داروين والثورة الداروينية (15)
ينتمي فرض التطوّر إلى القرن التاسع عشر الأوروبيّ الذي قيل عنه إنّه قرن التاريخ. القرن الذي تميّز ربعه الأوّل بدروس هيغل حول تاريخ الفلسفة وفلسفة التاريخ، وبدروس أوغست كونت “في الفلسفة الوضعية” التي قال في مستهلها: ” لا يمكن لأيّ مفهوم أن يعرف إلا بمعرفة تاريخه”. نستطيع أن نجزم بكلّ تأكيد أنّ هاته العبارة لم تكن شعارا لدروس قائلها فحسب، وإنما كانت بالفعل شعار القرن بمجمله. فقد كان الباحثون جميعهم على أتمّ الاقتناع بأنّ معرفة الكائن تعني متابعة تطوّره. يصدق هذا على الدراسات اللغوية، مثلما يصدق على دراسة الكائنات الاجتماعية..مثلما يصدق على الأحياء..بل إنّه يصدق على أيّ مفهوم. لتحديد المعنى تكفي متابعة التطوّر. تحديد الحرية هو ملاحقة حركات التحرّر، تحديد الفنّ يرتدّ إلى دراسة تاريخه..
ورغم هذا الهوس الموحّد، أو”حمّى التاريخ” بتعبير نيتشه، نستطيع أن نميّز بين اتجاهين متعارضين: الاتّجاه الأوّل يعتمد مفهوما غائيا للتاريخ، يعتبر أنّ معرفة الأصول والوقوف على مصادر الأمور واشتقاقاتها étymon، من شأنهما أن يمكّنانا لا من تحديد الكائن ومعرفة خصائصه، وإنّما من تحديد وجهته والتنبّؤ بمآله. أمّا الاتجاه الثاني فيذهب إلى التنقيص من “الأصل” فينزع عنه امتيازه، ولا يعتبره اللحظة التي تحدّدت فيها خصائص الكائن كي تغدو حركته التاريخية مجرد امتداد وكشف عمّا ينطوي عليه dé-veloppement.
الاتّجاه الثاني إذن لا يعتبر أنّ الأصل موطن حقيقة الأشياء، ولا يوحّد بين الأصل والمآل. وما عودته إلى الأصول إلا طريق يكشف بها أنّ التحديدات والمعاني قد أنشئت إنشاء، وأنها خضعت لصدف الصراع.
لو تساءلنا أيّ أصل يقصد داروين حينما يبحث عن “أصل الأنواع”؟ فإنّ جوابنا لن يكون يسيرا. ذلك لو أننا اقتصرنا على التأويلات المباشرة التي أعطيت لـ”فرضية التطوّر” حيث اعتبر التطوّر “ارتقاء”، وحيث عوملت الفرضية على أنّها فلسفة في التاريخ تعتمد مفهوم الغائية في تفسير التطوّر، لو فهمنا فرضية التطوّر على هذا النحو لما تعذّر علينا إقحامها ضمن الاتّجاه الأوّل الذي أشرنا إليه. إلا أننا سنعجز حينئذ أن نفهم تبنّي مفكّر في مستوى فرويد للفرضية، بل وضعه إيّاها في مرتبة الانقلاب الذي أحدثته فرضيته هو حول الجهاز النفسي.
غير أننا لو أمعنّا النظر في الركائز التي يقيم عليها داروين فرضيته، حيث يعتبر أنّ التحوّل ليس بالضرورة ارتقاء، وأنّه يحدث نتيجة آليات عمياء تمكّن الأصلح من البقاء وفق مبدأ “الاصطفاء الطبيعي”، لتبيّن لنا مدى البعد الذي يفصل صاحب فرضية التطوّر عن فلسفات التاريخ، وبالتالي مدى قرب صاحب “أصل الأنواع” من حداثتنا الفكرية.
