبها وبلدانها نتيجة هذا الالتحاق. أمّا الأحزاب التي حاولت التمايز بما يتلاءم وواقعها، فقد دفعت ثمن ذلك اتّهامات بالانحراف عن الماركسية والخيانة لمبادئها، بحيث يمكن تشبيه الملاحقات والاتّهامات التي أصابت الأحزاب الشيوعية نتيجة الاجتهادات، بما كانت محاكم التفتيش الدينية في القرون الوسطى تقوم به من إخضاع أهل الفكر إلى امتحانات في الإيمان، أو إلى إطلاق الأحكام عليهم بالهرطقة والزندقة وبالتالي الحرمان الكنسي لكلّ مخالف لما تقول به الكنيسة.
{{الشيوعية في السلطة}}
قد يكون من سخرية القدر أنّ الشيوعية والنازية كنظريتين يفترقان كثيراً في الأهداف والقيم والمثل والموقع الاجتماعيّ بشكل جذري، يعودان ليلتقيان في طبيعة الحكم الذي جرت ممارسته. لذا سيجد المرء نفسه أمام متشابهات كثيرة بين ممارسة السلطة في كل من الحكم الشيوعي والحكم النازي على السواء. يشكّل رفض الديمقراطية عنواناً رئيساً في ممارسة الشيوعية بل واحتقار هذه الديمقراطية. يقدّم النص الماركسي تبريراً لهذا الموقف في أكثر من مكان على لسان ماركس وإنجلز ولينين. إن “ديمقراطية المجتمع الرأسمالي هي ديمقراطية لأقلية ضئيلة، ديمقراطية للأغنياء.. يسمح للمظلومين مرة في كل عدة سنوات بأن يقرروا :من ممثلي الطبقة الظالمة سيمثلهم في البرلمان ويسحقهم” وفق ما يقول ماركس. أمّا لينين فقد طوّر النظرة إلى الديمقراطية حيث يقول في كتاب “الدولة والثورة” ما مضمونه :”إنّ الديمقراطية في المجتمع الرأسمالي هي ديمقراطية بتراء، حقيرة، زائفة، هي ديمقراطية للأغنياء وحدهم، للأقلية. أمّا ديكتاتورية البروليتاريا، مرحلة الانتقال إلى الشيوعية، فهي تعطي لأول مرة الديمقراطية للشعب، للأكثرية بمحاذاة القمع الضروري للأقلية، للمستثمرين..في مرحلة الانتقال من الرأسمالية الى الشيوعية يظل القمع أمراً ضرورياً”.
لم ينجم عن ديكتاتورية البروليتاريا زوال الدولة في وصفها مرحلة انتقالية نحو الشيوعية، بل إنّ ما حصل هو نشؤ دولة متسلّطة مارست الديكتاتورية باسم حزب الطليعة على البروليتاريا والشعب في آن ومارست أبشع أنواع الإرهاب ضد المجتمع بمجمله. باسم بناء الإنسان الاشتراكي الجديد المتشبّع بالروح البروليتارية جرت محاولة قولبة للمجتمع وللإنسان على السواء، بل وإلغاء إنسانيته كإنسان، واستخدمت أنواع فظيعة من ألوان القمع والتطهير والإعدامات والنفي ضد الملايين من أبناء الشعوب التي حكمت فيها الأحزاب الشيوعية من الإتحاد السوفييتي إلى أوروبا الشرقية إلى الصين ودول جنوب شرق آسيا وغيرها.. يجري تجييش الجماهير أمام كل منعطف سياسي ينجم عنه في النهاية تصفيات واعتقالات غالباً ما تكون نظرية المؤامرة جاهزة لتبرير مثل هذه الأفعال. يتطلّب الولاء للحزب إيماناً أعمى بكل ما يصدر عنه، وخضوعاً مطلقاً لقراراته والتضحية بكل الخصوصيات في سبيلها. ومن أجل النقاء في مسلكية الحزب والسلطة وإزالة التشويهات عن بعض معالمها، كان لا بد دوما من إعادة كتابة التاريخ وأدوار الأشخاص فيه. فعندما يطال الحكم السلبي أحد القادة يختفي اسمه من تاريخ البلد، وإذا كان لا بد من الإشارة إليه فيكون ذلك بإبراز المساوئ والخيانة التي ارتكبها.
كان على المجتمع أن يتقولب وفق النظرية الشيوعية، وهذه المرة على لسان أيديولوجيّي السلطة، مما بات ينتج عنه وجوب وسم كل شيء بتنسيبه إلى الشيوعية، من قبيل الفن الشيوعي، الأدب الشيوعي، الأخلاق الشيوعية، العلم الشيوعي.. مما هو متشابه في الأيديولوجيات الدينية التي باتت تنسّب كل الماديات إلى هذا الدين أو ذاك. لعلّ هذا النص الذي أوردته “حنّة أرندت” في كتابها “أسس التوتاليتارية” والذي ينطبق على السلطة في الحكمين النازي والشيوعي، تعبير واضح عن السمة التي تميّز الحكم التوتاليتاري الذي جرى تطبيقه باسم النظرية الشيوعية. تقول أرندت :”إنّ النظام التوتاليتاري هو أبعد ما يكون عن الاعتباطية، إذ أنه خاضع، أكثر من أي نظام قبله، إلى هذه القوى الفائقة البشر، ولمّا كان أبعد من أن يمارس السلطة لصالح رجل فرد، فإنه بدا مستعداً للتضحية بالمصالح الحيوية المباشرة لأي كان في سبيل تحقيق ما يدّعيه أنه قانون التاريخ أو قانون الطبيعة. على أنّ تحديه للقوانين الوضعية هو شكل أرفع من المشروعية نفسها، على ما يؤكّد، وإذ يستوحي من المنابع ذاتها، فإنه يسوّغ له أن يتحلّل من شرعية حقيرة. ولطالما تباهت التوتاليتارية بأنها وجدت الوسيلة الآيلة إلى بسط حكم العدل في الأرض، وهذا ما لا يسعها بلوغه شرعية الحق الوضعي، على حد اعترافها… إنّ المشروعية التوتاليتارية، إذ تتحدى الشرعية، وتزعم إحلال العدل في الأرض عبر الحكم المباشر، فإنها تستكمل قانون التاريخ أو الطبيعة دون أن تترجم أيّا منهما إلى معايير خير أو شر تضبط المسلك الفردي. والمشروعية هذه تطبّق القانون على الجنس البشري مباشرة دون أن تبالي بمسلك الناس. وأيّا يكن إنفاذ قانون الطبيعة أو قانون التاريخ قليل الضبط، فإنه يقتضي لهما أن يجعلا من الجنس البشري نتاجاً أخيراً، والحال إن هذا الأمل هو ما يكمن خلف ادّعاء كل الأنظمة التوتاليتارية في حكم الكون. ذلك أنّ السياسة التوتاليتارية تشاء تحويل الجنس البشري إلى شعاع فاعل ومعصوم لقانون، يصير دونه الناس، إذ يدفعونه بأجسادهم، خاضعين له سلبياً.. إنّ الإرهاب من حيث كونه تحقيقاً لقانون حركة لا تكمن غايتها القصوى في رفاه البشر ولا في صالح رجل فرد وإنما في إنتاج جنس بشري في ذاته، من شأنه أن يلغي الفرد لصالح النوع فيضحّي “بالأجزاء” في سبيل صالح “الكل”. ولما كانت قوة الطبيعة أو التاريخ فوق البشرية ذات بدء مخصوص وخاتمة، فقد أمكن بدء الحياة الفردية وختامها وحدهما أن يحولا دون إتمام مسيرها. ومن الجليّ أنّ هذا البدء والختام إن هما إلاّ حياة الإنسان نفسها” (ص246-247-252).
{{عبادة الشخصّية}}
قد تكون ظاهرة عبادة الشخصية من أخطر النتائج السلبية التي تولّدت عن الأصولية في الشيوعية، فحوّلت قادة أحزاب شيوعية إلى شخصيات تحمل خصائص فوق بشرية وشبه إلهية. فالقائد الشيوعي ، من لينين إلى ستالين إلى ماوتسي تونغ إلى كيم إيل سونغ وصولاً إلى خالد بكداش.. كلهم قادة ملهمون للشعب ومرشدون طريقه وموجّهون نحو الخلاص، كلامهم هو الحقيقة بعينها ومعارضتهم خيانة وعمالة للامبريالية يستحق صاحبها إزالته من الوجود. من المفارقة أنّ جميع البلدان التي عرفت النظام الشيوعي استنسخت عبادة الشخصية عن زمن ستالين وطبقتها كل وفق ظروف بلده ، مع المحافظة على الخصائص الرئيسية لهذه العبادة. لا تنفصل عبادة الشخصية عن الديكتاتورية التي اتسمت بها هذه الأنظمة والتي كان بموجبها مطلوب إنهاء كل معارضة لهذا النظام. يشير روجيه غارودي في كتابه “الأصوليات المعاصرة” إلى ظاهرة عبادة الشخصية بالقول :”الحزب يتكلم باسم الطبقة، ثم يتكلم الجهاز باسم الحزب، ويتكلم القادة باسم الجهاز، وفي نهاية المطاف، يتكلم شخص واحد ويفكر باسم الجميع”. لم تكن المعارضات دائما من المناهضين للشيوعية، كانت من قلبها وداخل الأحزاب نفسها. شكّل ستالين نموذجاً احتذاه سائر القادة – الآلهة في ما بعد. هناك القلق والهاجس الدائم من وجود معارضة، مما يعني تشديد قبضة القمع والإرهاب للحفاظ على العقيدة. تفنّن ستالين في القضاء على أخصامه في الحزب وعلى قادة الثورة البلشفية، فهناك تهمة إلصاق التآمر في وصفها لازمة ضد كل من لا يؤمن بستالين و”ألوهيته”. كما تفنن معه سائر القادة لاحقاً في قضية النقد الذاتي والاعترافات بالجريمة، فقد كان على المتهم بالمعارضة أن يقدم نقداً ذاتياً يحمل اعترافاً بأنه خان الحزب والثورة وتعاليم القائد، وأنه غير جدير بالقيادة، إضافة إلى أوصاف لذاته تحمل الإذلال والإهانة، وذلك كله من أجل أن “يتطهّر” ويعود له صفاؤه الثوري. كانت هذه الوسيلة لدى ستالين خير محاكمة يقوم بها المعارض لنفسه، فتكفي اعترافاته للعقاب الذي سيناله، والذي يتراوح بين السجن والنفي والموت، وبهذه الوسيلة قضى ستالين على معظم قيادات الثورة البلشفية. سلّط تقرير نيكيتا خروشوف في شباط 1956 أمام مؤتمر الحزب الشيوعي الضوء على عبادة الشخصية وعلى النتائج المدمّرة التي أصابت الإتحاد السوفييتي من جرّاء ممارستها. هذا مع الإشارة إلى أنّ عبادة الشخصية بدأت مع وفاة لينين والقرار الذي اتخذ بتحنيط جثمانه ومنع دفنه.
النموذج الآخر في عبادة الشخصية مثله ماوتسي تونغ في قيادته للحزب الشيوعي الصيني. على غرار ستالين أعدم ماو الكثير من الشيوعيين بتهمة معاداة الشيوعية، بعدما قاد البلاد والحزب بالإرهاب والرعب. تشكل عبارة خروشوف في وصف ماو تسي تونغ أبلغ صورة عن شخصية هذا القائد :”اعتقد ماو نفسه رجلاً أرسله الله لينشر مشيئة الله” ( نقلا عن كتاب :ماوتس تونغ، القصة المجهولة، لـ:يونغ تشانغ وجون هوليداي). شكلت سنوات الثورة الثقافية مطلع الستينات من القرن الماضي أبشع المراحل التي شهدتها الصين، عبر عمليات التطهير واستهداف الثقافة والأوصياء عليها والدعوة إلى محو معالم الثقافة القديمة من أذهان الناس ، وفي هذا المجال جرى تدمير منزل كونفوشيوس واتّهامه بأنه “العدو المنافس لفكر ماوتسي تونغ”.
في مقدمة “الكتاب الأحمر” الذي يتضمن أقوالاً لماو تسي تونغ، يقول “لين بياو”، الذي كان نائباً لماو ثم انقلب عليه وقتل أثناء هروبه من الصين، يقول :”الرفيق ماو تسي تونغ هو أعظم ماركسي لينيني في عصرنا الحاضر، فقد ورث الماركسية اللينينية وصانها وطوّرها، بعبقرية وبصورة خلاقة وشاملة، وارتقى بها إلى مرحلة جديدة كل الجدة. إنّ أفكار ماو تسي تونغ هي الماركسية اللينينية في العصر الذي تتجه فيه الامبريالية نحو الانهيار الشامل، وتتقدم فيه الاشتراكية نحو الانتصار على نطاق عالمي، إنها سلاح أيديولوجي قوي في النضال ضد الامبريالية، وفي مقاومة التحريفيّة والجمود العقائدي. وأفكار ماو تسي تونغ هي المبدأ المرشد في جميع الأعمال لكل الحزب وكل الجيش وكل البلاد.
ولهذا فإنّ المهمة الأساسية الأولى لحزبنا في ميدان العمل السياسي والأيديولوجي هي أن يرفع دائما الراية الحمراء العظيمة راية أفكار ماو تسي تونغ عالياً، ويسلّح عقول الشعب في البلاد كلها بهذه الأفكار، ويدأب على جعل أفكار ماوتسي تونغ تحتل مقام القيادة في جميع الأعمال. وعلى الجماهير الواسعة من العمال والفلاحين والجنود والكوادر الثوريين والمثقفين، أن يستوعبوا أفكار ماو تسي تونغ حقاً، ويصبح كل واحد منهم يدرس مؤلفات الرفيق ماو، ويسمع كلامه، ويعمل طبقا لتوجهاته ليكون تلميذاً ممتازاً له.
على المرء حين يدرس مؤلفات الرئيس ماو، أن يدرسها وفي ذهنه مسائل محددة يسعى لحلها، وأن يدرسها دراسة حيّة، وأن يطبق ما يتعلّمه منها تطبيقاً حياً، وأن يربط الدراسة بالتطبيق العملي وأن يقدّم في دراسته ما هو في حاجة ماسة إليه على ما عداه، لكي يحرز النتائج المنشودة مباشرة كما يرمي العود ظله فور نصبه في ضوء الشمس، وأن يبذل أقصى جهوده في التطبيق الحي لما يدرسه. ومن أجل استيعاب أفكار ماو تسي تونغ حقاً، يجب على المرء أن يدرس الكثير من وجهات النظر الأساسية مراراً وتكراراً، وهناك عبارات للرئيس عميقة الدلالة بعيدة المغزى يحسن بالمرء أن يحفظها عن ظهر قلب، وأن يكرّر دائماً دراستها وتطبيقها. وعلى الصحافة أن تنشر على الدوام مقتطفات من أقوال الرئيس ماو، على أن تكون هذه المقتطفات مرتبطة بالظروف الواقعية حتى يدرسها القراء ويعملوا على تطبيقها. وقد برهنت خبرة الجماهير الواسعة في دراسة مؤلفات الرئيس ماو دراسة حيّة وتطبيقها تطبيقاً حيّاً خلال السنوات القلائل الماضية على أنّ دراسة المرء مختارات أقوال الرئيس ماو وفي ذهنه مسائل محددة يسعى لحلها، هي أسلوب ممتاز في تعلّم أفكار ماو تسي تونغ يسهل على المرء إحراز النتائج المنشودة مباشرة. إنّ أفكار ماو تسي تونغ، حالما تستوعبها الجماهير الواسعة، تتحوّل إلى قوة لا ينضب لها معين، وإلى قنبلة ذرية معنوية ليس لطاقتها نظير…”
{{خاتمة}}
ليس من شك في أنّ الأصولية الشيوعية لعبت دوراً مهماً في انهيار المعسكر الشيوعي في التسعينات من القرن الماضي بسبب الجمود العقائدي الذي تسببت به ونمط الحكم القائم على الإرهاب وإلغاء الديمقراطية. لكنّ المأساة الأكبر في الانهيار ناجمة عن أنّ النظرية الشيوعية قامت في وصفها نظرية من أجل الإنسان والإنسانية وكان شعارها المركزي “إلغاء استغلال الإنسان للإنسان”، والسعي إلى تحقيق سعادته على الأرض وإقامة مجتمع العدالة والحرية والمساواة بين أبناء البشر وتحقيق الديمقراطية في وصفها التجلّي الأعلى للاشتراكية والشيوعية. لكنّ التجربة التي قامت باسم هذه النظرية الإنسانية في أوروبا وآسيا وأفريقيا، وكل مكان، تولّد عنها أنظمة ديكتاتورية مارست أبشع أنواع الإرهاب بحق الإنسانية، وأدّت إلى إبادة الملايين من البشر، بشكل لم يعرف التاريخ الحديث مثيله إلاّ مع الأنظمة النازية والفاشية. كما أنّ الإيمانية المطلقة بالنظرية الماركسية أدّت بكثير من الشيوعيين، أفراداً وأحزاباً، إلى نوع من الانحراف وصل بها إلى اعتبار النظرية دائماً على صواب حتى ولو تعارضت مع المعطيات الواقعية، على الرغم من أنّ الماركسية كانت تقوم على “التحليل الملموس للواقع الملموس”، وكان لينين يراها “نظرية ثورية مرشدة للعمل”.
{{ المراجع}}
ماركس – إنجلز: منتخبات في ثلاثة مجلدات. دار التقدم، موسكو، 1980
ماركس – إنجلز :حول الدين. ترجمة ياسين الحافظ، دار الطليعة ، بيروت، 1981
لينين : مختارات. دار التقدم ، موسكو
ماو تسي تونغ: الكتاب الأحمر، مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسي تونغ، دار النشر باللغات الأجنبية، بكين
حنة أرندت: أسس التوتاليتارية. ترجمة أنطوان أبو زيد، دار الساقي ، بيروت،1993
يونغ تشانغ وجون هوليداي: ماوتسي تونغ ، القصة المجهولة، ترجمة نقولا شرفان وأوديت نحاس. دار النهار، بيروت 2007
إسحق دويتشر : الإنسان الاشتراكي، ترجمة جورج طرابيشي. دار الآداب ، بيروت،1981
