تَأْجِيـجُ الحَاضـر
مـرَّةً أخـرى تحتفي فرنسا بـ”أفلاطـون”. فالعدد الخاص من مجلة “لوبوان”، الذي جاء كاملاً حول هذا الفيلسوف، هو حلقة ضمن سلسلة من الأعمال التي صدرت، ليس عن فكر أفلاطون، ورؤيته، لِما كانَ يجري في زمنه، أو عن مواقفه، وما تركه خلفه من مفارقات، وأفكار ذات طبيعة إشكالية، بل أيضاً، بالعمل على إصدار أعماله الكاملة، وهو المشروع الذي يُشْرِف عليه بعض المُختصين، في هذا المجال، مثل لوك بريسون، وجان فرنسوا براون.
كانت ” المجلة الأدبية ” أصدرت منذ مُدَّة، عدداَ خاصاً حول أفلاطون، حاولت أن تُضيء فيه بعض الزوايا المُعْتِمَة حول هذا الفيلسوف، وحول طبيعة علاقته بسقراط، الذي اعْتُبِرَ أفلاطون حامل أفكاره، والناطق باسمه؛ كون سقراط لم يكتُب، ولم يترك أيّ أثر مكتوب.
هذا الاحتفاء بأفلاطون، وبغيره من المفكرين، والفلاسفة القُدامى، ليس عودةً إلى الوراء، أو سلفيةً، من نوع السلفيات التي تقرأ الفكر والإبداع، لتَاْسَرَهُما في زاوية من زوايا قراءتها المُعْتِمَة. فهو نـوع من المراجعة، و التفكير الدائم في هذا الماضي، الذي لا يفتأ يمتحن نفسه، في ضوء أفكارٍ، ورُؤَى جديدة، أو ما قد يظهر من مُعطيات جديدة، تفرض على الباحثين إعادة النظر في أفكارهم السابقة، أو في ما كان من قبلُ يُعتبر من المسلمات في النظر إلى فكر هذا المفكر أو ذاك.
لا شيء يُعتَبَر نهائياً، أو كاملاً. مهما تكن قيمة الشخص، أو رمزيته في ثرات الأمة وفكرها، فالعبرة بالنتائج، أي بما يجعل أفكار هذا الشخص، تعكس ما جرى في الواقع، لا ما يحدُثُ فيه من تَخَيُّلاتٍ، حتى لا أقول تأويلات.
هذا النوع من مراجعة الأصول، هو ما نفتقر إليه في ثقافتنا العربية، كما نفتقر للجرأة في الاقتراب من القضايا الفكرية والإبداعية، ذات الطابع الإشكالي.
الذين يقرؤون اليوم التراث والإبداع العربيين، من زاوية المراجعة النقدية، رغم ما يُقْدِمُون عليه من جرأةٍ في تقليب تُربِ هذه الأراضي، فهُم رغم ذلك، يجدون نفسهم مُحاصرين بالتَّخَيُّلات السلفية، أو الأصولية، التي أصبحت اليوم، أكثر ظلامية مما كانت عليه قبل. كما يجدون أنفسهم بلا سَنَدٍ مرجعي، في سَبْرِ تُرَبِ هذا الفكر، كون كثير من الأعمال الأساسية، التي هي مادة عمل وبحثٍ و تَقَصٍّ، غير مُتاحَة، لأنها ببساطة، إما غير منشورة، أو غير مُتَوَفِّرة بالطُّرُق التي تُتِيحُ للباحث الاشتغال في ظروف مساعدةٍ.
عدد من أعمال المفكرين والمبدعين العرب القدامى، ما تزال مُبْتَسَرَةً، فما يُحَقَّقُ ويُنشرُ منها، يكون في أغلب الأحيان محكوماً بتوجُّه المحقِّق، أو بطبيعة رؤيته لهذا العمل أو ذاك، أو لما كان وراء عمله هذا من دوافع، ربما لا تهتم بأعمال مُفَكِّرٍ ما كاملةً، بقدر ما تكتفي بما يمكن أن يكون عملاً (صالحاً) للقراءة، ولا يُثير أيّ اعتراض أو رفضٍ، كما حدث مثلاً، مع كتاب “ألف ليلة وليلة”.
من السهل، في الغرب، العثور على أعمال قديمة، أو على طبعات مختلفة من العمل الواحد، وما قد يكون جرى فيها من قراءات.. فالناشر هناك ليس مجرد وسيط، فهو مشارك في السياسة الثقافية، وله مشروعاته الفكرية والإبداعية التي تحكم رؤيته الثقافية. وهو إضافة إلى ذلك، شخص مثقف، على صلة بما يجري في أرض الواقع، ومواكب لما يصدُر، ولما يُثار من نقاش في أي موضوع كان.
هذا ما يجعل من عمله، إضافةً، ونوعاً من المشاركة في إثارة الأسئلة، أو إتاحة فُرَصِ الخوض في القضايا التي ما تـزال في حاجة إلى التأمل والمساءلة.
الماضي، بهذا المعنى، لن يكون ما مضى وانتهى، إنه الماضي الذي ما فتيء يعود، ليس ليكون المرجع الذي لا يقبل القراءة والمساءلة، بل ليكون الماضي الذي يُنْصِت للحاضر، ويُضْفِي على حضوره صفةَ التَّجَدُّد القابلة للحياة. وهذا ما يجعل منه ماضياً لا يمضي، لأنه يُعيدُ تأجيجَ الحاضر.
