حول العلاقة المُعقّدة بين دريدا وهابرماس
وُلِد دريدا في منطقة الأبيار في الجزائر عام 1930 وتوفّي في باريس عام 2004. كان دريدا من أُسرة يهودية، ولذلك طُرِد من المدرسة أثناء الحرب العالمية الثانية حين كان طفلاً لتطبيق حكومة فيشي القوانين العنصرية في فرنسا ومستعمراتها عام 1940، ولمّا انتقل مع من طُرد من الطلاب والأساتذة اليهود إلى مدرسة يهودية خالصة شعر بالاختناق وعدم الاندماج. لقد ترك حادث الطرد هذا، ثمّ عدم اندماجه في جماعة يهودية مُنغلقة أثراً لن يُمحى من حياة دريدا، سيتجلّى في أُسلوبه التفكيكي للذات والهوية، واعتماده التعريف بالسلب، مثلما يُعرِّف نفسه غالباً أنه ليس باليهودي ولا بالفرنسي ولا بالجزائري. ظلّ دريدا أحد آخر أكبر الفلاسفة الفرنسيين بعد رحيل ميشيل فوكو، ولوي ألتوسير، وجيل دولوز، ولا أظنّ أنّ هناك فيلسوفاً فرنسيّاً مُعاصراً الآن في فرنسا يمتلك ثقلاً عالمياً كالذي كان لفوكو أو لدريدا، وأخشى أنّ الفلسفة الفرنسية قد تيتّمت بعدهما. أقول هذا رغم أنّ دريدا فيلسوفٌ غير محبوب كثيراً في فرنسا وحتى في أوروبا. فكيف لفرنسا، ذات الإرث العقلاني الديكارتي الذي تعتزّ به كثيراً وتعتبره مقوّم هويتها وممثلاً لروح الشعب الفرنسي بالمعنى الهيغلي، أن تتسامح مع فيلسوفٍ يُكرّس جهده أساساً لتفكيك هذه العقلانية الغربية الميتافيزيقية المتمركزة على عقلها وعلى “أناها”؟ ولكن يظل علينا أن ننتبه أنّ التفكيكية ليست عملية هدم أو تخريب مجانية، تُفكّك دون أن تطرح بدائل مثلما قُدِّمت تبسيطاً وابتساراً في كثيرٍ من الأحيان وخاصة للقارئ العربي. رغم الجدل العالمي حول موقع دريدا وأهميته الفلسفية، إلا أنّه من المؤكِّد أن الولايات المُتّحدة قد فتحت أبوابها على مصراعيها أمام دريدا وتفكيكيته التي صارت في ذلك البلد مدرسةً قائمةً بذاتها.
يكبُر هابرماس دريدا بسنة واحدة فقد وُلِد في ألمانيا عام 1929، حيثُ تفتح وعيه السياسيّ على الحرب العالمية الثانية والمحارق اليهودية التي تركت في نفسه أكبر أثر، بل ربّما دفعَت به لأن يكون ملكيّاً أكثر من الملك في الدفاع عن “المسألة اليهوديّة”. أياً يكن فقد مثَّلتْ النازية بالنسبة لهابرماس تاريخاً أسود تجلَّت فيه اللاعقلانية السياسيّة بأبشع صورها، ولم يكن ذلك بالنسبة له إلا نتيجةً لانحراف مبادئ التنوير الأوروبية التي افترضت سيطرةً للعقل وحريةً للأفراد وسلاماً بين الأُمم؛ الأمر الذي دفعه إلى الدفاع بلا هوادة عن قيم التنوير والحداثة والعقلانية الكونية التواصلية المعيارية في المجتمع التعدُّدي.
مع تراجع قوى اليسار في أوروبا التي هيمنت على المناخ الثقافي والسياسي مع نهاية الستينات، ثم تقدُّم قوى اليمين، شهد الفكر الفرنسي الُمعاصر تراجُعاً لسيطرة مُفكري اليسار فوكو، دريدا، دولوز، ألتوسير، وظهور محاولات جديدة في فترة الثمانينات (تنتمي لليمين السياسي) لتجاوز ما سُمّي بفكر 68 (اليساري) فاستعانت بفكر هابرماس في نقد توجهات فوكو ودريدا وألتوسير وبورديو ولاكان، وللحديث عن الاستقرار واحترام المؤسسات الاجتماعية والقانونية بعد تلك الفترة العاصفة من الثورة الفكرية والاجتماعية. ولا شك أن فكر هابرماس هو خير مُعين لمن يبحث عن التوازن الاجتماعي والاستقرار الفكري والعقلانية الضابطة. لقد أدّى هذا التوجّه نحو اليمين سياسياً وثقافياً، أوروبياً وأمريكياً إلى دفع هابرماس إلى واجهة المسرح، ليصبح الممثّل الأبرز واللاعب الأهمّ في الثلاثين سنة الأخيرة من الفكر الغربي المعاصر.
ما يجمع دريدا وهابرماس ويُفرِّقُهما في آن، هو اختلافهما وتقاطعهما في كثيرٍ من الأحيان. يذهب البعض إلى أنّ كُلاً من هذين الفيلسوفين هو النقيض المباشر للآخر، فهم يرون في هابرماس مُمثِّلاً لفكر الحداثة والكونية والعقل، وفي دريدا تجسيداً لفكر ما بعد الحداثة (المُتمرِّدة على الحداثة) والخصوصية ونقد العقل. رغم هذه التوجهات المتباينة إلا أنّ النقاط التي يتقاطعان بها تتمثَّل في انشغالهما المُشترك بمستقبل أوروبا ودورها على الساحة العالمية، وبمسألة تطوير القانون الدولي، وفي نقدهما لكلٍ من الانغلاق القوميّ ومعادة الأجنبي.
لا تندرج علاقة دريدا بهابرماس في إطار العلاقات الشخصية فقط، ولكنها تعكس توتراً وتلاقحاً في نفس الوقت بين الفكر الألماني والفكر الفرنسي الحديثين والمعاصرين. فالعلاقة بين هذين الفيلسوفين مُعقدةٌ جداً، ويتخللها الكثير من الاضطراب؛ فأكبر فيلسوفين أوروبيّين مُعاصرين قد وُلِدا في نفس الفترة تقريباً، وهما من بلدين جارين، وحققا شُهرةً عالميةً شابتها حالةٌ من التجاهل شبه التَّامة أحدهما للآخر. أما حين بدأت حالة الاعتراف العلني فقد بدأت متوترة وسجالية، إذا لم نقل حرباً شعواء. كان هابرماس هو من بدأ السجال (الطريف والمتناقض عند هابرماس أنه فيلسوف سجالي من الدرجة الأولى مع أنه يُصر على التواصل الودي الذي يستهدف الفهم). في سبتمبر 1980 يُلقي هابرماس محاضرة بمناسبة استلامه لجائزة ثيودور أدورنو بعنوان “الحداثة: مشروعٌ لم يكتمل.” يُكرِّسها لنقد تيارات ما بعد الحداثة (وعلى الأخص الفرنسية) حيث يقول فيها: “اسمحوا لي أن أُميِّز باختصار بين النزعة المضادّة للحداثة l’anti-modernisme من المحافظين الشباب، ونزعة ما قبل الحداثة pré-modernisme من المحافظين القدامى، وبين نزعة ما بعد الحداثة post-modernisme الخاصة بالمحافظين الجدد”1. بعد أن صنّف الفلاسفة الفرنسيين الجدد في عداد المحافظين الشباب: “يمتد هذا الاتجاه في فرنسا من جورج باتاي إلى ديريدا مروراً بفوكو”2. لكن هذه المقالة لم تحظَ على ما يبدو باهتمام دريدا (من الممكن أنه لم يطَّلع عليها في حينها)، ولكنها ستشعل فتيل السجال بين هابرماس وفوكو الذي يردّ على هذه المقالة بشكلٍ غير مباشر في العام التالي بمحاضرته الشهيرة في الكوليج دو فرانس والتي حملت عنوان “ما التنوير؟3″
لقد بدأت المعرفة المباشرة بين هابرماس ودريدا فعلياً عام 1984 حين دعا هابرماس دريدا إلى فرانكفورت لإلقاء محاضرة حملت عنوان” عيون الجامعة: مبدأ العقل وفكرة الجامعة”. بعد سنة من هذا التاريخ ينشر هابرماس كتابه المُهمّ :الخطاب الفلسفي للحداثة، والذي سيكرِّس فيه فصلين يتناول فيهما فلسفة جاك دريدا بالنقد. لقد قرأ دريدا هذا الكتاب بعناية شديدة، كما يروي بلسانه، واكتشف أن نقد هابرماس له لم يكن مُنصفاً، وربما كان مُتعجلاً أكثر من اللازم. لن يتأخّر ردّ دريدا كثيراً، بل سيُجيب هابرماس على دفعتين في تعليقين طويلين سيظهران في كتابيه ذكريات، من أجل بول دو مان 1988 ثم في Limited Inc 1988. لقد أدى هذا السجال إلى توتر الأجواء بين هابرماس ودريدا اللذين حرصا على تجنب بعضهما البعض تقريباً لعقدٍ من الزمان. كان كلاهما قد حقَّق شهرةً واسعة في الولايات المُتَّحدة (بخاصة جاك دريدا) ومع نهايات التسعينات التقيا في حفلة أُقيمت في جامعة إيفانستون في الولايات المُتّحدة عقب محاضرة لدريدا. يروي لنا دريدا كيف كسر هابرماس الجليد في تلك الحفلة بالكلمات التالية: “اقترب هابرماس مني بابتسامة لطيفة واقترح بأن لدينا نحن الاثنين ما نناقشه. وافقتُ بدون تردُّد، وقلتُ ’دعنا لا ننتظر إلى أن يفوت الأوان’”4. ستزداد بعد ذلك فرص اللقاء بين الفيلسوفين وستتغير اللهجة الناقدة إلى لهجة مودة، حيثُ سيلتقيان بعد ذلك بقليل في باريس، وسيكتشفان أنهما مُتفقان على الكثير من النقاط مثل مُستقبل أوروبا ومسائل تتعلق بالقانون الدولي ثم سيعملان بمساعدة آكسل هونيث (كان قد أصبح حينها رئيس مدرسة فرانكفورت) على تنظيم جملة محاضرات حول الأخلاق والحق والسياسة ستنعقد في فرانكفورت عام 2000. مع نهاية ذلك العام سيشترك هابرماس في مؤتمر عُقد في باريس حول جاك دريدا، وفي عام 2001 يتم منح جائزة أدورنو لجاك دريدا، حيث سيلتقي الفيلسوفان هناك، ثم سيوافقان لأول مرة على إجراء حوارٍ مُشترك حول أحداث 11/سبتمبر 2001 والذي قُمنا بتقديمه مُترجماً للقارئ العربي. سيشترك دريدا وهابرماس بعد ذلك في التوقيع معاً على نص (كتبه هابرماس نتيجة اشتداد المرض بدريدا) دعيا فيه إلى شعبٍ أوروبيٍّ جديد. توافي المنية جاك دريدا عام 2004 بعد أن كتب كلمةً في عيد ميلاد هابرماس الخامس والسبعين 2004 تحدث فيها عن علاقتهما المُعقّدة، ختمها بالكلمات التالية وهو يُدرك اقتراب أجله “[…]آمل من كل قلبي أن يستمر صوت وكتابات وشخص يورغين هابرماس في إضاءة آمالنا لزمنٍ طويلٍ قادم في هذه المرحلة من العجز وفي وجه التهديدات القاتمة التي أخذت تظهر”5. ينطفئ جاك دريدا في التاسع من أكتوبر 2004 في أحد المشافي الباريسية بعد صراعٍ مُضنٍ مع سرطان البنكرياس6، ويرثيه هابرماس بكلمة بعنوان “الوداع الأخير: أثر دريدا التنويري” قال في نهايتها: “يمكن لأعمال دريدا أيضاً أن تحمل أثراً تنويرياً في ألمانيا، إذ أنّ دريدا قد قام بمواءمة موضوعات هيدغر الأخير بدون أن يشترك بأي وثنية جديدة تخون جذوره الموسويّة”7.
{{الهوامش:}}
1- Habermas, « La modernité : un projet inachevé », trad. franç. Gérard Raulet, in Critique, n° 413, « vingt ans de pensée allemande », oct. 1981, p. 966.
2 المرجع نفسه.
3 Miche Foucault, « Qu’est-ce que les Lumières ? », in Les Dits et Écrits, tome II, Gallimard Quarto, 2001.
4 J. Derrida, « Honesty of Thought » in The Derrida-Habermas Reader, ed. Lasse Thomassen, The University of Chicago Press, 2006, p. 302.
5 المرجع نفسه، ص. 305.
6 لا أستطيع أن أمنع نفسي من التذكر بأسى رحيل فيلسوفٍ غربيٍّ آخر جمعته بدريدا وبهابرماس علاقة شخصية قويّة وكان يرى أنهما أشهر فيلسوفين معاصرين وأن أحدهما يُكمّل الآخر وأقصد به ريتشارد رورتي. لقد توفي رورتي بنفس مرض دريدا أي بسرطان البنكرياس وقد رثاه هابرماس بكلمة يروي فيها أنه تلقى رسالة إلكترونية من رورتي يُخبره فيها بأنه أُصيب بنفس المرض الذي قتل جاك دريدا ثم يضيف رورتي بسخرية مُرَّة أن ابنته قالت له أن هذا المرض يُصيب أولئك الذين يقرأون هيدغر كثيراً. فقد كان رورتي مثل دريدا يستقي من فلسفة هيدغر ويعيد الاشتغال عليها.
7 المرجع السابق، ص، 308.
