بيْن نزعات الهيمنة ونزعات الحمرنة
سامي العبّاس

ما أشبه وقفة المثقف العربيّ العلماني في هذه المواجهة المركّبة لنزعات الهيمنة الأمريكيّة ونزعات الحمرنة المحلّية بهذه الصورة الشعرية التي رسمها المتنبي لسيف الدولة:

وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم

وما يدمي القلب ليس” ديالكتيك الاستفزاز” الطويل الأمد بين فكّي الكماشة المطبقين على نزعات العقلنة العربية المؤلفيْن من: استراتيجيات الهيمنة الغربية / ردات الفعل الغريزية عليها .. .إلاّ أنّ هذا الديالكتيك لا يخلو في الكثير من مفاصله من تواطؤ ممهور بأختام رسمية أو بالتخاطر عن بعد. وآخر تجليات هذا التواطؤ “ديـوان لجنة تقصي زنادقة العصر”.. إذ هي لاريب، غصن من هذه الشجرة الباسقة التي تولت الاستخبارات الأمريكية قبل ربع قرن ونيف ” شتلها” في إفغانستان.
وتولت الوهابية السعودية تسميدها بالمال والأيديولوجيا .. فهذا التواطؤ مفهوم ومتوقع ويندرج في منطق تبادل المصالح بين شريكين في تقاسم المغانم “دولي ومحلّي “..

لكنّ ما يدمي القلب هو موقف التفرج الأبله الذي تقفه قطاعات وازنة في اجتماعنا العربي، سبق أنْ أدرجت نفسها في المشروع المتنوع الرايات للحداثة ” قومية وماركسية وليبرالية ” على ما يجري لنخبتها العلمانية من عسف وتكميم أفواه تمارسه حيالها سلطات “علمانية؟! ” أو يتقرب بهم إلى الله قتلة يتخرّجون بالآلاف من مدارس “دينية ” تنبت كالفطر تحت سمع وبصر السلطات” العلمانية إياها ” واجتماعها السياسي.
مدارس يجري الإنفاق عليها من الحصة النفطية لحراس الحمرنة المحليّين. لكأنّ الأمريكان قد استقوا استراتيجيتهم حيال عالمنا العربي من المثل الشائع “من دهنه سقيّه “. ولكأن القطاعات التي تعلمنت، والسلطات التي رفعتها إلى سدّة الحكم جدلية للتحول الرأسمالي تحت شرط التأخر قد قررت جميعها تقليد النعامة في مواجهة الخطر: دفن الرأس في الرمل.

على هذا المزلق المطلي بدماء المثقف العلماني وبالتدين الكاذب،” تزحط ” تجارب التحديث في العالم العربي نحو البربرية. لا قوة تعرقل هذا الإنزلاق: القدم الأمريكية في ظهر العربة وعلى عريش الجرّ يتزاحم الحمير. عشرات الكتاب والمفكرين والصحفيين والفنانين سفكت دماؤهم أو هجروا إلى المنافي تلاحقهم فتاوى التكفير وإباحة الدم منذ سبعينات القرن المنصرم، وتوالي المدارس الدينية تفريخ أمراء للمؤمنين أكثر مما تحتاجه مجتمعاتنا من أطباء ومهندسين. لقد كافأت نخب الحمرنة في العالم العربي الإتحاد السوفييتي على مدّه يد العون للمدّ القومي – الإشتراكي، و تأهيله لمليون أكاديمي عربي في مختلف الاختصاصات التي تحتاجها عملية التنمية، فوضعت في خدمة الإستخبارات المركزية الأمريكية المال والرجال والأيديولوجيا لمواجهة وصول الشيوعيين الأفغان إلى السلطة، ولتحويل إفغانستان ومحيطها الباكستاني إلى مدجنة لتفريخ ” معكرونة ” أفاع.

لم يحرّك بيان من يسمون أنفسهم ( ديـوان لجنة تقصي زنادقة العصر ) الوارد إلى موقع الأوان حسّا بالمسؤولية عند أحد ..
وعلى هذا المشهد المروع تتفرج ببلاهة القطاعات الحديثة في عالمنا العربي ولسان حالها الأغنية الشهيرة للراحل فيلمون وهبي: قامت، قعدت، كبرت، زغرت .. حادت عن طيزي ..بسيطه!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This