عبد المجيد الشرفي : الإسلام واحداً ومتعدداً
يحتلّ عبد المجيد الشرفي موقعاً مهمّاً في ميدان التصدّي للفكر الأصوليّ ومقارعته، عبر الغوص في النصوص الدينية وإجراء عملية تفكيك واسعة لها، بما يعيد الاعتبار إلى الجوهريّ في الدين. وفي الآن نفسه يحتلّ موقعه ضمن الحركات الأصولية بوصفه واحدا من ألدّ خصومها، بحيث أسبغ رجالها عليه من تهم التكفير والإلحاد والهرطقة بما يكفي لإهراق دمه وتشريع قتله. يقوم النتاج الفكري للشرفي على مستويين، الأوّل يتصل بمجمل كتاباته المتعدّدة وأبرزها “الإسلام بين الرسالة والتاريخ، الإسلام والحداثة، لبنات، وتحديث الفكر الإسلامي”، إضافة إلى دراسات وكتب أخرى.
أمّا الجانب الآخر والذي لا يقل أهمّية عن النتاج المباشر، فهو إشرافه على سلسلة دراسات كان أوّلها خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي سلسلة “معالم الحداثة”، ثمّ “الإسلام واحداً ومتعدّداً” خلال العقد الأوّل من هذا القرن. تكتسب موضوعات السلسلة الأخيرة أهمّية استثنائية في قراءة الدين الإسلاميّ لجهة رؤيته أبعد من الإطار الضيّق والمحدود الذي يفرضه الفقهاء العرب في احتكارهم للإسلام. عند النظر إلى بعض عناوين سلسلة “الإسلام واحداً ومتعدّداً”، نقرأ :الإسلام الخارجي، إسلام المتكلّمين، الإسلام السنّي، الإسلام الشعبيّ، الإسلام الحركيّ، إسلام الفلاسفة، الإسلام في المدينة، الإسلام الأسود، الإسلام الأسيويّ، إسلام المتصوّفة، إسلام المجدّدين، الإسلام العربيّ، إسلام عصور الانحطاط، إسلام الأكراد، إسلام الساسة، إسلام المصلحين. وهي عناوين تبرز مدى تجاوز القراءة الأحادية الجانب للإسلام، ورؤيته بوصفه “إسلامات” متعدّدة.
في كتابه “إسلام المجدّدين” يلخّص الباحث محمد حمزة التوجّهات العامة لكتابات عبد المجيد الشرفي فيقول :”فهو يبحث في تاريخ النصّ القرآنيّ وفي تاريخية علوم القرآن والقواعد المجراة عليه وتاريخية التفسير القرآني وما أنتجه من مواقف ورؤى، مثلما يبحث في تاريخ الحديث النبوي للكشف عن البشريّ والنسبيّ وراء منهج المحدثين، كما يعمل أيضاً على الحفر في المنظومة الأصولية لإثبات تاريخيتها واندراجها ضمن حدود معرفية تستجيب لأفق القدامى، مثلما يدرس الآثار التي خلفتها البناءات الأيديولوجية التي بلورتها العلوم الإسلامية على الوعي الجمعي وخصوصا ما انتهت إليه من الحدّ من حرية المؤمن الذي يتعامل مع النصّ القرآني وتوجيه تعامله توجيهاً مخصوصاً”. فما هي المحاور الرئيسية التي تناولها الشرفي في دراساته والتي تندرج في مقارعة الفكر الأصولي ومقولاته؟
{{ {{{كيف نفهم الإسلام؟}}} }}
ينتمي الإسلام إلى الأديان التوحيدية، مثل اليهودية والمسيحية، التي تشترك في الإيمان بإله واحد، لكنه يمتاز بخصوصيات تتّصل بتنوّعه ومناطق انتشاره، وحتى بعض المبادئ في عقائده. يشدّد الشرفي في كتابه “الإسلام والحداثة” على ضرورة التمييز بين مستويات ثلاثة في فهم الإسلام. المستوى الأوّل يتناول “الإسلام باعتباره مجموعة من القيم التي نصّ عليها القرآن. وهذه القيم الدينية والأخلاقية وإن اشتملت على مبادئ تشترك فيها كلّ الأديان (تحريم القتل والسرقة والكذب والزنا، حبّ الخير للآخرين، إعانة الضعيف والمحتاج…)، فإنّها تؤكّد على بعض الأبعاد دون الأخرى” (ص13). وهذه القيم تتصف في كونها ذات طابع وجوديّ “تضفي معنى على الحياة وتوفّر حلاًّ لمعضلات المبدأ والمصير”، وهو ما يجعلها مبادئ تتجاوز الزمان والمكان، كما يمكن اعتبارها تمثيلاً لجوهر الإسلام.
أمّا المستوى الثاني فهو “مستوى الممارسة التاريخية. فلقد أصبح المسلمون منذ انقطاع الوحي يعيشون ما يسمّى “الوضع التأويليّ”. وأدّى هذا الوضع إلى قيام مؤسّسات غايتها تطبيق الدين في مختلف أوجه الحياة، مثلما أدّى إلى نشوء نمط متميّز من المعرفة هو ما عرف بالعلوم الإسلامية” (ص14). تكتسب هذه النقطة أهمية من زوايا متعددة أوّلها شبه انعدام الوعي الإسلامي السائد “بالمسافة التي تفصل بالضرورة التطبيق التاريخي لقيم ما عن تلك القيم ذاتها”. وثانيها إدراك الأثر الذي تركته الفتوحات الإسلامية ودخول عناصر غير عربية إلى الإسلام، بما جعل الإسلام يتأثّر بقيم المجموعات البشرية الجديدة وعاداتها، إضافة إلى تأثيره فيها أيضا. والثالثة تتصل بالعلاقة التي قامت بين العلماء المسلمين والسلطة السياسية والتضامن بينهما ونتائج ذلك في إسباغ العلماء المشروعية على السلطة السياسية وقراراتها. وهو أمر استكمله رجال الدين المسلمون في إضفاء الصفات الخاصة على أنفسهم في كونهم يتكلّمون باسم الله، وأنّ ما يقولون به يتّسم بالقداسة، وقوانينهم تتصف بـ”الإلهية”. يصل الشرفي من ذلك كله إلى خلاصة يقول بموجبها “إنه لا حرج من إخضاع الممارسة التاريخية للإسلام للنقد والمراجعة والتقييم، وأنّ القداسة التي أضفاها عليها الزمن ينبغي أن لا تحجب طبيعتها البشرية وبالتالي ما تتسم به، بحكم بشريتها، من نقص ومحدودية وحتى من زيغ وانحراف عن المبادئ التي أرادت أن تكون لها وفيّة” (ص16).
أمّا المستوى الثالث من الإسلام “فيتعلق بالبعد الفردي في الإيمان. وغنيّ عن القول أنّ عملية الاستبطان للقيم والمبادئ الإسلامية تتأثر بالشخصية الأساسية والشخصية الفردية معا”. وهو ما يفسّر اختلاف نماذج الإيمان بين الفلاسفة والمتصوفة والعامة والباحث والعالم.. “وكيف يكون بحثاً قلقاً عند بعضهم وتسليماً مطمئناً عند آخرين، ومصدر معاناة عند صنف وبلسماً شافياً عند آخر، ومزيجاً متفاوتاً من هذه المواقف بكل الفروق الممكنة والدرجات حسب شخصية المؤمن الذاتية وثقافته وبيئته” (ص16-17).
{{ {{{في خصائص الرسالة المحمدية}}} }}
بات معلوماً أنّ الإسلام ليس واحداً استناداً إلى الأصول العربية التي خرج منها، وقد عرف تحوّلات على امتداد التاريخ الإسلامي، وتأثّر بالمفاهيم والعادات والتقاليد السائدة لدى الشعوب التي اعتنقته خارج إطار الجزيرة العربية. على رغم ذلك يصعب قراءة الرسالة خارج بيئة شبه الجزيرة العربية التي كانت على تواصل بتيارات دينية تعود إلى وجود اليهودية والمسيحية فيها، وإلى احتكاك بثقافات تنتسب إلى الشرق الأدنى. وهو احتكاك لعب فيه الحجّ إلى الكعبة دوراً في تواصل شعوب الجزيرة العربية مع غيرها من الأمصار. لكنّ هذه الواقعة لا تنفي وجود قواسم مشتركة وثوابت في الدعوة المحمدية، ممّا ينطبق عليها منطق تجاوزها للزمان والمكان، وبالتالي تكتسب راهنية في العصر الحديث. تقوم هذه الثوابت على كون الإسلام يمثّل دعوة عامة إلى البشر لتحقيق موقعهم الإنساني، والإيمان بإله واحد، وتجسيد قيم الإحسان والبرّ وفعل الخير، والقيام بالأعمال الصالحة، ونبذ الشرك والظلم والشرّ.. أي أنّ الجوهر في الرسالة هو ما يتصل بالقيم والمبادئ الروحية والأخلاقية والإنسانية.
أثيرت حول الرسول محمد ونبوّته الكثير من الروايات، منها ما اتّصف بالموضوعية في وصف الرسول –الإنسان، ومنها ما جنح نحو إضفاء أساطير وصفات أساءت، في بعضها، إلى هالته الدينية أكثر مما كانت مديحاً لشخصه وموقعه. فبعد التأكيد على مدى تفاعل العوامل الذاتية التي اتصف بها مع جملة عوامل لها علاقة بالبيئة التي عاش وسطها، وهي عناصر ساهمت في تكوين شخصيته، فأعطته قدرة على الإقناع وجرأة في طرح الدعوة، يشير الشرفي إلى هذا الجانب وإلى نتائجه بالقول :”إنّ النظرة الإيمانية تتأرجح بين الإشادة بخصال محمد المثالية من جهة، والتأكيد على أنه نال النبوّة باصطفاء إلهي لا باستعداد بشري من جهة ثانية. والحقيقة أنّ الاصطفاء الإلهي لا يتنافى والاستعداد البشري. إنّما الفارق بينهما أنّ من يقبل مبدأ الاصطفاء يقبله عن طريق الاختيار والإيمان، فلا يمكن الاستدلال عليه بالحجج العقلية وحدها، وأنّ الاستعداد لممّا يقع تحت طائلة الاختبار والفحص التاريخي. ولا شك أنه لهذا السبب أورد الشيخ محمد عبده التعريف “الشرعي” المعهود للوحي بأنه “إعلام الله تعالى لنبيّ من أنبيائه بحكم شرعي” ثم عدل عنه إلى تعريف آخر ارتضاه، وهو أنه “عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو من غير واسطة”. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ هذا “العرفان” لا يولد بين يوم وليلة، بل لا بدّ من أن ينضج على التدرّج، وأن يتأثر بعدد من العوامل النفسيّة الذاتية والثقافية والاجتماعية التي تقوم من حوله، يستطيع أن يتلقفها، ولكنه يؤلف بينها تأليفاً فريداً ويبنيها بناءً فذاً يشفّ عن مكوناتها حيناً ولا يشفّ عنها حيناً آخر” (الإسلام بين الرسالة والتاريخ، ص33-34).
وإذا كانت الرسالة المحمدية امتداداً للرسالات التوحيدية السابقة، من يهودية ومسيحية، فهي محكومة أن يتسرّب إليها مفاهيم نابعة من القصص والأساطير التي تحملها التوراة والأناجيل من نوع الشياطين والجن والطوفان وغيرها من المفاهيم والتصورات الميثية التي تحفل بها جميع الثقافات، خصوصا منها الشعوب المنتشرة في تلك المناطق. وهي ثقافات اندثر معظمها في العصور الحديثة، على رغم أنّ كثيراً من منظّري الأصوليات يصرّ على إعادة موضعتها في الزمن الراهن وإقناع العالم بوجود هذه المفاهيم الأسطورية، لا لسبب سوى أنها ذكرت في الكتب المقدسة. يعترف الشرفي بأثر هذه المفاهيم ودورها في “التشويش” على الجوهري في الدعوة، فيشير في كتابه إياه بالقول :”ولكنّ وجود هذه العناصر لا ينبغي أن يحجب عنا جانباً آخر في هذه الرسالة، وهو كذلك من خصائص الرسالات السابقة، ألا هو صيغتها الاعتراضية على السائد من العقائد والقيم. إنّ الرسالة النبوية تنطلق من الموجود لتغييره ولتوجيهه وجهة مخالفة لما نشأ عليه الناس وارتضوه. فهي إذن، إذ تراعي المألوف، لا تقف عنده أو تزكيه. ولولا نسفها لآراء ومعتقدات وأخلاق يؤمن بها الناس لأنهم وجدوا عليها آباءهم، واستقرّت في وجدانهم على أنها بديهية، ولولا وقوفها أيضاً في وجه مصالح فئوية مادية ومعنوية، لما أمكن تفسير المقاومة الشديدة التي لقيها محمد ولقيها جميع الأنبياء. وهذا الجديد الذي تأتي به هو بالذات مبرّر وجودها، وسر انتشارها وخلودها وإيمان الناس بها على اختلاف أجناسهم وظروفهم ما دام على وجه الأرض ظلم وحيف” (ص45-46).
تؤكد كتب التاريخ والسيرة وعي الرسول للعناصر المعيقة للدعوة والمتمثلة أساساً بالثقافة والتقاليد السائدة في الجزيرة العربية، لذا اتسم سلوكه على امتداد الدعوة تجاه الاعتراضات التي واجهته، بحدّ كبير من الواقعية ومراعاة الوقائع السائدة، من دون تقديم تنازلات تمسّ جوهر الدعوة ، لا سيما منها المتصلة بالمسائل “العقدية” خصوصاً مسألة التوحيد ومحاربة الوثنية وعبادة الأصنام. وفي المقابل، ظلّ دائماً على سلوك يتناسب مع ما جاء به الوحي وأكّد عليه ، روحياً وأخلاقيا وإنسانيا.
{{{ {{في قراءة النص الديني}} }}}
تشكّل قضية قراءة النص القرآني واحدة من أعقد المسائل التي تواجه الفكر الإسلامي، وهي معضلة قديمة – راهنة، يترتّب عليها مواقف متضاربة ونزاعات لاهوتية وسياسية في الآن نفسه. عرف التاريخ الإسلامي قراءة للنص قام بها مفسّرون أسقطوا آراءهم وخياراتهم الطائفية والمذهبية على الشروحات التي قدموها، وتأثرت تفسيراتهم أيضاً بحدود التطور الذهني والفكري في المرحلة التي عاشوا فيها ودرجة التطور الاجتماعي والثقافي السائد. يقدّم عبد المجيد الشرفي مساهمة في قراءة النص القرآني متجاوزة تفسيرات الفقهاء القدامى الذين يسعى اللاهوت الإسلامي إلى تكريس تفسيراتهم بوصفها ختام التفسيرات والحقائق. أولى النقاط تتصل بكيف نفهم القرآن وطبيعة القول أنه كلام الله الموحى به إلى النبي، فكان “الخطاب الذي يسمعه ويشتد عليه حين “ينزل على قلبه”، حسب التعبير القرآني، كلام الله يؤديه في لغة بشرية، أو هو كلام الله وكلامه في الآن نفسه،”فإنما يسّرناه بلسانك لتبشّر به المتقين وتنذر به قوماً لدّاً” (مريم:97). هو كلام الله من حيث مصدره، وكلام البشر من حيث انتماؤه إلى لغة بعينها وصياغته في ألفاظ وتراكيب يقتضيها معجم تلك اللغة ونحوها، وفي أطر فكرية مستمدة من ثقافة المتكلم الشخصية ومن الثقافة المتاحة في الوسط الذي يعيش فيه. ومن اللافت للنظر أنّ علماء المسلمين أنفسهم لم يستنكفوا في الماضي عن تسجيل ورود الوحي على لسان عمر أو على لسان غيره من الصحابة، وهم الحريصون على إثبات مصدره الإلهي” (الإسلام بين الرسالة والتاريخ، ص36).
خلافاً لما هو سائد في العقل الإسلامي التقليدي من أنّ المنزل على الرسول يشتمل على اللفظ والمعنى في آن، وهو تصوّر مكرّس منذ قيام الدعوة، يستعين الشرفي هذه المرة بواحد من علماء المسلمين ذوي المكانة المهمة في علم الفقه، أي السيوطي وكتابه “الإتقان في علوم القرآن” الذي يذهب إلى “أنّ جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة، وأنه صلعم علم تلك المعاني وعبّر عنها بلغة العرب”، حيث لم ينظر إلى كلامه هذا بأنه يقع في خانة الكفر أو المروق من الدين، بل هو “في الحقيقة أقرب المواقف من المعقولية الحديثة، ولعلّه يصلح منطلقا لتفكير متجدّد منسجم في الوحي، غير مقيّد بالنظريات الموروثة بدعوى ما حصل حولها من إجماع، ويحافظ في القرآن على بعده الإلهي المفارق من دون تجسيم، وعلى بعده البشري الطبيعي بتاريخيته ونسبيته، غير فاصل بين البعدين أو مقصٍ لأحدهما أو مضخّم له على حساب الآخر” (الإسلام بين الرسالة والتاريخ،37).
أمّا في كتابه “لبنات”، فيذهب الشرفي إلى ما هو أبعد في توضيح نظرته إلى القرآن وكيفية قراءته وفق المنهجية التاريخية، فيقول :”وبقطع النظر عن المشاكل الكلامية أو اللاهوتية التي يثيرها الكتاب وعن مفهوم الوحي في مختلف السنن الدينية، فإنّ حكم النص يمكن أن يحلّل من زاوية إنتاجه في المجتمع الذي ظهر فيه وقُبل ورُوي وانتشر. إذ ذاك يتبيّن أنه في استمرارية مع المجتمع الذي ظهر فيه من ناحية، ويمثل قطيعة مع المثل السائدة فيه من ناحية أخرى، في آن واحد. وفعلاً، فهو يستعمل لغة مفهومة في ذلك المجتمع ويستغل أطره الذهنية، ولكنه في خدمة خطاب جديد يبدو للموجّه إليهم بمثابة الدعوة إلى الإقلاع عما ألفوه وإلى إعادة نظر جذرية في البنى الفكرية والاجتماعية السائدة، ويوحي بالطبع بنماذج بديلة. هكذا انطلقت التوراة مع تطلّع القبائل اليهودية إلى الإتحاد لتتسامى بهذه الرغبة إلى عبادة “يهوه” إلهاً واحداً لشعب إسرائيل، واستغل الإنجيل تفكير اليهود على أساس نصوص التوراة والأنبياء ليضفي على تلك النصوص أبعاداً جديدة ويخلّص اليهود من التقيّد بحرفيتها، كما كرّس القرآن بعض العبادات الجاهلية ،كعبادة الرحمان، وبعض الطقوس كالحج، ولكنه حوّل معانيها من الوثنيّة إلى التوحيد المطلق” (لبنات، ص103).
تنسحب مسألة كيفية قراءة النص القرآني على قضية خلافية لدى المسلمين تتصل بالتشريع الإسلامي. فلكون المسلمين المعاصرين لا يزالون يقرؤون القرآن وفق ما أتى به المفسرون القدامى ووفق العصور الخوالي، ينجم عن ذلك قراءة سور الأحكام التي كان على الرسول أن يجيب عبرها على قضايا دنيوية تواجهه في علاقته بقومه وما تقتضيه الدعوة أيضاً، فيتمّ إسقاط هذه الأحكام على الزمن الراهن، بصرف النظر عن تغير الظروف التاريخية، وما أحاط بهذه التشريعات من تغيّر لم تعد بموجبه ملائمة لعصر حديث يختلف جذرياً في ثقافته ودرجة تطوره الاجتماعي والسياسي والثقافي، عن عصور الدعوة ونزول آيات الأحكام. يزداد الأمر خطورة من خلال صعود حركات الإسلام السياسي الداعية إلى الدولة الدينية وفق النموذج الراشدي، وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وفق التفسيرات الفقهية القديمة، بعد فصل الآيات عن سياقها الزمني. يشير الشرفي إلى هذه المسألة بقوله :”أمّا الحركات الإسلاموية المعاصرة، فهي ترى أن لا سبيل إلى التسليم بابتعاد النص عن الواقع، وأنه ينبغي تغيير هذا الواقع والرجوع به إلى عهد السلف الصالح، لا تطويع النص له، حتى تعود هذه المواءمة. ومن أبرز ما يميز موقفها طوباويته ولاتاريخيته، وإن كان أكثر تماسكا من حيث منطقه الداخلي. ولذا استقطب الشبان والفئات المسحوقة والقلقة، ضحايا الحديث المنقوص، ولكنه افتقر دوماً إلى منظرين أكفاء وشاع في صفوفه الدعاة لا العلماء” (الإسلام بين الرسالة والتاريخ، ص57). ويرى الشرفي أن محمد محمود طه (المفكر الإسلامي السوداني) انفرد بموقف جريء دفع حياته ثمناً له (أعدمه الرئيس السوداني جعفر النميري عام 1985)، حيث رأى أنّ “الرسالة المحمدية كانت رسالة عامة إلى البشر في العهد المكي، وأنها كانت رسالة خاصة بمعاصري النبي في الفترة المدنية. لذا يتعيّن في نظره طرح ما في الرسالة الخاصة من أحكام كانت مناسبة لأوضاع الناس في بداية القرن السابع الميلادي ولم تعد ملائمة لأوضاعهم في النصف الثاني من القرن العشرين، والعودة إلى الرسالة العامّة التي تبقى صالحة مهما تغيّرت الظروف” (المرجع السابق، ص57-58).
{{ {{{في قراءة الحديث النبوي}}}
}}
لا يزال النقاش مستمراً في اللاهوت الإسلامي حول كيفية التعاطي مع الأحاديث النبوية التي ينظر إليها بقدسيّة في وصفها من شروط الإيمان الإسلامي، واعتمادها أسوة بالقرآن في العقيدة والتشريع. أثيرت شكوك وتأويلات حول كثير من الأحاديث ومدى صحتها وانتسابها فعلاً إلى الرسول، وهو سجال لم ينقطع حتى الزمن الراهن، واختلفت حوله المذاهب الإسلامية ومعها الفقهاء من مختلف الطوائف والملل، ليس أدلّ على ذلك من أنّ قسماً كبيراً من أحاديث السنّة لا تعترف بها الشيعة، والعكس بالعكس. تأتي الشكوك من كون الفترة الزمنية الفاصلة بين عصر النبوّة وعصر تدوين الحديث تصل إلى قرن من الزمان وأبعد، مما يعني أنّ التدوين استند إلى ذاكرة أكثر من جيل وتواترت الأحاديث من فلان عن فلان، أو بما حفظته الذاكرة عن هذا الصحابي أو ذاك… يختلف أمر الحديث عن القرآن الذي جمع في مصحف على عهد عثمان بن عفّان، في مرحلة لم يكن الزمن قد فعل فعله بعد في النسيان والتنسيب إلى هذا الشخص أو ذاك.
يتصل العامل الثاني باختلاف الأحاديث لدى الفرق والمذاهب الإسلامية، خلافاً لنص واحد على غرار القرآن، يعود الخلاف في صحة الأحاديث إلى استخدام كل طرف لها في الصراعات السياسية التي نشبت بين المسلمين والانشقاقات التي أعقبت هذه الصراعات. لا تنكر كتب التاريخ الإسلامي اختراع أحاديث جرى نسبها إلى النبي ووظّفت في الصراعات الدائرة على امتداد عصور العهود الأموية والعباسية، مما يجعل الحديث النبوي قضية إشكالية في الإسلام لجهة تعيين الصحيح منها أو المختلق والزائف وغير المعقول في مضامينه. تأتي الإشكالية من كون اللاهوت الإسلامي يتعاطي مع الأحاديث على غرار تعاطيه مع القرآن، ويجعل منها قوانين مفروضة على المسلم التزامها والعمل بموجبها، خصوصاً عندما تتصل بأحكام تشريعية.
يشير عبد المجيد الشرفي إلى ما ورد على لسان الشيخ محمد عبده، والتنبيه إلى أنّ “نشأة الاختراع في الرواية والتأويل” تعود إلى انصداع الجماعة الإسلامية إثر مقتل عثمان واستيلاء الأمويين على السلطة. ودعا الشيخ عبده في هذا المجال إلى عدم الأخذ بهذه الأحاديث “مهما بلغت درجتها من الصحة في نظر المحدّثين إذا ما خالفت القرآن أو العقل”، على ما يقول الشرفي في كتابه “الإسلام والحداثة”(ص 67). وبعد أن يعرض الشرفي إلى نماذج في قراءة الحديث، ماضياً وحاضراً، وإلى التناقض الذي يحكم هذه القراءات يقول في كتابه إيّاه :”والنتيجة التي يمكن الخروج بها من استعراض تلك النماذج الممثلة من مواقف المفكرين العرب المحدثين تجاه صحة الحديث النبوي أنها، على اختلافها، تقرّ علناً أو ضمنياً بأنّ المشكلة مطروحة على الضمير الإسلامي. وربّما كنا غير مجانبين للحقيقة إن اعتبرنا أنها تعاني جميعاً من ارتباط الحديث بالعقائد وخاصة بالفقه وأصوله، حيث يسعى كل فريق إلى توظيفه توظيفاً خاصاً، وإننا ما زلنا ننتظر البحوث المجراة على قواعد علمية صارمة انطلاقاً من كون الحديث في الصورة التي دوّن فيها ليس تسجيلاً أميناً لأقوال النبي وأفعاله أو إقراراته، وما كان يمكن له أن يكون كذلك، وإنما هو تمثل موجه بالضرورة وغير بريء البتة لعدد محدود من تلك الأقوال والأفعال” ( الإسلام والحداثة، ص78).
{{ {{{المؤسسة الدينية والفقه}}} }}
سار الإسلام على الطريق ذاتها التي عرفتها سائر الأديان والمعتقدات في اتجاه تنظيم عمل الرسالة وقوننة تشريعاتها، وهو عملياً طور من انتقال الرسالة “من النظرية إلى التطبيق”. على مسار المأسسة، اكتسبت الرسالة خصوصيات تتصل بالواقع وما يفرضه من تعديلات في المبادئ. يشير الشرفي في كتاب “الإسلام بين الرسالة والتاريخ” إلى سيرورات ثلاث تميّزت بها مأسسة الرسالة النبوية، الأولى عبر ” التميّز عن الآخرين وإبراز ما يفصل طائفة المسلمين عن غيرها من المجموعات البشرية، مشركين وأهل كتاب وغيرهم” (ص118). وهو تمييز اقتضاه التوسّع الإسلامي والاحتكاك بشعوب وأعراق من غير العرب، بما قد يهدد المسلمين في الذوبان ضمن الأعراق الجديدة. تجلّى التمييز في عادات ومظاهر خاصة بالمسلمين، وهو أمر ليس جديداً، لأنّ سائر الأديان التوحيدية اعتمدت الطريق نفسه للحفاظ على خصوصياتها. السيرورة الثانية تجلت في “تحويل مختلف أشكال العبادة إلى طقوس موحّدة لا مجال فيها للاجتهاد الشخصي أو للخروج عن عدد من الأركان الثابتة” (ص120). ومعلوم أنّ الطقوس ظاهرة تتسم بها جميع الأديان في وصفها أقرب الطرق إلى تلمّس الإيمان، بما جعلها أحيانا كثيرة تختزل الدين نفسه، وهنا أيضا يتشارك الإسلام مع سائر الأديان في تضخيم ظاهرة الطقوس. اعتمدت السيرورة الثالثة “تحويل الدين إلى مؤسسة تمثل كذلك في تشكّل مجموعة من العقائد الملزمة التي لا يجوز إنكارها بوجه من الوجوه”(ص123). نجم عن هذه السيرورات تكوّن جملة عقائد باتت من المسلمات والقضايا التي لا يستقيم سلوك المسلم من دون الالتزام بها. “هكذا رسخت في الوجدان الشيعي محورية الإمامة المحصورة في علي وذريّته، وردّ عليها أهل السنّة بأفضلية الخلفاء الراشدين حسب ترتيبهم في تولي شؤون المسلمين، واشترك هؤلاء وأولئك في اعتبار القرآن محتوياً على “أحكام” يتعيّن تطبيقها حرفياً بقطع النظر عن الزمان والمكان، وتبلورت تدريجياً منظومة أصولية اعتبرت سنّة النبي شبيهة بالقرآن من حيث هي وحي، لكن بطريقة مختلفة” (ص123).
شكّل الفقه في الدين الإسلامي أحد التجليات المركزية لمأسسة الدين، بحيث يجمع العلماء ودارسو الإسلام على أهميته الخاصة والاستثنائية، بحيث يمكن القول انه لا توجد حضارة في العالم يحتل فيها الفقه والتشريع الموقع الذي يحتله في الإسلام. منذ تأسيس الفقه، يخضع المسلم البالغ بأعماله وسلوكه إلى أحكام فقهية تتركز على الحلال والحرام، وهي أحكام حدّدها الفقهاء، وقدموها إلى المسلمين في وصفها أحكاماً شرعية ذات طابع إلهي، وذلك لأنها مستنبطة من النصوص الدينية المقدسة. يولي عبد المجيد الشرفي قضية الفقه أهمية استثنائية في مجمل دراساته، ويعدّد جملة مسائل أعطى الفقهاء في شأنها آراءهم. يرى أنّ معظم القضايا التي قالوا بها تفتقد إلى الأساس في النص القرآني، وهي تتعلّق أصلاً بالعبادات والمعاملات معاً. يرى أنّ “الاتفاق أو الاختلاف بين الفقهاء يعكس القيم السائدة زمن نشأة الفقه في مجتمعات إسلامية تشترك في عدد من المواصفات وتتباعد في أخرى. كما أنه يعكس بكل جلاء، الأعراف القبليّة وبعض الطقوس العربية في الجزيرة. كما تدلّ هذه الاختلافات أخيراً وليس آخراً على أنّ الفقهاء، وهم يسنّون أحكامهم، كانوا يراعون مصالح اقتصادية متضاربة أحياناً” (الإسلام بين الرسالة والتاريخ، ص147-148).
أمّا القضايا المشتركة التي يبدو أنّ الفقهاء قد اتفقوا عليها، فتقوم على “احترام ظاهر العبادات والمعاملات أكثر من تربية الوازع الذاتي الباطني الذي يوجّه المسلم نحو الخير ويكرّه الشر.. كما نتج عن تكوّن فئة مخصوصة تستأثر بالتصرف في المقدس، حسب المفهوم المتداول عند علماء الاجتماع، أن زاغت هذه الفئة عن وظيفتها الأصلية نحو سلوك مرذول.. وجرّ حرص الفقهاء على الإقتداء بالسلف إلى أصناف من التقليد تتعلق بمظاهر من السلوك لا صلة لها بالدين أساساً، لكنها أقحمت إقحاماً في الآداب الإسلامية”. ويخلص الشرفي من هذه المقدمات إلى القول :”على أنّ أخطر النتائج المترتبة على ممارسات الفقهاء، تتمثّل في العدول التدريجي عن تعامل المسلم مع النص القرآني تعاملاً مباشراً، وتبوئ النصوص الثواني التي تدّعي الاستنباط منه المكانة الأولى، بحيث أصبحت تمثل حاجزاً دون الفهم والتدبّر الشخصيّين، من دون وصاية من أحد وفي إطار الحرية لا الإلزام. كما ضخّمت صورة الرسول وأضفيت عليها صبغة مثالية متعالية تبعدها عن المنزلة البشرية وتلحقها بصف الملائكة والأشخاص الخياليين، وصار أئمة المذاهب في الوجدان الإسلامي معصومين أو في حكم المعصومين، لا يتجرّأ أحد على القدح في آرائهم أو التنبيه إلى ما فيها من رواسب ظروفهم الخاصة وما اصطبغت به بالضرورة من تاريخية” (الإسلام بين الرسالة والتاريخ، ص 152-153).
يحتلّ الإمام الشافعي موقعاً مركزياً في تاريخ الفكر الإسلامي، وينظر إليه على أنه واضع أصول الفقه، التي أصبحت قانوناً فرض على الفقهاء لاحقاً اعتماده كمصدر أساسي للتشريع الإسلامي. يورد الشرفي موقف الشافعي من النص القرآني، وما يحتويه من فهم لوظيفة الدين وتأويل نصوصه وصياغتها بوصفها نظرية قائمة بذاتها. يقول الشافعي في “رسالته” حول هذا الموضوع :”كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة. وعليه إذا كان فيه بعينه حكم إتباعه، وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد، والاجتهاد القياس”. ينتقد الشرفي أحكام الشافعي هذه التي جعلت كل أفعال العباد محصورة بحكم الحلال والحرام. يشير في هذا المجال بالقول :”ونظراً إلى أنّ الآيات القرآنية المتضمنة للأحكام محدودة العدد ولا تشمل كل النوازل، فإنه ارتقى بالسنّة إلى منزلة الكلام الإلهي، مضطراً إلى قبول أحاديث الآحاد لما ورد فيه من تفصيلات لم يذكرها القرآن، واستند إلى الإجماع فيما لم يأت فيه القرآن أو سنّة، أو فيما يحتاج فيهما إلى ترجيح تأويل على آخر، ثم شرّع التحليل والتحريم بالقياس على معنى الحلال والحرام المنصوص في الكتاب والسنّة” (لبنات، ص138-139).
رغم التقدير الذي يوليه الشرفي للشافعي ولدوره في التاريخ الإسلامي وفكره، إلاّ أنه يرى استحالة اعتماده في عصرنا الراهن، بعد تغيّر الظروف التي أنتج خلالها. “لقد كانت منظومة الشافعي الأصولية صالحة ما كانت الظروف التاريخية مشابهة لظروفه، إلاّ أنّ تغيّر هذه الظروف تغيّراً جذرياً تحت وطأة الثورات الصناعية والتقنية والإعلامية وما يشهده العالم من تحوّلات في أنماط المعيشة وفي القيم المجتمعيّة وفي الوسائل المعرفية، كل ذلك يحتّم إعادة النظر في تلك المنظومة ونقدها”( لبنات، ص143).
{{ {{{قضية الحكم : الدين والدولة}}} }}
تشكل قضية الحكم والعلاقة بين الدين والدولة قضية مركزية في التاريخ السياسي الإسلامي وفي نتاج الفكر السياسي القديم والحديث. اندلع الصراع على الحكم مباشرة بعد وفاة الرسول، بين القبائل والعصبيات العربية حول شرعية الخلافة ولمن يجب أن تعود، واستمر الصراع طويلاً بل اتخذ طابعاً عنيفاً في العصور اللاحقة خصوصاً بعد الانشقاق الكبير بين السنّة والشيعة، وتكوّن نظرية حول مصدر الحكم وشروط شرعيته. إذا كان الفكر السياسي النظري حول فلسفة السلطة والحكم فقيراً لدى المجتمعات الإسلامية، قياساً بما أنتجه الفكر اليوناني القديم على هذا الصعيد، إلاّ أنّه لم يعدم محاولات وآراء صدرت في سياق حاجة السلطان السياسي إلى فتاوى لتبرير شرعيته وقراراته. لكنّ قضية الحكم والسلطة في الإسلام عادت واندلعت بقوة في القرن العشرين، خصوصاً بعد إلغاء مصطفى كمال للخلافة الإسلامية، واتخذت أبعاداً عبر استحضار الحركات السياسية الإسلامية لمقولة وحدة الدين والدولة في الإسلام، وضرورة إعادة بناء الدولة الدينية على النمط الراشدي، وصولاً إلى التمسّك بشعار “الإسلام هو الحل”. يتخذ الصراع في العصر الحديث حول الفصل بين المجال السياسي والديني بعداً حضارياً، ويشكل حلقة مركزية في مواجهة الفكر الأصولي، الذي يضع في أولوياته السيطرة على السلطة وإحلال حكم الإسلام وتشريعاته على المجتمع.
يولي عبد المجيد الشرفي موضوع الحكم في الإسلام أهمية في كتاباته خصوصاً منها كتابه “الإسلام والحداثة”، ويتناول آراء عدد من المفكرين المسلمين حول هذا الموضوع. كان رفاعة الطهطاوي من أوائل الذين تطرّقوا إلى السياسة وكيف يجب أن تكون، فرأى أنّ الدولة إنما تقوم على ركيزتين: القوة الحاكمة التي تضمن الأمن وانتظام العلاقات الاجتماعية من جهة، والقوة الحاكمة من جهة أخرى، وهي علاقة تستوجب أطراً قانونية لانتظامها، بما يتطلب وجود ميثاق دستوري ينظمها، ويحتكم إلى الفكر السياسي لا على أساس مصادر التشريع الإسلامي، لذا قال بوجوب الفصل بين السلطات وبكون الأمّة مصدرها. ذهب خير الدين التونسي أبعد من الطهطاوي في دعوته إلى ضرورة الاقتباس من الغرب والأخذ من تنظيماته، ورأى أنّ “خلاص الأمة الإسلامية متوقف على البدء بتغيّر نظام الحكم فيها والانتقال به تدريجياً نحو النموذج الغربي”. قال محمد عبده بمدنيّة الحكم في الإسلام، وذلك خلافاً للرأي الشائع من أن الخليفة أو الإمام هو “ظل الله في أرضه” ويحكم بتفويض إلهي، ويكمل بالقول إنّ أشكال الحكم التي عرفها التاريخ الإسلامي غير ملزمة للمسلمين في العصر الحديث، واعتبر أن لا ضير على المسلمين من الاقتباس الغربي في تطوير نظام الحكم. في جانب آخر، اعترض رشيد رضا على إلغاء الخلافة وتحويلها إلى سلطة روحية، فقد كان من الداعين إلى إحياء الخلافة الإسلامية على القواعد الواردة في كتب الفقهاء. ستؤسس آراء رضا إلى نشؤ حركة الإخوان المسلمين وإلى احتلال شعار إعادة الخلافة موقعاً مركزياً في برامج الأحزاب ذات الطابع الإسلامي. كان حسن البنّا أهم المستلهمين لفكر رشيد رضا، فترجم أفكاره من خلال إنشاء “حركة الإخوان المسلمين”، التي باتت “أمّ” الحركات الأصولية لاحقاً، فدعت إلى تجسيد الإسلام في مجتمع تحكمه سلطة إسلامية، ورفض الفصل بين الساسة والدين، ورفع الشعار الشهير :”الإسلام هو الحل”. لم يكن عبد القادر عودة أقلّ تشدداّ عن حسن البنّا، وهو كان يعتبر المنظّر السياسي لجماعة الإخوان، فقال إن الحكم لله، وإنّ الإسلام عقيدة ونظام ودين ودولة، وإنّ القرآن هو دستور الحكومة الإسلامية.
في مقابل صعود الإسلام السياسي الذي دشنه “الإخوان”، عرف الفكر السياسي آراء مناقضة ومخالفة، كان أبرزها للشيخ علي عبد الرازق الذي أصدر كتاب “الإسلام دين لا دولة ورسالة لا حكم”، حسم فيه بكون الإسلام لم يحدّد نظاماً معيناً للحكم، واعتبر أنّ الخلافة ليست من ضرورات الدين الإسلامي، ولم ينصّ عليها القرآن أو السنّة، وإذا كانت هذه الخلافة قد وجدت في التاريخ فلا يعني ذلك حتمية استمرارها. أمّا عبد الحميد باديس، فقد كان معجباً بمصطفى كمال، ودعا إلى ربط النظام السياسي الإسلامي بسلطة القانون والشعب. بدوره، هاجم خالد محمد خالد “الكهنة المسلمين”الذين يكرّسون وينشرون الجهل والتخلّف والإيمان بالخرافات وذلك باسم الدين، ورأى في الحكومات الدينية تجربة فاشلة، وميّز بين الدين الذي يجسّد حقائق خالدة لا تتغيّر، فيما الدولة مجموعة من النظم والقوانين تخضع لسنن التطور والتبدل المستمر. وأخيراً، يشير محمد أحمد خلف الله إلى أنّ شعار “الحاكمية لله” الذي قال به سيّد قطب أحد زعماء الإخوان المسلمين إنما ينطوي على مغالطة كبرى، لأنّ الحكم في القرآن أتى تعبيراً عن وجوب الفصل بين الخصومات وليس بمعنى دولة لحكم الناس.
يخلص الشرفي بعد هذا الاستعراض لبعض مصنفات الفكر السياسي الإسلامي حول قضية الحكم إلى القول :”فاختلاف الرؤى في مشكلة الحكم متأثر تأثراً مباشراً بالأوضاع التاريخية. فكما أنّ نمط الحكم يساهم بدور كبير في تكييف المجتمع الذي يراد نحته، لا ننسى أنّ البنى الاقتصادية تؤثر بدورها في بلورة النظام السياسي الملائم لتلك البنى. وهذا ما من شأنه أن يعدّل من جدوى المواقف التي يتبناها هذا الفريق أو ذاك، فهي لا تعدو – في نهاية الأمر- أن تكون مواقف عاكسة في تباينها لتفكك البنية المجتمعية التقليدية دون أن تعوّضها بعد بنية حديثة شبيهة كلياً أو جزئياً ببنية المجتمعات الصناعية وما بعد الصناعية” (الإسلام و الحداثة، ص151).
{{ {{{تقديس السّلف والسلفيّة}}} }}
يتميّز الخطاب الأيديولوجي للحركات الإسلامية الأصولية بالتشديد على موقع السلف، رسولاً وصحابة، وعلى نمط الحياة والحكم السائدين خصوصاً في المراحل الأولى من الإسلام، وتدعو إلى الإقتداء بهذا السلف الصالح. من هنا جاء التركيز على الدولة الدينية ونموذج حكم النبي ومعه دولة الخلفاء الراشدين. في تحليله لظاهرة العودة إلى السلف وتقديسه أحيانا، يعيدها الشرفي إلى عوامل نفسية واجتماعية تكمن في أساس الظاهرة، لكنّ العامل الديني يسبغ عليها نظرة تقديسية. لا تقتصر الظاهرة على الإسلام، بل تطال الأديان التوحيدية الأخرى، اليهودية والمسيحية. تتفق الأديان الثلاثة على تقسيم للتاريخ إلى ثلاث مراحل، فهناك أولاً فترة ما بل الوحي، وهي فترة الضلال والجاهلية والظلمات، تليها فترة النور والهدى “وهي التي تجلّى فيها الوحي، بقطع النظر عن طبيعته وسواء كان إنقاذا لشعب مختار وناموساً أبدياً يدعى إلى التزامها وتجسيداً في شخص أو كتاب منزلاً”، بعدها تأتي الفترة التي تلي الوحي والتي “يخفت فيها النور كلما تمّ الابتعاد عن منبع ذلك النور” (لبنات، ص38).
في تفسيره لعوامل انتشار النزعة السلفية، يرى الشرفي أنها تستند إلى أسس تتصل بالواقع القائم، ف”العالم الذي عاش فيه القدماء عالم تغلب عليه القداسة في كل مظاهره، وكان فيه الأفق الأخروي ماثلاً في الأذهان في كل لحظة، فلا عجب أن يكون الحرص على الخلاص حرصاً بالغاً. وبما أنّ السلف الصالح موعود بالجنّة حسب تصريح القرآن، فإنّ الإقتداء به من باب الأمل في مشاركته مصيره في الآخرة” (لبنات، ص40). عامل آخر يتصل بالنص القرآني نفسه الذي يستعمل الإشارة والإيحاء والرمز، بما يجعله “يحتمل عدداً غير محدود من وجوه التأويل هي ثمرة التفاعل الخصب بين النص وقرّائه على اختلاف نفسّياتهم وثقافاتهم وظروفهم. إلاّ أنّ التطوّر الذي تمرّ به كل دعوة دينية وتحوّل الإسلام بعد موت الرسول إلى مؤسّسة كان يمنع من تعددية التأويل ويفرض تسييج فهم النص وإحاطته بجملة من الضوابط التي تضمن وحدة الشعائر والأحكام والمعتقدات، فكانت سلطة السلف هي السلطة التي يعتمد عليها لفرض اختيار معيّن وإقصاء ما سواه، ولم يكن من الشاذ أن توضع الأحاديث أو أن تنسب الأقوال والأفعال إلى الصحابة لدعم النظرية التي يراد فرضها” (لبنات، ص41).
يخلص الشرفي إلى نفي مقولة كون السلفية من مقتضيات الإسلام كما تجزم به حركات الإسلام السياسي، بل هي مسألة تتصل بالظروف التاريخية السائدة. من المعروف تاريخياً أنّ هذه السلفية بدأت تشهد ازدهارها بالتزامن مع انحدار الحضارة الإسلامية وما تبعها من سيطرة عهود الجمود والركود في الفكر والسياسة. وترافق هذا الصعود مع سدّ أبواب الاجتهاد في النص الديني، كما ساهم نجاحها “في فسح المجال للنزعات اللاعقلية كي تنمو وتزدهر، وهو ما حصل بالفعل مع انتشار التصوّف وتطوره إلى طرق لا يمثل الإسلام فيها إلاّ قشرة رقيقة تخفي العديد من العقائد الوثنية” (لبنات، ص46).
{{
{{{الحركات الأصولية والتحديث}}}
}}
يسود رأي شائع حول الموقف الأصولي من مظاهر التحديث وبالتالي الحداثة، وهو موقف يتّسم بالسلبيّة، واتهام هذا التطور الحضاري بتهم تقليد الغرب والخضوع لقيمه وأفكاره، وصولاً إلى المسّ بالقيم الإسلامية الموروثة. يفتح موضوع التحديث على مسألة التخلّف الحضاري والبنيوي للمجتمعات العربية والإقامة المديدة في الماضي والاستعصاء على الحداثة والتحديث. ليس مجافياً للواقع رد أحد العوامل الرئيسة لصعود الحركات الأصولية، إلى واقع التخلف هذا، الذي يطال جميع ميادين الحياة العربية. في مجتمعات لم تستطع مشاريع التنمية والتعليم التي قامت مع الاستقلالات الوطنية من ردم فجوات الفقر والبطالة والأمية، مقترناً ذلك بالهزيمة أمام العدو القومي، والعجز عن تحقيق نظام سياسي تسوده المساواة بين المواطنين والحفاظ على حرية الرأي… إن مجتمعات تعاني مثل هذه المعضلات تشكل تربة خصبة لنمو الأصوليات ومعها حركات التطرّف والإرهاب. تنعكس هذه المعضلات على أجيال الشباب التي تعاني مشاعر الضياع وافتقاد الأمل بمستقبل يلبّي الحدّ الأدنى من طموحاتها، مما يخلق لديها شعور بانسداد الآفاق وما ينتج عنه من إحساس بافتقاد المعنى الحقيقي لوجودها. تنجدل هذه الإخفاقات المجتمعية بشعارات طوباوية يعتمدها الخطاب الأصولي الذي يقدّم تفسيره لإخفاق الأنظمة الناجم عن الابتعاد عن تطبيق الشريعة الإسلامية، وتقليد الغرب والالتحاق به، ويدعو في المقابل إلى تقديم الإسلام، وحده، طريقاً للخلاص وحلاًّ لمشكلات التخلف في المجتمعات العربية. يستحيل قبول الخطاب الأصولي وتقديم حركاته منقذاً للواقع المتخلف عربياً، لأنّ الحركات الأصولية في جوهرها تعبير عن أزمة انهيار مشاريع التحديث العربية في أعلى تجلّياتها وليست جواباً عنها.
تحتلّ مسألة العلمنة موقعا جوهرياً في مسار المجتمعات العربية نحو تقدمها الحضاري. يحمل الخطاب الأصولي عداءً شديداً للعلمنة استناداً إلى موقف عقائدي يقوم على ادّعاء وحدانية الدين والدولة في الإسلام، واعتبار الفصل بينهما، كما تقول به العلمنة، “بضاعة استعمارية” تتناقض ومبادئ الإسلام. ليس هناك من شك أنّ ما جرى تطبيقه من وجوه للعلمنة على يد أنظمة الاستقلال لم يصب في ميدان إبراز الجوانب الايجابية لها. بل إنّ بعض التطبيقات التعسّفية وضعت علامات استفهام حول صلاحية هذه العلمنة وإمكان مساهمتها في تقديم حلول لمشكلات مجتمعاتنا العربية والإسلامية. في أي حال، يظلّ النضال من أجل فصل المجال السياسي عن الديني حلقة مركزية في تحقيق الإصلاح الديني والسياسي وشرطاً لتجاوز الكثير من معوّقات دخول العالم العربي إلى العصر. وعلى رغم كل الصراخ الأصولي ضد العلمنة، فإن المجتمعات العربية والإسلامية تشهد اختراقات “علمانية” تطال حياة المسلم من دون أن يمكن له الوقوف في وجهها. يعلّق عبد المجيد الشرفي على هذه المسألة بالقول :”على أنّ الثابت هو أنّ مسار العلمنة اليوم يفعل فعله في هذه المجتمعات كأعمق ما يكون الفعل، فهو في بعض من ملامحه يعتبر تحدياً للإسلام التقليدي، إذ لا شكّ أنّ الإسلام قد فقد قسماً كبيراً من قيمة تفسيره للكون. وهو من جهة أخرى، في هذا المستوى، يعيش نفس المشاكل التي تعيشها سائر الديانات التي أصبح اعتناقها ينزع شيئاً فشيئاً إلى أن يكون اختياراً قلقاً. فلنراهن على أنّ المسلم وهو يعيش مع القرآن وضعاً من التأويل مستمراً سيتمكّن من تحيين الرسالة القرآنية من جديد بحسب مقتضيات الحداثة، وسيلتقي متجاوزاً تقلّبات التاريخ وما تفرزه من تحريف يصيب الشعور الديني بالمعنى العميق للإسلام، الذي لم ينزّل لغير سعادة البشر. فليس من شأن منطق الإسلام، وهو تعبير عن العناية الإلهية، أن يحول دون رقيّ البشرية” (لبنات، ص67-68).
{{ {{{قضية المرأة}}} }}
يفتتح الشرفي، في كتابه “الإسلام والحداثة”، الفصل الخاص عن المرأة بالقول :”من الأفكار الشائعة أنّ منزلة المرأة الدونيّة في المجتمعات الإسلامية عموماً والمجتمعات العربية على وجه الخصوص، تعود إلى ما اختص به الإسلام من تعاليم وأحكام عطّلت مساهمتها في الحياة الاجتماعية وجعلتها تحت سلطة الرجل أباً كان أم زوجاً وأحكمت حبسها في البيت لتكون أداة متعة وإنجاب وخدمة” (ص153). على غرار سائر الأديان التوحيدية في نظرتها إلى المرأة، من الخطأ تحميل النص الديني ما تفرضه على المجتمع تلك الثقافة السائدة حول المرأة. فهذه الثقافة المنسوبة إلى النص الديني هي في الأصل ثقافة موروثة من المجتمع العربي والإسلامي قبل الدعوة المحمدية. وإذا اعتبرنا أنّ النص الديني، في مجال الأحكام هو انعكاس للثقافة والتقاليد والعادات السائدة، في التعبير عنها وتمثل قسم منها وتجاوزها في الكثير من الأمور، عندها لا يعود مستغرباً أن نقرأ ما هو وارد في النص الديني عن المرأة إلاّ في وصفه نصوصاً وأحكاماً تتصل بزمان الدعوة ومكانها، وليس في وصفها قانوناً لكل زمان ومكان.
تعود النظرة السلبية في الإسلام تجاه المرأة إلى طبيعة التفسيرات العشوائية التي دأب عليها المفسّرون والفقهاء منذ القدم واستمرت تجرجر نفسها حتى العصر الحديث، بل ازدادت تراجعاً وتخلفاً مع الخطاب الأصولي المتشدّد تجاه المرأة وتحميل النص الديني تفسيرات مغالية بما يعطي صورة عن الإسلام في وصفه مرادفاً لظلم المرأة والحطّ من قيمتها. يشير الشرفي إلى مفاصل في هذا الخطاب الأصولي تجاه المرأة ويعدد بعض الخصائص العقلية التقليدية التي يبرّرها النص الديني، فيرى أنّ الأصوليين ينطلقون من مسلّمات:”1-اقتضت الحكمة الإلهية في تدبير الكون أن يقوم النظام الاجتماعي على شكل هرمي أعلاه الرجل وتحته المرأة ثم يليها العبد فالأمَة ثم الطفل والمجنون. 2- إنّ انحطاط حقوق المرأة عن حقوق الرجل نتيجة منطقية لانحطاط واجباتها عن واجباته أو بالأحرى تكليفها عن تكليفه”( الإسلام والحداثة، ص155). انطلاقا من ذلك يمكن تفسير هذا التذمّر الذي يبديه العلماء والفقهاء المتشبّعين بالثقافة التقليدية، حول الدعوات الحديثة إلى تحرير المرأة، فيعتبرون أن لا أساس لهذه الدعوات، لأن المرأة في نظرهم ليست مظلومة وإنها تتمتع بالحقوق التي ينصّ عليها الشرع والتقاليد التي سار عليها السلف الصالح. كما يرون أنّ هذه الدعوات تنسف “النظام الطبيعي ذاته كما أراده الله لعباده.. ولهذا السبب اعتبروا ويعتبرون تحرير المرأة العربية والمسلمة خدعة استعمارية ومكيدة صليبية اغترّ بها المنبهرون بالغرب فلم يدركوا تبعاتها في زعزعة نظام الأسرة الإسلامية وإشاعة الفساد في الأرض بالتحلّل من أسمى القيم الأخلاقية، فيعمّ الفجور محلّ العفة والتبرّج محل الحياء والتمرّد محل الطاعة بالمعروف” (الإسلام والحداثة ، ص156).
منذ بدايات عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر، احتلّت قضية تحرير المرأة حيّزاً واسعاً في المشروع التحديثي العربي والإسلامي بما يتجاوز النص الديني وفتاوى الفقهاء والتقليديين. يشير الشرفي إلى محاولات العديد من المفكرين والروّاد النهضويين الذين سلكوا درباً مخالفاً لهذه التصورات. رأى هؤلاء الروّاد أنّ المرجعيّات الفقهية تسعى إلى تفسير للدين الإسلامي يشوّه الكثير من جوهر هذا الدين خصوصاً في جانبه الإنساني، لذا كان لا بدّ من تجاوز الكثير من هذه التصورات الفقهية. وبما أنّ قضية المرأة ذات بعد اجتماعي وسياسي ويتصل بحقوق الإنسان والمساواة بين البشر، كان لا بدّ للفكر السياسي والاجتماعي الخاص بهذه المسألة أن يستلهم ما عرفته المجتمعات المتقدمة في الغرب على صعيد تحرير المرأة وتعديل القوانين المجحفة في حقها. وهو أمر لا يقع بتاتاً في خانة الالتحاق بالغرب والخضوع له على ما يقول الإسلاميون الأصوليون، فهذه المجتمعات الغربية عرفت في محطات تاريخية ما يشبه الوضع الذي تعيشه اليوم المجتمعات العربية والإسلامية في الموقف السلبي من المرأة والتمييز ضدها لصالح الرجل. إن ما عرفته هذه المجتمعات من تغيّرات طالت أوضاع المرأة كانت حصيلة نضال سياسي واجتماعي شامل انخرطت فيه المرأة بشكل أساسي ودعمتها فئات اجتماعية وسياسية وحركة فكرية كانت ترفض التمييز وتدعو إلى المساواة بين الرجل والمرأة في جميع الميادين. يشير الشرفي إلى عدد من الرواد من أمثال الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين والطاهر حداد واحمد لطفي السيد وعلال الفاسي وخالد محمد خالد…وغيرهم، ترافقت طروحاتهم مع نضال خاضته المرأة نفسها عبر عدد من الرائدات في ميدان حقوق المرأة من أمثال ملك حفني ناصف ونظيرة زين الدين وهدى شعراوي… وغيرهن من المناضلات.
يخلص الشرفي إلى القول:”إنّ قضية المرأة ليست بمعزل عن القضايا التي تشغل بال المفكرين العرب والمحدثين والتي هي قضايا فكرية ودينية في احد وجهيها وسياسية اجتماعية اقتصادية في وجهها الآخر. وعلاقة الفكر الإسلامي المتّصل بها بالحداثة إنما هي علاقة بطرفين: بالقيم الحديثة الكونية في صبغتها رغم نشأتها في الغرب وبنقيضها أو خلافها أي قيم الماضي والموروث التي ما زالت غالبة على المجتمعات العربية بحكم بنيتها التقليدية الخالصة في بداية عصر النهضة وبنيتها المخضرمة بدرجات متفاوتة منذ ذلك الحين” (الإسلام والحداثة، ص173).
{{ {{{خاتمة}}} }}
إنّ ما قدّمه عبد المجيد الشرفي في مجال الفكر الديني، ولا يزال، يقع في صميم الطموح إلى تجديد مشروع نهضوي شامل جميع المستويات. يحتل تجديد الفكر الديني ومعه نقد العقل الإسلامي التقليدي السائد موقعاً مركزياً في بناء ثقافة هذا المشروع “لبنة لبنة”، وفي مواجهة الفكر الأصولي الزاحف على المجتمعات العربية والإسلامية واحتلال عقولها. إنّ خير ختام لهذا البحث يكون باستحضار هذه “الوصية” التي يوجهها الشرفي إلى المسلم، والواردة في كتابه “لبنات” حيث يقول :”إنّ المسلم ملتزم بالرجوع باستمرار إلى القرآن ليستمد منه قواعد السلوك المثلى في جميع مجالات الحياة، ولكن من الخطأ الوقوع في الفخ الذي وقع فيه جلّ علماء الكلام الإسلامي حين غلّبوا معنى بعض الآيات على آيات أخرى لا تتناسب ونظرياتهم المنطقية (في القضاء والقدر مثلا). فالاستشهاد ببعض الآيات التي فيها تحريض على قتل الكفار لتبرير أعمال العنف ضدهم أو الاستشهاد بآيات تؤكد عدم الإكراه في الدين، أو وجوب طاعة وليّ الأمر لتدعيم اختيار معاكس أساسه الامتناع عن استعمال العنف، هذه الطريقة في سؤال القرآن بفصْل بعض آياته عن السياق الذي وردت فيه والظروف التي نزلت فيها، لا تتوفر فيها الشروط الأولية للأمانة تجاه كلام الله ، بل ينبغي أن يتناول القرآن في كلّيته على أساس أنه رسالة جامعة لها مقاصدها البعيدة السامية ولها أيضاً اعتباراتها للأوضاع البشرية التاريخية. ولا بدّ من التمييز بين هذين المستويين باستمرار وبقدر كبير من التبصّر. وإنّ من أوكد الأمور التي يمكن اعتبار عملية تجديد الفكر الديني في الإسلام مدعوّة إلى تحقيقها تحديد الأبعاد التي يحتويها القرآن وإبراز ما هو أزلي في أحكامه وما هو ظرفي في أوامره ونواهيه، وكل ما عدا ذلك ليس إلاّ امتداداً لنزعة تمجيديّة أو دفاعيّة تجاوزها الزمن. فلنحاول إذن، ونحن واعون بمقتضيات هذا المنهج، أن نستخلص الاتجاهات العامة للمبدأ القرآني في قضية العنف” (لبنات، ص185-186).
{{ {{{المراجع}}} }}
الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار الطليعة، بيروت،2008
الإسلام والحداثة، دار الجنوب للنشر، تونس، 1998
لبنات، دار الجنوب للنشر، تونس، 1994 محمد حمزة: إسلام المجدّدين، سلسلة “الإسلام واحداً ومتعدداً”، دار الطليعة ورابطة العقلانيين العرب، بيروت، 2006}}
