الوجود قاعة انتظار كبرى

الانتظار هو تلك العملية التي يكون الإنسان، بموجبها، منخرطا في دهاليزها بشكل قسريّ؛ وهي عملية بمثابة ممارسة إنسانية يتجلّى فيها المستقبل ويظهر.

لا تخلو الحياة اليومية من هذه الممارسة، إنها بمثابة طقس علينا القيام به مقرّين بمراسم في منتهى الدقة والضبط، حتى لا تزيغ عن المألوف والمعتاد.

الوجود قاعة انتظار كبيرة، والإنسان محمول لهذا الوجود. لا يستقيم وجود الإنسان إلا في ظلّ هذه القاعة التي لا يُتبيّن قعرُها الغائرُ، تستحيل حياة الإنسان دون عملية الانتظار، لأنه هو جوهر الحياة ولحمتها المتينة.

الانتظار مسلسل لا تنتهي حلقاته، هو ما يشد الكائن لأن يبقى ويترسّخ على أرض الثبات مترقبا ما سيصير ويتقدم، يغلّف بنية وجود الإنسان السميكة ولا ينفصم عنها.

في الخطاب التيولوجي يقيم الانتظار ويستعمل بقوّة لا مثيل لها. يمكن القول إنّ أساس هذا الخطاب هو المستقبل؛ من حيث أن الانتظار هو استدعاء دائم للمستقبل، بمعنى أنّ اللحظة أو الحاضر التي ينسج فيه الإنسان كينونته وفق إرادته الخاصّة، وليس وفق وجود متعالٍ مشمول بالجبرية والضرورة، في ثناياه يرغم الإنسان ويؤخذ عنوة على العيش في الحياة محاصرا بحدود عليه ألا يتجاوزها، محاصرا بأنماط سلوكية عليه أن يمتثل لقواعدها، عليه أن يتمثّل بشكل جيّد التمييز بين ما هو حلال وحرام، بين ما هو مباح وما هو مكروه، بين ما هو أخلاقي وشرعي وما هو منحطّ ولا شرعي، بين ما يؤدّي إلى دروب الشرّ وبين ما يؤدي إلى الطريق الواضح للخير. إن الإنسان لا حول له ولا قوة لما يتعرض له من ضربات سندان هذا الخطاب بجهازه البلاغي الثقيل. فأيّ محاولة يقدم على فعلها مخترقة الحدود الفاصلة بين تلك الثنائيات تجعله عرضة بشكل مباشر إلى الوعد والوعيد والترهيب. “من يتجرأ على خرق الأوامر وارتكاب المعاصي والقانون الأخلاقي الذي يفرق بين الأفعال المقبولة والأفعال الخاطئة، ومن يتجرأ على إباحة المحظورات واستباحة الأعراض والشرف المصون فهو موعود بالعقاب الأبدي”. هذا جزء من هذا الخطاب الذي يستثمر الانتظار كأفق للتضييق على الإنسان في حريته وخنقها وكبتها إن اقتضى الأمر ذلك. من هذا المنطلق الإنسان هو صيرورة انتظار لما سيخبر عنه المستقبل، مثلا الإنسان المؤمن يكرّس حياته للعبادة والتعبّد في انتظار ما ستؤول إليه تلك الممارسات الطقوسية الشعائرية وما سيجنيه من ثمارها، فالمؤمن ينتظر الجنّة متوسلا ويداه للسماء، راجيا منها أن تغدق عليه من خيراتها ونعيمها.

الانتظار هو استدعاء دائم للمستقبل؛ إلى الحدّ الذي يمكن القول فيه إنّ وجود الإنسان هو وجود للمستقبل، فمجمل ما ينجزه هو الرغبة الملحاح في استدعاء المستقبل وجعله مضمونا؛ تنتفي منه عناصر المجازفة والمخاطرة المحدقة من كلّ الجوانب. لا يعدو المستقبل أن يكون ترتيبات يهيّؤها الإنسان في حياته اليومية المنخرط في تلابيبها، عنوة، وبشكل قسريّ، ترتيبات هي في جوهرها تمسّ كلّ التفاصيل الصغيرة والدقيقة المرتبطة ارتباطا وثيقا بعالمه الخاصّ. بشكل عام الجهد المضني الذي يكرّسه الإنسان من خلال قيامه بالعمل، كفعالية واعية، وكنشاط غائي منذور للمستقبل، وجعله من ثمّة تلك الضمانة المتعالية لأفق معيشه الذي يرغب في أن يلبس لبوس الرغد والبحبوحة.

الانتظار والمستقبل هما بمثابة التوأم الروحي الذي لا تنفصم عراه، والبعيد كل البعد عن الانفصال والشقاق. لا يمكن أن يشملهما الفراق أو العداوة باعتبار أنّ الأول يتأسس على الثاني ولا يبرحه إطلاقا. مفهوم المستقبل لا يغيب البتة عن أذهان الناس وعن مخيالهم الجمعي لأن وجودهم العام هو وجود من أجل المستقبل. أين يتجلى هذا الهوس المجنون بالمستقبل؟

إن التساؤل عن طبيعة هذا الهوس يشدنا على سبيل المثال إلى ظاهرة التنجيم بما هي استدعاء صريح ومباشر للمستقبل. من خصائص التنجيم الجوهرية تقديم الإجابة عن احتمالات وجود الكائن، وإعطاء صورة واضحة عن الوضعية الوجودية التي سيكون عليها، إنه صيرورة كائن ما يفتأ يصير، صيرورة كائن ما يفتأ يرغب. يتساءل في خلده على أي هيئة سأكون؟ وما هي الرغبات الدفينة التي قد تجد تصريفها الفعلي في الغد، وما هي الوضعية السيكولوجية والاقتصادية والعاطفية التي ستؤول إليها حالتي؟ إن التنجيم ينفي مضمون الحاضر واللحظة ويفرغهما من جعبته، ويستدعي المستقبل في المقام الأول، ويؤثثه باحتمالات وجود متوقعة التحقق! لا يكترث بإمكانات الفرد الذاتية في اللحظة، بل هو مرهون بما يجود به المستقبل بالنسبة إلى هذا الفرد من توقعات قد تغير من مجرى حياته برمتها.

تستيقظ سيدة في عقدها الثالث من نومها، تستقبل صباحها الملبّد بغيوم مدينة ميونيخ الحزينة على إيقاع موسيقى الغموض الذي يكتنف أحلامها الوردية. ترمي فكرة ترتيب المنزل في سلة المهملات، هدفها الوحيد الذي يشوّش على تفكيرها في تلك الأثناء هو ذلك الهاتف الثابت الذي يحظى بعناية خاصة والمدلّل من لدن صاحبته، لأنه يشكل موضع اهتمام مبالغ فيه، لا يفارق عينيها، تخاف عليه من الضلال والضياع، تهرول في مشيتها، لا تلتفت يمينا ولا شمالا، تركب الرقم المطلوب بسرعة متناهية وتجيبها عاملة من خدمة الأبراج واضعة نفسها رهن إشارتها، وتحاول السيدة أن تستفسرها عن تنبؤاتها فيما يتعلق بزوجها الذي لم يلتحق بها بعد لأسباب إدارية روتينية إلى الديار الألمانية، وتجيبها أن زوجها سيلتحق بها في اليوم الثامن من آذار/مارس 2009 …. !

كل خطوة تحاول أن تخطوها أو قرار عليها أن تحسم الأمور فيه وتنفّذه دون تردّد أو نكوص تجد نفسها منقادة إلى طلب الاستشارة من هذه الخدمة الساحرة، هي بمثابة طقس وتقليد عليها أن تقوم به وتنجزه بحذافيره. هذا التعالق الوجداني الغريب الذي يجمع ما بين قلبها البريء وقلب الخدمة القاسي، هو عنوان بارز على أن الفرد رهين المستقبل ومكبّل الأيادي إزاءه. المستقبل يسكن أفق الكائن ولا يغادره ولو حكم عليه بالإفراغ التعسفي. إن استدعاء المستقبل ومعرفة مصير الكائن وإلى أين سيؤول، تهيمن بشدة على الممارسات الاجتماعية التي تنسج آلياتها وتحرّكاتها على سجاد اليومي الحافل. المستقبل يتوزع في كائنات منتقاة تجعل من المستقبل موردها المعيشي. لأنها تعلم علم اليقين أن الإنسان بطبيعته لا يحفل باللحظة، بل بمصيره في العالم. كائنات منها من يتقن حرفة قراءة الكف أو إجادة بما تخبر عنه صور لعبة الورق بالإضافة إلى قارئات الفنجان وذوي المهارات في تحريك وتطويع الرصاص الذائب (وهو ما يعرف عندنا بالمغرب بآلدون)؛ نساء يتقنّ عملهن وأسلوب التعامل مع هذه المادة ويبدين مهارات في غاية الدقة والحرفية، ويظهرن أنّ كعبهن عالٍ في هذا المجال.

بين اللحظة واللحظة يحلّ النسيان، كما أكّد مارتن هايدغر؛ لكن بين اللحظة واللحظة يحلّ تذكّر المستقبل وتفكيك ملامحه المشفّرة. فالدول باختلافاتها سواء كانت الدول الصناعية أو السائرة في طريق النموّ، تفكّر في مستقبلها وفي مستقبل شعوبها، تقوم بدراسات تحليلية لمصائر أفرادها، وتضع مخططات ممنهجة، وهي في عمقها ليست مخططات عادية، بل هي مخططات استعجالية، بمعنى أنّ عنصر السرعة لا يغيب عنها في تنفيذ المشاريع. المخطط أو التخطيط سكن المستقبل. من هنا تتضح نزعة الإنسان باعتبارها نزعة تخطيطية، على أساس أن لا مجال للصدفة أو الاعتباط. المستقبل هو الشغل الشاغل ليس فقط في حياة الفرد فحسب، بل يقتحم سياسات الدول و علاقاتها الدبلوماسية.

لقد انتبهت مجمل القنوات الفضائية بذكاء إلى أنّ الإنسان مشمول بالنزعة الفضولية إزاء المستقبل.وهو ما دفعها إلى تجييش آلياتها الإعلامية بتخصيص برامج متخصصة في الأبراج، واستضافة أشخاص يدّعون القدرة على معرفة مصير الفرد، وأهمّ الوقائع والأحداث التي سيصادفها في مستقبله على المدى المتوسط وعلى المدى البعيد. لم تقتصر العولمة على بسط نفوذها في الغزو اللامتناهي للأسواق العالمية والتنميط المساوق لها، الشامل لكل الأشكال الثقافية والمبادلاتية، بل هي عولمة كرست لشمول التكهنات المستقبلية للأفراد في بقاع المعمور. لا يجد الفرد أمام الشاشة نفسه من بد سوى الانغماس اللاواعي في الكلام الذي يطلق على عواهنه مشدوها بكل حيوية نحو ما يقال ويسترسل في القول. لا تستثمر الأبراج فقط في التلفاز وفي بعض القنوات المتخصصة بامتياز في هذا الميدان، بل الأمر يتعدى ذلك بحيث يطال الجرائد اليومية والأسبوعية والشهرية، إنه تواطؤ ضمني لا يكف عن استعمال أحلام الأفراد لصالحهم، من خلال أحلام الأفراد تتغذّى وتعيش. خدمة الأبراج لا ترغب في التوقف، تتناسل كالفطر، فهي تغزو كل المواقع واضعة نصب أعينها تطلّعات الناس لتضع رهن إشارتهم أرقاما هاتفية في خدمتهم، ما عليهم سوى تركيبها لمعرفة حقيقة شخصياتهم وما سيتحقق في نفس اليوم والغد، وكيف سيكون حظّهم. ولا تكتفي بنشر أرقامها على تلك المواقع فحسب، بل تستثمر الشبكة العنكبوتية لتمرير خدماتها الساحرة.

لا تستسلم الدراسات العلمية عن مفاجأتنا باكتشافاتها المبهرة. بمناسبة هذا الكلام، والأمر يتعلق دائما بمفهوم المستقبل،وقد كشفت إحدى الدراسات أنّ قردة الشامبانزي تتمتع بالقدرة على التخطيط للمستقبل. بحيث أظهرت دراسة سويدية أن الحجارة التي يرميها قرد الشامبانزي على زوار حديقة الحيوانات، حيث يحتجز، عمل ناجم عن سابق تخطيط وتوقع، ما يؤكد أن بعض الحيوانات قادرة على غرار الإنسان على التحسب للمستقبل. هي دراسة استغرقت عقد من الزمن، اكتشف خلالها الباحثون قردا من فصيلة الشامبانزي وهو يجمع حجارة ويشذبها على شكل أقراص كي يرميها على زوار الحديقة. يقول المشرف على هذه الدراسة ماتياس أوسفات من جامعة لوند في السويد والتي نشرتها مجلة “كورينت بيولوجي”: “هذه الملاحظات تظهر بطريقة مقنعة أن أبناء عمومتنا القردة يتوقعون المستقبل بطريقة شديدة التعقيد، وهي تمتلك عالمها الداخلي الخاص على غرار الإنسان الذي يستعرضون في مخيلتهم مراحل من حياتهم الماضية أو يفكرون في المستقبل”.

الانتظار والمستقبل توأمان روحيان. في لبّ لحظة الانتظار يتشكّل المستقبل ويتوطد. هو ممارسة مسكونة بالتكرار حتى النخاع. الكائن الإنساني يتحرك وسط محيط مفعم بانتظارات غير محدودة. هاهو الموظف ينتظر الترقية، والمواطن المغلوب على أمره يقف والعرق يتصبّب من جبينه زخّات زخّات في طابور طويل وعريض في انتظار أن يقضي احتياجاته أو أداء مهمّة إدارية أو الحصول على وثيقة من مصلحة معينة، والطالب الذي ينتظر نتيجة الامتحانات ، والمريض الذي ينتظر دوره في الفحص وهكذا دواليك. في صيرورة الانتظار يستشرف الكائن المستقبل. وماذا يمثل هذا المستقبل بالنسبة للكائن؟ أرى أن المستقبل ليس إلا ذلك المجهول الذي يؤرق وينغص عليه حياته التي من الواجب عليه أن يستفيد من متعها اللامتناهية. إن الانتظار ليس إلا صيغة لاستحضار المجهول ووصفه باحتمالات قد تأتي أو لا تأتي، قد تحدث أو يغيب عنها الحدوث. من يدري؟ الانتظار هو الجملة المفيدة التي بموجبها ينكشف مدلول الضغط وسيولة من التوترات التي تصيب الكائن من كثرة التأمل والتفكير في مؤدياتها. الانتظار و استشراف المجهول من حيث هو عين المستقبل يخلق نوعا من القلق والرهاب الاجتماعي social phobie والقلق الاجتماعي والارتباك أو الأنومياanomie . ليس الانتظار بريئا، بل هو المحرك الأساسي والدينامو الفعال والنشيط لتلك الهواجس والوساوس التي تنخر الكائن وتصدع وجوده الطبيعي!

في عمق الانتظار يتقدم إلينا المستقبل رويدا رويدا. لا يستعجل، كما لو أنّ هناك ثمة مؤامرة تنسج خيوطها الدرامية خلف الستار. الإنسان يحيا كما إستراغون وفلاديمير ودورهما الساخر من الوجود. يمكن القول والحق يقال، أنّ مسرحية” في انتظار غودو” لصامويل بكيت هي الصيغة الملائمة التي تعبر عن وجودنا في كليته، هي الترجمة الحقيقية لهذا الفعل الغريب الذي يسكننا على نحو غريب(فعل الانتظار). الإجابة التي يتلقونها في المساء؛ في لحظة الغسق هي الإجابة التي تثمّن للمضمون الاختباري للكائن في علاقته الآنية والحية والمباشرة مع المستقبل. هذا الأخير الذي تطمع فيه الشخصيتان لكنه يحبطهما ويعودا خائبين بخفي حنين يجرجران ذيول الهزيمة النكراء، محبطي الهمم والنفوس مكررين سيناريوهات الانتظار إلى ما لا نهاية، لكن على الرغم من ذلك نعاين أن الانتظار مع ما يستتبعه من روح الكشف يجعل من المستقبل دائما ذلك الأفق الجدير بأن يعاني الكائن الألم والفقدان والمعاناة الصارخة من أجله، من أجل عيونه السوداء يهون الانتظار وطوبى له!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This