آلام العمل بين الافتراضيّ والاجتماعيّ
أخيرا أعلنت وكالات الأنباء الخبر المرتقب وباحت المنافسة المشوّقة بكامل أسرارها! لقد فاز شابّ بريطانيّ في مسابقة “أحسن عمل في العالم” واختير من بين أكثر من خمسة وثلاثين ألف مترشّح ومترشّحة من مائتي دولة.
وتتمثّل مهمّة الفائز الذي سيتحصّل على مرتّب كبير وامتيازات أخرى عديدة، في الاٍقامة في اٍحدى الجزر الاستراليّة الجميلة واستكشافها ورعاية كائناتها وتنفيذ حملة دعاية للسّياحة في مناطقها، باستعمال كلّ التّقنيات الالكترونيّة الحديثة.
لقد توفّرت هذه “الفرصة الرّائعة” في أجواء عامّة تنهشها انعكاسات الأزمة الاقتصاديّة الدّوليّة المدمّرة وتسريح آلاف العمّال وتفاقم أزمة البطالة في بلدان عديدة. لذلك تبدو للوهلة الأولى وبفضل آلة الدّعاية الاٍعلاميّة “بارقة أمل” في لحظة كآبة وخوف كونيّ.
اٍنّه الاٍعلام المستند إلى إيديولوجيا الاستهلاك يرتاد مرّة أخرى مناطق قصيّة لتحفيز المشاعر والرّغبات واقتراح الحلم بالواقع بديلا عن الواقع. لقد وقع تجاوز الطّرق التّقليديّة في الترشّح للعمل في مثال الجزيرة الأستراليّة، واستبدلت اللّقاءات الرّوتينيّة مع أصحاب المؤسّسات والامتحانات الشّاقّة والسّير الذّاتيّة المكتوبة… بشرائط مصوّرة دعائيّة للمترشّحين تجمع بين الطّرافة والجرأة. كما وقع تجاوز قضيّة الاختصاص ليفتح باب الترشّح للجميع اٍذ جمعت المنافسة بين طلبة ومعلّمين وحرّاس مبان وفنّانين تلقّوا الاٍعلان عن الوظيفة عن طريق الفايس بوك واليوتوب وغيرها من الشّبكات الاجتماعيّة الافتراضيّة.
لم يخف منظّمو هذه التّجربة الأبعاد الدّعائيّة والربّحيّة لهذه المسابقة، بل اعتبروها فاتحة لمرحلة جديدة في التّعاطي مع موضوع الدّعاية. ولكن قد تسوّق التّجربة ايحاءات رمزيّة عميقة للمتلقّي. ايحاءات بالحلم بعالم “بكر” يرتاده الفائز مثلما ارتاد روبانسون كروزويه وحيّ ابن يقظان عوالم أخرى لم تطأها قدم في قرون مضت. اٍنّها جرعة من الصّفاء الافتراضيّ الذي سيحملنا على مواصلة الحلم من خلال الاستهلاك.
كما أنّ رعاة هذه التّجربة قد يحملوننا على الاعتقاد بأنّ مبادئ المنافسة والمبادرة المطلقة، العزيزة على نفوس غلاة الرّأسماليّة، ما زالت صالحة لزماننا، رغم كلّ ما قيل عن ضرورة وضع ضوابط لانفلات رأس المال من القواعد القانونيّة والأخلاقيّة.
لقد دخلت العوالم الافتراضيّة مرحلة جديدة، وانتقلت من حيّز التّعبير الفرديّ ومن خصوصيّة لغة الحلم الخاص، اٍلى مرحلة التّبشير بتحقيق العدالة الاجتماعيّة من خلال الافتراضيّ. اٍنّه الحلم الافتراضيّ إذ يحاول الإجابة عمّا عجزت عنه المؤسّسات في الواقع المثقل بتعقّده وإكراهاته.
إنّ استعمال الصّورة وآلة الاٍعلام للتّبشير بحلّ المشاكل الاجتماعيّة أو لتوفير “الفرص” قد بدأت تغزو عقولنا وأحاسيسنا، نحن الكائنات الاستهلاكيّة الافتراضيّة. فبرامج التّلفزيون في بلدان الشّمال والجنوب أصبحت تعجّ بحصص حلّ المشاكل، التي تشكّك في قدرة المؤسّسات على حلّ إشكالات الواقع، وتقترح حلولا سريعة وسحريّة لقضايا تنام في أدراج المؤسسّسات. بل ذهب أحد كبار أثرياء أمريكا اٍلى أبعد من ذلك حين أصبح ينظّم على الهواء منافسات بين الشّباب للفوز بمنصب مغر في شركاته. وتُستعمل في برامج هذا الثّريّ كلّ أساليب المنافسة التي تبدو نزيهة في الظّاهر، ولكنّها ترشح بكلّ لغات الأنانيّة والكبرياء والكراهيّة للآخر والاستعداد لتقديم المنافس قربانا على مذبح رغبات المتفرّجين البدائيّة. ويعتمد خطاب الإعلام والافتراضيّ في مثال هذه المسابقات وبرامج حلّ المشاكل الاجتماعيّة وتوفير الفرص على صور نمطيّة قديمة لحكايات وخرافات طالما أثّثت سهرات طفولتنا، صور قوى سحريّة خارقة تحوّل الخادم اٍلى أميرة والشحّاذ اٍلى تاجر ناجح، وتنفتح فيها كنوز الأرض أمام المعدمين، هكذا، على وجه الصّدفة والاتّفاق، بضربة حظّ مؤاتية..
إنّها رومانسيّة “اجتماعيّة” افتراضيّة تحاول التخلّص من ثقل الحاضر، بأسئلته المفتوحة عن العدالة والدّيمقراطيّة الاجتماعيّة، لتجاوز مراحل معقّدة وشاقّة حاولت فيها الشّعوب على مدى قرون تأسيس قدرة للسّياسيّ على مراقبة انفلات المنفعة من عقال القانون والأخلاق.
ولكن أمام أحلام الصّورة والافتراضيّ التي تبشّر بها حكاية الفائز البريطاني الجميلة، تأتينا صور أخرى عن واقع أقلّ خرافيّة وافتراضيّة لمظاهرات نقابيّة كبيرة بمناسبة يوم 1 ماي، ولاحتجاجات عمّاليّة راديكاليّة وصلت حدّ احتجاز أرباب العمل في عديد المصانع في أوروبا، ولتحرّكات شعبيّة ضدّ ظروف المعيشة في عدد من دول الجنوب، تمّ إغراقها في بحار من القمع والدّم والمحاكمات والدّموع.
وتتركّز أغلب حركات الاحتجاج حول مفهوم الحقّ في العمل وما يرتبط به من مفاهيم؛ مثل الحقّ في مستوى معيشيّ كريم، كالحقّ في السّكن، والحقّ في الأرض وفي المياه. ولكنّها كذلك تعبّر عن مجموعة من الإكراهات التي يواجهها النّاس/ العاملون والعاملات في علاقتهم بمفهوم المؤسّسة.
لقد أصبحت المؤسّسة، بوصفها شكل التّنظيم الأرقى في توزيع العمل ومنتجات الرّفاه الاستهلاكيّ، المكان الأساسيّ التي تنتج فيه علاقات الهيمنة والتسلّط، بين فئة قياديّة تحتكر المعرفة البيروقراطيّة الاٍداريّة والرّواتب والحوافز الخياليّة، و”جموع” العمّال الموظّفين الذين يغرقون في واقع مختلف حيث الأجور تزداد تدنّيا بالنّسبة اٍلى وعود الاستهلاك والحقوق النّقابيّة تحاصر باستمرار. وتحوّل العمل وتحوّلت المؤسّسة اٍلى مجال أساسيّ للاّعدالة وانتهاك الكرامة. كما أصبحت الشّكوى من ظروف العمل وكره المؤسّسة والاحساس بعدم الانتماء لها العمل لازمة أساسيّة في السّنوات الأخيرة.
وإذا كان الإعلام والافتراضيّ يبشّران بعالم ورديّ تمنح فيه “فرص الرّفاهيّة والترقّي الاجتماعيّ” للجميع، بفضل برامج ومبادرات تصاغ في مكاتب التّلفزيونات وشركات الدّعاية الرّبحيّة، فاٍنّ ملايين العاملين في مواقع العمل يخضعون في الحقيقة اٍلى أنماط من الإنتاج تقوم على اللاّمساواة وعدم احترام أساسيّات مبادئ الحقّ في العمل. كما يهمّش ملايين آخرون تماما من الدّورة الاقتصاديّة، وترزح جموع من الشّباب تحت أثقال البطالة وانعدام الفرص أو فساد آليّات توزيع الفرص واحتكارها.
هذا الافتراضيّ يرتاد مناطق الاجتماعيّ محتفلا بإنجازاته راقصا على حبل: حبل القلق والرّغبات المحبطة، حبل الجموع ما زالت تبحث عن أمل العدالة والكرامة..
إنّنا في مرحلة عجيبة وثريّة تتوق فيها الأنفس للتّحرّر من الواقع وبالواقع، وتتواتر فيها التّجارب والأفكار التي تبحث فيها الذّوات متفرّقة ومجتمعة عن استعادة امكانات الرّبط المبدع بين مطالب الحياة اليوميّة والسّياسيّ.
