إباضية الجزائر وسود العراق … الهويّات القاتلة
رستم محمود
تناقلت وكالات الأنباء خلال الأيّام والأسابيع الماضية، الخبرين التاليين:
1- سود العراق يطالبون مجلس الوزراء العراقي بالاعتذار عن الجرائم التاريخية التي اقترفت بحق إنسانيتهم، وتعويضهم عمّا فاتهم من فرص الحياة بسبب النظرة التمييزيّة بحقهم . بل وذهب أمين عام ” حركة العراقيين الحرّة ” عبد الحسين عبد الرزاق إلى المطالبة باعتبارهم – سود العراق – الأقلية الثانية في البلاد، بعد الأقلية الكردية. وذهب حدّ المطالبة بالاعتراف بحقوقهم الدستورية الخاصة، وذلك في حفل موسيقي في مدينة البصرة، احتفالا بفوز المرشح الديمقراطي ذي الأصول السوداء باراك أوباما برئاسة الولايات المتحدة ! .
2- مواجهات طائفية بين أتباع المذهب المالكي والإباضي، تحوّل مدينة بريان الجزائرية إلى مدينة أشباح إثر إقفال المحال التجارية أبوابها استجابة لإضراب التجار المتضررين من أعمال التخريب، وذلك على طول الطريق الوطني رقم واحد الذي يقسم المدينة إلى جزأين، شرقي إباضي وغربي مالكي، حيث انتشرت فرق مكافحة الشغب وعناصر الأمن في مختلف شوارع وأزقة المدينة منعاً لحدوث مناوشات جديدة بين الشباب الذين انتفضوا بعد صلاة الجمعة 17-4-2009 في مواجهات دامية راح ضحيتها العشرات من الجرحى، بحسب روايات شهود. وصدر بيان عن مجموعة من سكّان مدينة غرداية (600 كيلومتر جنوب العاصمة الجزائرية) يطالب بترسيم المذهب الإباضي، بشكل رسمي في الجزائر، وأنه ستقدّم أوراق رسمية بذلك، إلى رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة خلال الأيّام القليلة القادمة.
في تتبع لمسيرة “الانقسام الهوياتي”، إن جاز التعبير، في التاريخ المعاصر في الدولتين، العراق والجزائر، تبدو المطالبتان السابقتان، حيث المطالبة بحقوق سود العراق وترسيم المذهب الإباضي في الجزائر، كحالتين طارئتين لم يكن التنبّؤ بهما ممكنا حتى وقت قريب. فالجزائريّون انقسموا تاريخيا بين أقلّية موالية للاحتلال الفرنسي، وأغلبية مناهضة له، في عصر الاحتلال الطويل. ومن ثمّ لعقدين، بين تيار ميال لليسار وآخر عروبي. وفي آخر عقدين بين تيار يمزج بين المدنية والحداثة الوطنية وآخر ممزوج بقاع الأسلمة السياسية.
ما كان الجزائريون يتوقعون يوما، أن ينحر أحدهم جاره الجزائري الآخر، بسبب النسب المذهبي. وعلى الطرف الآخر، كان العراقيون منقسمين تاريخيا، إمّا بين بين أغلبية عربية وأقلية كردية، أو يسار سياسي وآخر قومي عربي، وفي العهد الحديث بين سنّة وشيعة. وما كان لهم أن يتصوروا أن يتحوّل الانقسام في دولتهم على أساس لون البشرة.
بغض النظر إن كانت الدعوتان السابقتان ستلقيان مدّا جماهيريا أم لا، أو سطوعا في المسار الزمني من عدمه، فإنّهما بمجرّد انطلاقهما تكشفان الغطاء عن ثلاث قضايا مركزية في بنية تعايش جماعاتنا الراهنة:
أوّلا: فشل الدولة الوطنية المعاصرة في خلق جو من “الكلّ الروحي”، أو بمعنى مخفف جوّ من ” روح الأمة” الهيغلي . ففي آخر نصف قرن من تاريخ منطقتنا، سجّل نوعا من الخمول في الشعور الجمعي لأناس مجتمعاتنا، حيث إنّ “الانتماء إلى جماعة ما” يكاد أن يكون الحقيقة المطلقة الوحيدة في علم اجتماع المجتمعات البشرية. وهو شرط لازم، إن لم تحققه الدولة، فإنّها تدفع مواطنيها مرغمين إلى البحث عن أي انتماء كان، يجمعهم مع الآخرين. فالدولة العثمانية بالرغم من امتدادها على طيف متشتت ممّا نعتبره راهنا هويات سياسية، قومية ودينية وعرقية ومذهبية ولونيّة تعود للبشرة، كانت أكثر تحقيقا للهوية الجمعية بالنسبة لمواطنيها، مقارنة بالدولة المعاصرة في العالم الثالث. وقد يكون مثال عدم تمرّد شيعة جنوب العراق، على الدولة العثمانية ( السنية سياسيا ) مثالا محيرا، لو لم يأخذ ذلك بعين الاعتبار . فالدولة العثمانية العليا، بكل ممارستها السلبية، كانت بالنسبة للضمير الجمعي لشيعة العراق تمثل وجودا حقا، أكثر من مما كانت عليه الدولة العراقية الحديثة، المحتلة من قبل الانكليز، وقد كانت ثورة العشرين أكبر دليل على ذلك . فالدولة العثمانية بكل مساوئها، كانت في النهاية دولة الشيعي العراقي، والعراق المعاصر بكل محاسنه كان كيانا للآخرين، حسب حسّه الوجودي في البحث عمّا يكون له بالفعل. وكذلك تفعل الدولة المعاصرة في مجتمعاتنا، فالتسلط النخبوي السياسيّ/ الاقتصادي / العسكري الذي يكاد أن يدفع الدولة، بما هي كيان ومجردات ورموز في الذات الجمعية لمواطنيها، إلى آلة جبارة وعمياء، لتحقيق مرامي تلك النخب، فحسب وخلق غربة روحية بين ذات الفرد وذات دولته.
ثانيا : نكوص الحداثة السياسية، بل هزيمتها في إطارنا الزمني المعيش . فالحداثة بما كانت تعني، من انتصار للعقل كأداة للحكم والتعين، على أوهام إنسان حول ذاته في العصور الوسيطة، حسب تعبير ميشيل فوكو، فشلت. فشلت الحداثة، حينما دخل شعب ما القرن العشرين بأفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وخرج منه بجعجعات صدام حسين وبيانات الظواهري الداعي ملكة انكلترا لاعتناق الدين الحق، إنقاذا للبشرية من مأزقها ! . فالشباب الذين نحر بعضهم بعضا في شوارع تلك المدينة الجزائرية البائسة، كانوا يعيشون روح عصر سابق لا يحياه العالم المعاصر . فالسببية والبحث عن المتعة، كشرطين لأي فعل من أفعال الإنسان المعاصر، التي اعتبرت قوانين مطلقة، راهنت عليها الحداثة، لا تغلف البتة تصرفات كتل تاريخية، كالنموذجين السابقين . فأي مصلحة مادية وعقلانية لسود العراق في التحول إلى جماعة سياسية محلّية، حسب مطالب حركتهم السياسية إن كانوا مدركين لما دفعته البشرية من أثمان بالغة، دية تخلصها من رجس التفرقة العنصرية، والذي كان في غالب أحيانه، على أساس لون البشرة . وهو بذات المعنى نكوص في الشعور بوحدة نضال الكل الإنساني، الكل الوطني على مستوى المثال العراقي . وكذلك هو السؤال بالنسبة للانقسامات المذهبية الجزائرية . فسؤال ” ما المصلحة في ذلك ؟ ” هو السؤال الغائب الوحيد.
ثالثا : هبوط حاد في مستوى السلم الأهليّ العام، فالمجتمعات الأهلية تكاد أن تعيش تماثلا عن المجتمعات السياسية، حيث الحكّم بين السلطة ومعارضتها، هو الانزياح التامّ نحو المعادلات الصفرية . فالخلاف في التفكير العقلي والممارسة الاجتماعية والطقوس الروحية، يحال مباشرة إلى تناقض في الحالة الوجودية، حيث إنّ العام المشترك في قاع البنية الفكرية لعلاقة الجماعات يمكن تشبيهه، بمنطق تفكيري يرى العالم ساحة من الذئاب والحملان، وهو مبدأ أولي في التحول إلى الذئبية الفكرية والمادية. وهو مصدر تبريري بنيوي تستعمله كلّ الجماعات لتفسير عنفها ضدّ الآخرين.
منذ عام 14 هجرية، عندما استقدم ملّاك الأراضي في العراق السود من إفريقيا للزراعة، لم يثوروا إلّا مرة في القرن الثالث الهجري حيث شهدت مدينة البصرة في منتصف القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) ما عرف بـ”ثورة الزنج” الذين ثاروا على المالكين وأسّسوا حكومة لهم كان مقرّها مدينة المختارة (جنوب البصرة) قبل أن تنهار حركتهم بعد أقلّ من عقدين، وذلك عندما جنّدت الدولة العباسية كلذ إمكاناتها، فكانت أطول ثورات العصر العباسي وأكثرها دمويّة.
هل ثمّة في الخطب الفكرية والسياسية في العالم العربي الراهن، ما يذكّر بالخطبة الشهيرة لأبي عبّاس السفّاح من على منبر جامع كان يزدان بالسواد ؟!.
