فانيلا سمراء
تحاول وأنت تقرأ مجموعة منى وفيق ” فانيلا سمراء” الصادرة عن دار أزمنة، أن تبعد عن ذهنك آثار الضجة والجدل الذي أثارته المجموعة فور صدورها عندما ارتأى طالب شريعة ما، أنها تشكّل (مسّاً بالذات الإلهية ) و(إساءة إلى الإسلام)، الأمر الذي أوصل ناشر الكتاب الروائي الياس فركوح إلى أروقة المحاكم.
(مسّ بالذات الإلهية)تهمة أصبح بإمكان أيّ جاهل لا علاقة له بالأدب، لا من قريب ولا من بعيد، أن يشهرها في وجه المبدعين والكتاب، خاصة في ظلّ تردّي وضع المثقفين في العالم العربي، وغياب أي قانون يحميهم، الأمر يجعلهم واقعين بين مطرقة السلطات التي تخوّنهم وسندان الفتاوى التي تكفّرهم.
هنا، في هذه القراءة، سنحاول أن نسلّط الضوء على المجموعة بعيدا عن الآثار الجانبية التي أثارتها عملية التكفير، لنقدم قراءة أدبية بحتة تجعل من النص وحده مرجعا لها، رغم صعوبة الأمر كثيرا، لأنّ التداخل بين العامّ والخاصّ من جهة، وداخل النص وما أحدثه النص خارجا من جهة أخرى، أصبح واقعا قائما ليس من السهولة النفاذ من براثنه.
***
أشباح موت تغنّي، طفولة مستعادة تتربع على عروش الذاكرة، أصداء حبّ سابق مازال عالقا بحوافّ القلب، كائنات شفّافة تبحث عن وطن لم يتلوّث بعد، أرواح تعاتب الله على مصائرها، مراهقة تكتشف عوالم اللذّة الأولى لجسد تستيقظ فيه براكين الشهوة والحبّ، طفلة فلسطينية تعانق الموت على رمال غزّة فيخطئها نحو أهلها الذين غابوا في غيوم الشهادة.
هذه بعض عوالم منى وفيق، التي كتبت نصّا شعريّا بامتياز رغم عدم إشارتها إلى نوع النصوص التي تكتبها، فهي اكتفت بكلمة (نصوص) وكأنّها تتهيّب من دخول عالم الشعر، أو تتواضع أمام هالة الشعر التي تستحقّ فعلا التهيّب والانحناء.
تبدأ منى وفيق مجموعتها بنصّ “خردة” الذي تتحدث فيه عن الروائية الراحلة مليكة مستظرف (رافقتها منى وفيق في أيّامها الأخيرة)، التي ماتت وبقيت جثتها في الثلاجة رقم 42، حيث تقودنا الكاتبة نحو عوالم كافكاوية لنتعرّف على روح مبدعة ضاقت ذرعا بكذب ونفاق مجتمع متخم بالنميمة والعهر، دون أن تفقد حسّ الفكاهة التي تخرج من صميم ألم حادّ يمزّق القلب ويكوي جدران الحياة، حيث تقول الكاتبة:
{{هناك في الثلاجة رقم 42
كلية واحدة
بؤبؤ أصفر
جلد أزرق
هي كل أشياء البنت مليكة
مليكة التي أخرجت لعزرائيل عكّازيها الرماديين
قبل أن تسرق
وفي غفلة منّا
مفتاح الباص الكبير المتوجّه إلى الساعة الكبيرة
(…)
لا زال مكتوبا بأسنان فقيه حيّنا:
غير مسموح بالدخول للثلاجة رقم
42 لمن هم دون الثلاث ميتات}}
أمّا في قصيدتها( حلم سقط من التقويم)، تقودنا الكاتبة نحو عوالم الحبّ البريئة، نحو لحظات الشغف التي تكتشفها الأجساد لوحدها، عندما يتلاحم جسدان (أنثى وذكر) غريزيّا دون معرفة سابقة، ودون وعي وإدراك لماهية الشموع التي تشعّ من جسديهما لحظة التقائهما عرضا. توثّق الكاتبة تلك اللحظات بذاكرة القصيدة، قبل أن تأتي تعاليم الأهل والمجتمع والأخلاق والأديان، أو ما تسمّيه الكاتبة (التثقيف الحلميّ)، لتشوّه غريزيّة الحبّ ونقاءه وتعكّر صفاء ينابيعه:
{{
مراهقين كنّا نتبادل القبلات
قبل أن ندخل مادّة التثقيف الحلمي
لنجرّ حبل الكذب الطويل
المربوط بسيارة مفخّخة
بوجودٍ أنترنتي أقلّ قيمة من غيره.}}
في قصيدتها( هرطقات عيد الحبّ) تصّعد إبداعها الشعريّ من خلال لعبها على وتر الإحساس وعمق تناقضات الحبّ، حيث تلعب لغويا على مدلولات المفردات، متهكّمة، هادئة، صارخة، حيث للقلب مؤخّرة وشارب وجزمة (حذاء):
{{
سيضرب بعصاه مؤخّرة قلبي
سيلصق لقلبي شاربه
سيلبس قلبي جزمتيه
وأنا سأصرخ في وجهه:
أيها القدّيس الجديد شابلن:
عمى ألوان الحبّ عليَّ!!!
}}
وتتابع قائلة:
{{قلبي المصاب بنزلة برد لا يبحث عن بنادول
يكتفي فقط بأكل قشرة الليمون بالشوكة والسكين
بعدها يعطس كغراب ليلة زفافه}}
بعد الحبّ تأخذنا منى وفيق نحو خيبات الوطن الكثيرة، وممالك الحزن التي تقيم في مرافئ الروح دون يراقبها أحد، أو يكتشفها شرطيّ المطار الذي يراقب وزن الحقيبة الزائد، وينسى وزن الحزن الزائد:
{{الوزن الزائد من الحزن
والذي لم يحتسبوه في المطار
كان خطيئتي التي لم أجدها في فاس
}}
{{ {{{مناوشة مع المقدّس:}}} }}
لعلّ أهمّ ما في مجموعة منى وفيق معرفيا، هو لعبها على المقدّس شعريا، وسعيها لكسر هيمنته على كل تفاصيل الحياة، محاولة المزاوجة بين الديني والشعري لمصلحة القصيدة التي تحاول أن تكسر هيمنة الديني/الفقهي على النص لصالحها. فالِشاعر في تنافس مع الحاكم بأمر الله، والسماء التي تضيق بها المعاصي، يحاول أن يأخذ بيد الطفلة الفلسطينية هدى التي:
{{
تتسلّق جدار الرمل في غزّة
حتى تطلّ على الله في شرفت}}ه
تعتمد منى وفيق في أغلب نصوصها لغة شفوية تقترب من حدود الرؤيوية قليلا، ولكنها تنحو أحيانا نحو سرد لا يرقى نحو تخوم الشعر (ولعلّه ذكاء منها إذ كتبت كلمة نصوص في مقدّمة مجموعتها ولم تكتب كلمة شعر). كما أنها تستخدم الكثير من المفردات والمصطلحات الأجنبية التي توظّف أحيانا بشكل جيّد، وأغلب الأحيان تعاني انزياحا عن مدلولها، لتؤدّي وظيفة معاكسة تخون مستقرّها الشعريّ، إضافة إلى استخدامها تراكيب تشتقّ للمرة الأولى ربما، كمحاولة منها لخلق لغة جديدة كقولها “مادة التثقيف الحلمي” و”الإلحاد سمة أحمر الشفاه” و”غيمة علمانية” وغيرها من التراكيب التي توقف تدفق النص وتفرّع مجرى النهر.
ومقابل ذلك هناك الكثير من الجمل التي تجعلك تقفز وأنت تقرأها، لأنها تنضح بالشعر والبوح الجميل كقولها:
{{
هواؤه سبب لقلبي حكة شديدة
لأنه أتى هكذا على دفعات طرابلسية
كمعصية تضيق بها السماء
بين كتفي /فوقهما}}
وكذلك قصيدتها (هروب أول أبريل) أجمل قصائد المجموعة على الإطلاق:
{{
(سأكون امرأة فردية
تطاردك في ثرثرات العجائز وقصائد الهايكو ونساء البدو
سأهديك ما تركوا لي من قوى عاطفية
كي لا تدخل قلبي فهو غير آمن
حقوق الحبّ محفوظة للّذين بعدك
فجرّب أن تحصد ما لم يزرعه رجل
لا تخش حبّ النظرة الأولى أو النظرة الثانية
أخاف عليك من حبّ ما بعد فقدان البصر
…
تغريني في رجولتك
تلك الأنوثة الصارخة ).}}
فانيلا سمراء، نصوص تنوس بين السرد والشعر، تسعى لخلخلة أسّ المقدّس وتفكيكه بهدوء دون إثارة ضجيج (فنّيا طبعا)، محاولة الوصول إلى مطلق لا تصل إليه، متّكئة على نسبيّ يسعى جاهدا للخلود دون أن يلتقي به، حالمة أن تحرّر العقل من سيطرة الفقه لتحلّق به نحو سماء الشعر دون أن تصل، ولعلّ أهمية المجموعة تكمن في اللا وصول هذا، لأنّ الطريق إلى قرطبة أجمل من قرطبة.
