محمد أركون: نقد العقل الإسلامي

يحتلّ محمد أركون موقعاً مركزياً في السجال الفكري والعقائدي مع الأصوليات، الإسلامية منها وغير الإسلامية. يعمل منذ عقود على قراءة مختلفة ومغايرة عن السائد للنص الديني والتراث الإسلامي، بحيث أعطى عنواناً لمشروعه الفكري:”نقد العقل الإسلامي”. على غرار أمثاله من دارسي النص الديني والتراث، نال أركون نصيبه الكبير من التهجّم الشخصي والفكري على طروحاته، واتّهم بالكفر والزندقة والمروق عن الدين وتشويه سمعة الدين الإسلامي..وغيرها من التهم، وكان يمكن أن يناله الأذى الشخصيّ لو كان يعيش في البلاد العربية أو الإسلامية. أتاحت له إقامته في الغرب أن يكتب بحرية ويمارس دوره النقدي والتحليلي دون أن يشعر بهاجس الاعتداء الذي سيطاله من الفتاوى التي ستصدر بحقّه وتهدر دمه، وهو أمر يعترف به أركون نقسه، وأنه ما كان له أن يطلق أحكامه وأفكاره بهذا الشكل لو كان يعيش في بلده الجزائر، أو في أيّ بلد إسلاميّ آخر. إضافة إلى أنّ أركون كتب باللغة الفرنسية، ورغم أنّ ترجماتٍ صدرت لمؤلّفاته في اللغة العربية، إلاّ أنّ انتشارها ظلّ محدوداً ومقتصراً على نخبٍ معيّنةٍ، ساعد في هذا التقلّص في انتشارها أنّ المناهج التي استخدمها أركون في قراءة الفكر الإسلامي هي مناهج جديدة على الفكر العربي وتتّسم بصعوبة في إدراك كنهها.

ركّز أركون في دراساته على استخدام المنهج التاريخي في القراءة والنقد ودعا إلى تطبيقه على التراث الإسلامي. تلاقي هذه الوجهة في الدراسة عداء شديداً من قبل الوعي الإيماني التقليدي أو الأصولي، بل إنّ الأصولية ترى في هذا المنهج الخطرَ الأكبرَ الذي يتحدَّى أساليب وطرائق قراءتها، مما جعلها تصنّف أصحاب هذا المنهج وعلى الأخص أركون في خانة العداء للإسلام. تنوّعت الموضوعات التي انخرط أركون في دراستها واعتمد “منهجية تعددية” لا تلغي التراث بمقدار ما تستفيد منه بعد غربلته ونقده، كما أولى أهمية لدراسة الديانات السماوية وإظهار نقاط الترابط المشترك في ما بينها. وبالنظر إلى تشعّب الموضوعات التي صال أركون فيها، فإنّ التركيز هنا سيكون على ما هو متّصل بالأصوليات وكيفية قراءته لها، وذلك من خلال أربعة عناوين رئيسية: الأوّل يتعلّق بالمنهج الذي اعتمده أركون وتبيان مفاصله الرئيسية، والثاني يتّصل بقراءة أركون للأصولية الإسلامية، نشأة وفكراً وممارسة، ويتناول العنوان الثالث قراءة قضيّة الدين والدولة في الإسلام بوصفها أحد العناوين الأساسية في المشروع الأصولي الإسلامي، أمّا العنوان الأخير فيتطرّق إلى قراءة أركون لقضية العلمنة.

مفاصل مركزية في الخطاب الأركوني

في تحديد العقل الإسلامي

في كتابه “معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية” يقدم أركون تحديداً لما يعتبره العقل الديني إجمالاً والإسلامي تحديداً، والمنطلقات التي يقوم عليها، وبالتالي المعضلات التي ينتجها هذا العقل في ممارسة المسلم. يشير إلى “أنّ العقل الديني يحصر تساؤلاته وتحرّياته وإنجازاته داخل الحدود المنصوص عليها من قبل ما يدعوه بظاهرة الوحي المسجّلة في الكتب المقدسة: توراة، إنجيل، قرآن. وهي الكتب التي شكّلتها الأمم المفسّرة في الأديان الثلاثة على هيئة نصوص رسمية” (ص56). ويضيف مبيّنا مدى تأثير معطى الوحي على العقول :”لقد وجّه وأخضع العقل اللاهوتي المؤسس في كافة مجالات التمييز والمحاجة والاكتشافات والنص على جميع أنماط المعرفة ومستوياتها. وهكذا راحوا يقدّمون الأحكام الأخلاقية – التشريعية التي تنظم علاقات البشر في المجتمع على أساس أنها تمثل التعبير الحقيقي لإرادة الله بالنسبة إلى مخلوقاته. لقد جعلوا الناس يتصورونها ويفهمونها ويستبطنونها ويطبقونها وكأنها تمثل فعلاً مشيئة الله. وهكذا راح الفكر اللاهوتي يبذل كل ما في وسعه لكي يحدّد “عقلانياً” الأسس الإلهية الموجهة لكل ما يفعله الإنسان” (ص56).

إذا كان الفكر اللاهوتي في الأديان الثلاثة يملك قواسم مشتركة، إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من وجود خصوصيات تتصل بمكان وزمان قيام كل دين، واجتهادات الفقهاء في وضع التشريعات لما يفترضونه ظاهرة الوحي، خصوصا عند بلورة هذا الفكر اللاهوتي في القانون الديني الذي يسمّى بالشريعة. لقد عرف الإسلام هذه القوننة ووضع علماء الفقه أسّسها وطالت في محتواها أموراً كثيرة تخص الإنسان في ممارسته العملية. ورغم الانقسامات في الإسلام بين مذاهب وفرق، إلاّ أنّ قواسم مشتركة ظلّت تجمع بينها في الوجهة العامة للقضايا والموضوعات الخاصة بالأمور اللاهوتية والإنسانية المتمركزة حول الله، والتي يمكن اختصارها في النظر إلى “الله الحيّ، الخلاّق الذي تجلّى في التاريخ الأرضيّ للبشر عدّة مرات عبر رسله وأنبيائه. وقد بلّغ أوامره ونواهيه عن طريق الوحي الذي نقل إلى الأمة المؤمنة التي تؤيد الذاكرة الحية لجميع التعاليم والأحداث المؤسسة للدين الحق. وأمّا المجتمع الأرضي فيقاد من قبل ممثلين لله على الأرض (أي الخليفة أو الإمام). وهم يسهرون على تطبيق الشريعة، أو القانون الإلهي، بدون أن يكون لهم الحقّ في تعديل أحكامها. وهذه الأحكام لا تهدف فقط إلى ترسيخ نظام العدل والتضامن في المجتمع، وإنما تهدف إلى شيء آخر أيضاً. فهي لا تتخذ كلّ معانيها وأبعادها إلاّ إذا استنبطت وطبّقت من قبل كل مؤمن، وذلك ضمن المنظور الأخروي للنجاة الأبدية في الدار الآخرة: أي العودة إلى الله. فكلّ شيء يأتي من الله، وكلّ شيء يعود إليه. وعندما أقول كلّ شيء فإنّي أقصد: العالم، التاريخ، الكائنات الحيّة. فالطبيعة مسكونة من قبل الله وموضوعة تحت تصرّف الإنسان كمكان ووسيلة لتحقيق النجاة في الدار الآخرة. وهذا يعني أنّ النجاة تتمثل بالمسار الأرضي الذي يؤدّي بالضرورة إلى يوم الحساب، فالبعث والنشور، فالحياة الأبدية إمّا في دار الثواب وإمّا في دار العقاب، إمّا في الجنّة وإمّا في النار”(ص58-59).

بعد أن حدّد المفاصل الرئيسية للعقل الديني ومنه في القلب العقل الإسلامي، يطرح أركون على امتداد كتاباته الواسعة عناصر مشروعه في نقد هذا العقل، فيراه “مشروعاً تاريخياً وأنتروبولوجياً في آن معاً”، فهذا المشروع “لا يكتفي بمعلومات التاريخ الراوي المشير إلى أسماء وحوادث وأفكار وآثار دون أن يتساءل عن تاريخ المفهومات الأساسية المؤسسة كالدين والدولة والمجتمع. والحقوق والحرام والحلال والمقدس والطبيعة والعقل والمخيال والضمير واللاشعور واللامعقول، والمعرفة القصصية (أي الأسطورية) والمعرفة التاريخية والمعرفة العلمية والمعرفة الفلسفية..” (أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟”ْXVI)).

تكمن أهمّية مشروع أركون القائمة على عملية النقد الشامل للنص الديني والتراث، والممارسة التي نتجت عنهما، في ضوء ما هو جارٍ اليوم من فكر وفتاوى باتت تخلع القدسية على كل شيء في حياة الإنسان المسلم العادي، وخصوصاً على الأشياء المادية الأكثر دنيوية، ووسمها بصفة دينية، بحيث يصبح نقدها مسّاً بالدين نفسه وبأصوله. في هذا المجال ينظر أركون إلى أنّ عملية نزع هذه القدسية عمّا هو غير مقدّس يشكّل أكبر عملية تحرير للعقل المسلم في زمننا المعاصر، وذلك من أجل أن يتمكّن هذا الإنسان من التصالح مع نفسه أوّلاً وتالياً مع الزمن الذي يحيى ضمنه.

في المنهج

شكّل المنهج الذي استخدمه أركون في نقد العقل الديني، والإسلامي منه خاصة، حلقة مركزية في مشروعه النقدي ومجمل كتاباته، بحيث يصعب فصل المنهج عن الأهداف التي أراد الوصول إليها. أفاد أركون من وجوده في الغرب واطّلاعه على التطّور الذي توصلت إليه المناهج العلمية في دراسة التاريخ المتعدد الجوانب، وهي مناهج لم يسبق أن تعرّف إليها العقل العربي قبل أركون إلاّ لماماً. تخترق المناهج الخاصة بعلم التاريخ وعلم النفس والاجتماع.. كلّ كتابات أركون، وقد يكون الاستخدام المكثّف لها، بما تحمله من قضايا فكرية ومنهجية جديدة، مسؤولا عن صعوبات في فهم فكر أركون ومدى تحوّله إلى أوسع أوساط من النخب العربية.

يشير أركون في مقدّمة كتابه “قضايا في نقد العقل الديني” إلى جملة الصعوبات التي تواجه قراءة الفكر الإسلامي، ويسلّط الضوء من خلالها على الأهداف التي يرمي الوصول إليها فيقول: “إنّ الصعوبة الكبرى التي تواجهنا تكمن في كيفية تحرير العقل النقدي من القيود الإبستمية والإبستمولوجية التي فرضها العقل الدوغمائي على جميع الممارسات الفكرية والثقافية التي قام بها الفكر البشري منذ انتقاله من المرحلة “البدائية” أو “الوحشية” (بحسب مصطلح كلود ليفي ستراوس) إلى المرحلة الزراعية المدنية. ونعلم أنّ هذه الأخيرة معتمدة على التضامن الأيديولوجي بين الدولة والكتابة والثقافة المكتوبة العالمة (الفصحى)، والشيفرة الأرثوذوكسية لتدبير العقول والأفراد والجماعات..الواقع إنّ العقل الدوغمائي أغلق ما كان مفتوحاً ومنفتحاً، وحوّل ما كان يمكن التفكير فيه، بل ويجب التفكير فيه، إلى ما لا يمكن التفكير فيه. ونتج عن ذلك تغلّب ما لم يفكّر فيه أثناء قرون طويلة على ما يجب التفكير والإبداع فيه. بعبارة أخرى، يمكن القول بأنّ نزعة التقليد للمذاهب الأرثوذوكسية وتكرارها قد تغلّبت على إعادة التقييم لجميع المذاهب الموروثة والمسلّمات التعسّفية التي انبنت عليها..إنّ العقل الاستطلاعي الجديد يكافح على جميع الجبهات، وإنه لا ينحاز للغرب أو للشرق، إلى الدين أو الدنيا، إلى سياسة شرعية لاهوتية أو فلسفة إيجابوية علمانوية. بل إنه ينتمي إلى مذهب الاتّهام الفلسفي المنهجي البنّاء، هذا المذهب الذي يشكّ في كلّ ما ينطق به العقل ويحاول تأسيسه كمذهب لا مذهب سواه أو بعده، ثم يفرضه الإنسان بالقوة على الإنسان. ويعلم هذا العقل منذ الكفاح الذي انطلق فيه التيار المعروف بالمعتزلة في قضية خلق القرآن، أنه لا سبيل البتة للعقل البشري أن يتوسّط بين الخطاب الإلهي والخطابات البشرية، دون أن يضع الأوّل في السياقات الدلالّية والقوانين البلاغية والوسائل الاستنباطية والمبادئ المنطقية التي تتصف بها الثانية” (ص6-9).

انطلاقا من هذا التوجّه، انخرط أركون في قراءة النص الديني والتراث الإسلامي معتمداً منهجا في القراءة، يقوم على ربط الوثائق والنصوص بالمرحلة الزمنية التي كتبت فيها وموصولة بتعيين طبيعة القوى الاجتماعية السائدة، والحركات الفكرية المتكوّنة في تلك الفترة، ممّا عنى لديه أنّ شرط نقد العقل الإسلامي يكون في استخدام هذه المنهجية التاريخية في التدقيق بكل المعطيات التاريخية. ومن هذا المنطلق ينكر أركون أن يكون العقل الإسلامي عقلاً أبدياً أو أزلياً، بل على العكس، إنّ هذا العقل بنصوصه المؤسّسة وبتطور التشريعات والاجتهادات التي نجمت عنه، هو بالتأكيد عقل له بداية كما له نهاية، أي باختصار هو “عقل يتشكّل في التاريخ”. ويشدّد أركون على التوجّه الذي يجب أن يسلكه الباحث في التراث الإسلامي، بحيث لا ينبغي له الاكتفاء بتجميع المعلومات والوقائع، بمقدار ما يتوجب عليه الدخول في عملية تفكيكها لاستخلاص النتائج المرجوّة منها. فتفكيك الظاهرة الإسلامية عن طريق تطبيق القراءة التاريخية لها، هو الذي يمكن له أن يقدم لنا إطاراً فعلياً لتحليل وتأويل جميع أشكال الخطاب الإسلامي المعاصر، على جميع مستوياته، وهو وحده الذي يشكّل عنصراً حاسماً في مقارعة الفكر الأصولي الذي يهيمن على المجتمعات العربية والإسلامية اليوم. إنّ عدم تعريض هذا الفكر للنقد والتفكيك على غرار ما حصل في الغرب في قراءة الفكر المسيحيّ واليهوديّ، يتحمّل مسؤولية رئيسية في سيادة الديماغوجيا المهيمنة على العقل الإسلامي والتي تتغذّى من الخطاب الأصولي المطلق. يشير أركون في كتابه “نزعة الإنسية في الفكر العربي” إلى هذه الوجهة بالقول :”ينبغي على المنهج أن يدرس الظواهر من خلال التداخل والتفاعل المستمر بين نسق الروح ونسق الأشياء المادية الواقعية. فالتأمّلات الأكثر تجريداً والأكثر مجانيةً من حيث الظاهر، لها دائماً علاقة مع بواعث فردية وجماعية شديدة المحسوسية والواقعية. ولحمة التاريخ منسوجة من هذه العلاقات المادية والروحية. وإذا ما أراد المؤرّخ أن يعيد كتابتها في كلّ واقعيتها النابضة بالحياة، فإنّ عليه ألاّ يعطي الأولوية لأيّ عنصر من العناصر الداخلة في التركيب، فكلها تستحقّ الاهتمام” (ص260).

يعترف أركون بصعوبة المنهج الذي يقترحه، خصوصاً أنّ ما يطرحه ليس مألوفاً استخدامه بعد في دراسة النص الديني والتراث، لذا يقرّ بصعوبة كبرى في تأمين الربط بين التاريخ الاقتصادي من جهة والتاريخ الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي من جهة أخرى، وذلك لأنّ العلاقات بين هذه المستويات هي علاقات غير مباشرة تستوجب التمحيص لإدراك العلاقات الخفّية غير المباشرة وغير المرئية في ما بينها، وهو أمر يفتح على دراسة التفاعلات والتداخلات القائمة بين هذه المستويات.

توصّل أركون عبر دراساته إلى تعيين الحلقة المركزية في رأيه لمشكلة المجتمعات العربية والإسلامية، فرآها مجسمة في ضرورة “نقد العقل الإسلامي”، لأنّ العقل العربي نفسه لا يزال عقلاً دينياً، كما أنّ العقل اللاهوتي الموروث منذ مئات السنين لا يزال يهيمن على الثقافة الإسلامية والعربية على السواء. يزداد الأمر إلحاحا من خلال ما تقدّمه المجتمعات العربية والإسلامية من خلع القدسية على الممارسات الأكثر دنيوية ومادية، وتعيين الحلال والحرام فيها وفق اجتهادات لا حدود لها، بما فيها ربطها باسم الله والنبي من أجل أن تحظى بالمشروعية والقداسة المطلقة. تبدو المهمة جسيمة في نظر أركون لأنّ تطبيق المنهج التاريخي على التراث الإسلامي اعترضته في السابق عوامل موضوعية كانت تؤجل البحث فيه لصالح تغليب الصراع من أجل التحرّر الوطني والاستقلال القومي والنضال ضدّ الاستعمار بأشكاله المتعددة، حيث كان التراث أحد العناصر المستخدمة في هذه المعركة الوطنية- القومية بوصفه واحداً من عوامل التحرّر. وبعد حصول الاستقلالات، اتبعت الأنظمة سياسة تقوم على محاربة الفكر النقدي والعقلاني، بل نحت في اتجاه تشجيع الفكر الأصولي المحافظ تحت حجة الدفاع عن التراث والهوية، هذا من حيث الشكل. لكن سياسة الأنظمة الداعمة للحركات الدينية إنما كانت تقوم على استجداء التأييد من هذه الحركات لإسباغ مشروعية على الحكم بعد أن فقد هؤلاء الحكام أيّ مشروعية شعبية لسلطتهم. هكذا تعرف المجتمعات العربية منذ عقود حلفاً مقدساً بين المؤسسة الدينية التي تقوم بوظيفة الفتاوى لما تقول به السلطة، وبين السلطة الرسمية الداعمة لمتطلّبات هذه المؤسسة الدينية التي يقع الحجر على الفكر النقدي للتراث الإسلامي في رأس أولوياتها. تجلّى ذلك في ما شهدته هذه المجتمعات من قمع للعقل النقدي في توجهاته لمناقشة النص الديني، وتسبّب في التحريم والتكفير وإهراق الدم للنخب التي تجرّأت وغامرت في ركوب مركب النقد هذا، ومنهم محمد أركون نفسه. “فكل سلطة تجد نفسها بحاجة لتبرير شرعيتها: إنها تنظّم نوعا من “المسرحة السياسية” من أجل نشر وتعميم الوهم القائل بأنها تنتج الحقيقة وتحميها. لهذا السبب نجد أنّ السلطة قد استندت زمنا طويلا في الماضي على الدين، الذي كان يمثل الحقيقة المطلقة التي تفرض نفسها على الجميع، وإذاً على السيادة العليا التي تجعل السلطة السياسية مقبولة من البشر” على ما يقول أركون.

في قراءة القرآن

أولى أركون اهتماماً خاصاً لقضية قراءة القرآن وللوسائل التي استخدمت في توظيفه على امتداد التاريخ الإسلامي والعربي. يشير إلى استخدام هذا النص في الصراعات الاجتماعية والسياسية بحيث عمدت كل فئة اجتماعية – تاريخية إلى فهمه وتفسيره بما يخدم أهدافها ومصالحها، بل كانت تلجأ إلى الدفاع عن مواقعها عبر الاحتماء بعلم الدين وهيبته المقدسة التي كانت لا تناقش ولا تمسّ، فحوّلته إلى عقيدة خاصة انغلقت داخلها وأطلقت حكمها على سائر التأويلات فصنفتها في خانة الضلال والانحراف والكفر. انطلاقا من هذه الوقائع يمكن تفسير نشوء الفرق الدينية في التاريخ الإسلامي، التي يقال إنّ عددها وصل إلى حدود السبعين فرقة.

يشدّد أركون على ضرورة التموضع في عصر القرآن والبيئة التي نشأ فيها لدى كل محاولة في قراءته وتفسيره وتأويله، وهو أمر يتطلّب قبل كلّ شيء الابتعاد عن إسقاطات الحاضر ونظرياته والأيديولوجيات السائدة فيه. ينتقد أركون في هذا المجال الوجهة التشريعية التي يصبح القرآن عندها مختزلاً إلى أسطورة وتالياً إلى أيديولوجيا، فيما يتناول القرآن في جوهره الوضع البشري من حيث الكينونة والحبّ والحياة والموت… “ففي ما وراء المثال القرآني والإسلامي، فإنّ هدف القراءة كلها هو المساهمة في تحرير المعرفة التاريخية من إطار القصة ومجرياتها من أجل جعلها تتوصل إلى وظيفة الكشف عن الرهانات الحقيقية للتاريخية” (القرآن، من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ص174).

في الإطار نفسه، يسلّط أركون النقد على اعتماد المفسّرين القدامى في تفسير القرآن من قبل المحدثين، في وقت يحتاج هذا النص إلى قراءة عصرية تستجيب للتطورات والتغيرات التي عرفها التاريخ العربي والإسلامي، أي بما يعني قراءة عصرية للقرآن. يقول في كتابه :”القرآن، من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني” :”أمّا النص المكتوب (القرآن) فهو مقروء من قبل جميع المسلمين من خلال بروتوكول الإيمان الذي لا يناقش ولا يجادل فيه، أو من خلال ما يدعوه كبار المفسّرين، على غرار الخوئي، بالمقدمة التمهيدية للقرآن، أو من خلال المسلمات المقبولة من دون أن تخضع أبداً للنقاش. هناك تفاسير أو قراءات لاهوتية، وفقهية، وصوفية، وحرفية وباطنية للقرآن، وهي تفاسير ناتجة عن التراث الفكري لكل مذهب من المذاهب الإسلامية (أي المذهب السنّي، أو الشيعي الإمامي، أو الإسماعيلي، أو المعتزلي، أو الأشعري، أو الحنبلي…). ونلاحظ أنّ المفسّرين المسلمين المعاصرين يعتمدون جميعهم، في طريقة تفسيرهم وخياراتهم العقائدية، على المفسرين القدامى. ولم يحاول أي واحد منهم أبداً أن يفكّك، تاريخياً وفلسفياً، نظام المسلمات أو البديهيات المؤبّدة منذ قرون عديدة بصفتها موقفاً دوغمائياً مقدساً أو معصوماً لما كنت دعوْته بالعقل الإسلامي” (ص39)

في المخيال الديني

احتل موضوع المخيال الديني موقعاً مهمّاً في مشروع أركون لنقد العقل الإسلامي، وهو في طروحاته أتى بجديد فعليّ لم يكن معروفا في الفكر العربي والإسلامي. ركّز على الأثر الذي يتركه المخيال الديني على المستويات التاريخية والسوسيولوجية والنفسية، وتكمن الخطورة ممّا نشهده من استخدام الحركات الأصولية لهذا المخيال بوصفه أداة وقوّة تتّسم باللاعقلانية لكنها كفيلة بتجييش الجماهير. يبيّن هذا المخيال كم أنّ مشكلات زمننا الراهن تغور عميقا في الماضي البعيد وتمتدّ جذورها في أعماقه، بحيث بات يصعب فهم هذا الحاضر وتشخيص معضلاته من دون الغوص عميقاً في أعماق تاريخنا، ذلك لأنّ المظاهر والدلالات الخيالية تمثّل حالة ذهنية وعقلية يصعب التشكيك في قوتها وكونها محركة أساسية وفعّالة للتاريخ. يحدّد أركون فهمه لموضع المخيال والهدف من التركيز على أهميته بالقول :”عندما أقول المخيال، أو أستخدم مصطلح المخيال، فإني لا أريد أن افرّغ نموذج العقلانية المستخدمة في كل تراث ديني من أيّ وجهة نظر عقلانية. وإنما أريد بالأحرى إدخال مقولة أنتروبولوجية لكي أفسّر كيف أنّ تصور الوقائع، وكلّ اللغات اللاحقة المستخدمة للدلالة على هذه الوقائع، قد نقل من إطار التحليل العقلاني إلى الدائرة الخيالية للتصورات العقلية والتصوّر العاطفي. إنّ الخيال، على طريقته، هو ملكة من ملكات المعرفة. إنّ المخيال يساهم في هذه الفعالية بصفته وعاء من الصور وقوة اجتماعية ضخمة تكمن مهمتها في إعادة تنشيط هذه الصور بصفتها حقائق رائعة، وقيماً لا تناقش، تكون الجماعة مستعدة لتقديم التضحية العظمى من أجلها. إنّ أعضاء الجماعة الذين ماتوا من أجل القيم المشتركة يصبحون شهداء ويضيفون بذلك أبعاداً تقديسيةً وتنزيهية إلى هذه القيم. وعبر هذه العملية التاريخية والاجتماعية والنفسانية تغتني الذاكرة الجماعية، ويمتحن المخيال الاجتماعي ويظلّ حياً” (القرآن، من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني. ص29).

الإسلام : بين الدين والدولة

يتطرّق أركون في سياق أبحاثه إلى قضية الدولة والدين في الإسلام ويساجل الفكر الأصولي الذي يذهب إلى الإصرار على وحدة المجالين السياسي والديني. يعطي أهمية للتفريق بين السلطة السياسية زمن النبي والاضطرار إلى وضع “تشريعات” مستجيبة لحاجات محدّدة يتطلّبها الواقع، وبين إدعاءات الفقهاء لاحقاً بأنّ النبي قد أسّس دولة دينية استكمل الخلفاء الراشدون بناءها وتطويرها في ما بعد. لكنّ النقطة التي يشدّد عليها أركون، إضافة إلى رفضه مقولة الدولة الدينية، هي حاجة السلطة السياسية دوماً على امتداد التاريخ الإسلامي إلى إسباغ المشروعية الدينية على السلطة السياسية وقراراتها، واستخدام الوحي في سبيل ذلك.

تنطلق مقولة أركون الأساسية من أنّ الدين أخضع إلى السياسة منذ التاريخ القديم وليس العكس، “فهذا الإخضاع الذي تعرض له العامل الديني من قبل العامل السياسي من خلال تجربة الأمويين لا ينبغي أن يخلط بذلك الخلط المنسوب للإسلام ما بين الروحي والزمني…ويمكننا القول إنّه بعد موت النبي لم يتح للإسلام أن يحظى بالشروط المتميزة والممتازة نفسها التي كان يحظى بها سابقا على كلا مستويي التعبير: الرمزي والسياسي. فمحمد كان يرسّخ يوماً بعد يوم ولأوّل مرة نظاماً سياسياً محدداً، ثم يركّز قواعده وبشكل ناجح ومطابق على مجريات عملية الترميز. أقصد بذلك أنّ كلّ قرار قضائي – سياسي يتخذ من قبل النبي، كان يلقى مباشرة تسويغه الديني الرمزي وغائيته من خلال العلاقة المعاشة مع الله. والله لم يكن تجريداً ولا وجهة نظر للروح، وإنما كان فاعلاً حياً متكلماً من خلال التصرفات الشعائرية والحكايات النموذجية المضروبة للعبرة والموعظة (أي القصص بحسب لغة القرآن). وكان يقصّ على الوعي الأسطوري الحلقات الكبرى لتاريخ النجاة في الدار الآخرة، كما وكان يجدّد أعمال تقديس الزمان والمكان اللذين تندرج فيهما أعمال “المؤمنين”. ونقصد بالمؤمنين هنا تلك الفئة الصغيرة في البداية (ولكن المتعاظمة أكثر فأكثر في ما بعد) من المنتسبين والمتعاطفين الذين ندعوهم اليوم بلغة الأحزاب المعاصرة: بالمناضلين” (الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد. ص63)

إذا كانت تلك سمة المرحلة زمن الرسول حيث كانت الممارسة السياسية تقوم بل تتأسّس على القاعدة الدينية، إلاّ أنّ التاريخ الإسلامي اللاحق مباشرة بعد وفاة الرسول اتخذ منحى مختلفاً كلياً ومعاكًساً لتجربة فترة النبوة. بدأت مرحلة سمتها الأساسية استخدام “الرأسمال الرمزي المتضمن في الخطاب القرآني من أجل تشكيل إسلام رمزي أرثوذكسي وفرضه”. وهو إسلام تكوّن على يد الفقهاء الذين وضعوا لاحقاً ما يعرف “بتشريعات” استندوا فيها إلى تفسيراتهم الخاصة للنص الديني واستنباط الأحكام منه ووضعها موضع التطبيق. وهو أمر ترتّب عليه توظيف النص بشروحاته الجديدة في السلطة السياسية، واستخدامه في تصفية الحاكم لخصومه السياسييّن تحت حجة مخالفتهم للنص الديني. لكن أخطر التحوّلات والانحرافات والتشوّهات الأيديولوجية في الإسلام، هي تلك التي ترافقت مع استخدام النص الديني في الصراعات السياسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع العربي والإسلامي بعد وفاة الرسول مباشرة، حيث جرى تفسير النص من كل فئة بما يخدم مصالحها، واستخراج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تبرر لها أعمالها ومواقفها.

يركّز أركون على قضية خلع القداسة والتعالي على القوانين البشرية السائدة في المجتمعات الإسلامية منذ التاريخ الأول للإسلام ، وهو تقديس لا يزال يتخذ له أحجاما ضخمة من قبل الحركات الأصولية اليوم، ويشكل واحداً من المعضلات الكبرى في تخليص العقل الإسلامي من آثارها السلبية. يشير إلى هذه المسألة في كتابه” الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد” بالقول :”إنّ دراسة مفهومي خلع القداسة والتعالي على قانون ما، أو على مؤسسات الدولة والإدارة، أو على شخص الخليفة ووظيفته هي أساسية وحاسمة إذا ما أردنا أن نقوم اليوم بمقارنة صحيحة لمسألة الإسلام والعلمنة أو الدنيوة. وعندما يتحدثون عن الإسلام، فإنهم يتحدثون فوراً عن مقدّس وعن تعال موجودين في كل مكان، ولا يمكن مسّهما، وجامدين أبدياً. ولكننا نعرف من خلال المقارنة الأنتربولوجية كم هما متغيران ونسبيان وقابلان لأن يتلاعب بهما في مجتمع بشري ما. وقد استخدم الخطاب القرآني نفسه هذين المفهومين كثيراً من أجل نزع القداسة عن الآلهة العربية السابقة على الإسلام، وتطهير المقدّس من كل أنواع الروابط أو الشرك ألتي كان يمارسها الدين الوثني. ولكنّ هذا الدين الوثني لم يختف كليا في أي مكان من الأمكنة بعد انتشار الإسلام، وبالتالي فإنّ عمليات التقديس والتعالي راحت تتكاثر وتتضاعف وتتشعب بمعونة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية هذه المرة. ولهذا السبب نشهد في كل المجتمعات الإسلامية، حتى يومنا هذا، عملية معاكسة لتلك التي كانت قد أدّت إلى تطهير المقدّس وإلى تركيزه على شخص الله في القرآن. ونلحظ اليوم أنّ هذا المقدّس نفسه قد أخذ ينحرف ويتبعثر ويتجسّد في كل الأشياء وكل المنتوجات والأعمال التي تتوسّط بين المؤمنين ذوي المشارب الثقافية والدينية المتنوعة وبين الإلهي.” (ص64).

استنادا إلى هذا المسار الذي بدأ مبكّراً في التاريخ الإسلامي، ترتّب عليه أنّ الإسلام شهد مصادرة لنصوصه ومضامينه، ومعه علماؤه وفقهاؤه من قبل السلطة السياسية منذ عهد الأمويين، وترسخ في العهود اللاحقة على امتداد التاريخ، بحيث بات من الصعوبة بمكان الفصل بين الدين والدولة، وبحيث بات خلع المشروعية الدينية على الحاكم (في الأشكال المختلفة التي اتخذها) إنما يعني خلع القداسة عليه، واعتباره مقدّسا. وهي معضلة ضخمة تواجه اليوم المجتمعات الإسلامية والعقل الإسلامي على السواء.

الأصولية في فكر أركون

تخترق الأصولية، بما هي أيديولوجيا وممارسة في عوامل صعودها وازدهارها، كل كتابات أركون، فيلج إلى دواخلها ويحلّل خطابها. لا ينفصل نشؤ الأصولية عن الكيفية التي يلجأ إليها الفقهاء في قراءة النص الديني وإسباغ أصول إلهية على القانون المسمى “شريعة”. تلجأ الأصولية الإسلامية إلى استخدام معظم المعجم الديني القديم بكل ما يحويه من طقوس ومبادئ دينية من أجل “خلع المشروعية على نشاطاتها السياسية ومعارضتها للأنظمة القائمة.. مما يعني تحويل الدين إلى أيديولوجيا سياسية يفقده روحانيته المتعالية”. تستخدم الأصولية النص القرآني والحديث فتنتزعهما من سياقهما التاريخي وتعتمد اللجوء إلى الإسقاط على الواقع الراهن بما يخدم توجهاتها وأفكارها. وهو أمر ارتبط في التاريخ الإسلامي بنشوء الفرق الإسلامية التي تبلورت خلال الصراعات السياسية والاجتماعية على السلطة، حيث كان كل مذهب أو طائفة يبلور مفاهيم أيديولوجية خاصة به ثم يفرضها على جماعته بوصفها تشكل الحقيقة الدينية المطلقة.

يقدّم أركون في كتابه “الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، نحو تاريخ آخر للفكر الأصولي” قراءة مسهبة لتعيين العوامل الداخلية والخارجية في نشأة الأصولية الإسلامية، وأسباب هيمنة هذا الخطاب واتخاذه أبعاداً ضخمة تمكّنه من تجييش ملايين المسلمين حوله، وخلق مناضلين سياسيين يعملون على نشره وتثقيف الناس به. فبالنسبة إلى العوامل الداخلية، يرى أركون وجوب “أن نذكر أولاً التزايد الديمغرافي أو السكاني الهائل الذي حصل في وقت قصير جداً ووسّع بالتالي من القاعدة السوسيولوجية للأصوليين، أو قل وسّع من القاعدة الشعبية للمخيال الاجتماعي المغذّى من قبل الخطاب القومي للتحرير الوطني والمضاد للاستعمار أولاً، ثم من قبل الخطاب الأصولي الذي تلاه أو حلّ محلّه في السنوات الأخيرة. فهذا الخطاب الأصولي أراد تأسيس الهوية من جديد أو إعادة الاعتبار لها بعد أن خانتها “النخبة” المعلمنة التي حكمت البلاد بعد الاستقلال بحسب زعمه. إنّ سبب تشكيل هذا الجيش الهائل من الأصوليين يعود إلى الطريقة التي استخدمت فيها وسائل الإعلام والمدرسة العامة من قبل الأنظمة العسكرية التي لا تمتلك أيّ ثقافة ديمقراطية…كما ينبغي أن نذكر أيضا اقتلاع الفلاحين والبدو من جذورهم وهجمتهم على المدن لكي يشكّلوا مدن الصفائح فيها أو حولها. فقد تفكّكت أعرافهم وثقافاتهم التقليدية وانحلّت لكي تولّد مخيالاً اجتماعيا شعبوياً جباراً. وهذا المخيال منقطع في آن معاً عن النخبة الحضرية وعن الشهود الأنقياء والحقيقيين على التراث الإسلامي الحريص فقط على طاعة الله “لا حكم إلاّ لله”، والبعيد بالتالي عن كل أنواع السلطات” (ص223-224).

يشدّد أركون على العوامل الخارجية التي يراها عاملاً رئيساً في صعود الأصولية الإسلامية وانتشارها، فيرى “أنّ الحداثة الاقتصادية والتكنولوجية الغربية تمارس ضغطاً مستمراً على كل المجتمعات العربية والإسلامية التي لم يتح لها أن تساهم في تشكيل هذه الحداثة. فهي لم تشارك في أيّ مرحلة من مراحل إنتاجها أو توليدها أو تسييرها. في الواقع إنّ جميع “النخب” السياسية التي استلمت السلطة بعد الاستقلال اهتمّت فوراً بامتلاك أدوات القوّة والجبروت من قوّات عسكرية وأجهزة بوليسية ومخابراتية من أجل السيطرة على كلّ الأرض الوطنية. كما اهتمت باستيراد الصناعة الثقيلة والآلات التكنولوجية. ولكنها لم تهتمّ بالتحديث العقلي أو الفكري الباحث عن المعنى والحرية. وهكذا أدّت هذه السياسة إلى اختلال التوازن بين الحداثة المادية والتكنولوجية من جهة، وبين الحداثة الفكرية والعقلية من جهة أخرى” (ص225).

انجدلت هذه الأسباب بانهيار مشروع التحديث العربي، فتزايدت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وفشلت أنظمة الاستقلال في الجواب عنها، يضاف إلى ذلك الهزائم القومية أمام إسرائيل والاستعمار، وعودة هذا الأخير إلى الاحتلال المباشر للأرض العربية، مما جعل الأصولية الإسلامية تتقدم لملء الفراغ الذي تسبب به فشل سياسات الأنظمة، فقدّم الإسلام السياسي نفسه بوصفه الحلّ والمنقذ والمخلّص للأمة العربية والإسلامية، وقدّم أفكاره التي اختلط فيها الدين بالسياسة في شكل واسع، وتقدّم زعماء الحركات الأصولية بخطاب يعبّر فعلاً عن الآمال الخائبة التي وعدت بها الأنظمة شعوبها، وعن الإحباط الذي أصاب الملايين من المسلمين والمقرون بالقمع والاضطهاد، في وقت تحتاج فيه الملايين من القوى الشابّة إلى أمل بخلاص وفرص عمل وحياة فيها حدّ من الاطمئنان لمستقبلها.. لم يكن ذلك النجاح لانتشار الفكر الأصولي غريبا عن طبيعة التطور الاجتماعي، فالمجتمع يقفل على الفكر الحرّ والنقدي عندما يهيمن عليه الفقر والهموم والأزمات المتعددة، بل ويفتح صدره للفكر الأصولي الموروث وما يحمله من غيبيات وأحلام وخيالات. هكذا تشهد المجتمعات العربية والإسلامية منذ عقود صعوداً لمقولات فكرية – دينية يسعى الخطاب الإسلامي من خلالها السيطرة على الخطابات الأخرى السائدة في الحقول الليبرالية والقومية والاشتراكية، مستخدما قوة التجييش السياسي، “فينغرس هذا الخطاب ضمن البعد الأسطوري للتراث في الوقت الذي يعلمن فيه على غير وعي منه المضامين الدينية لهذا التراث”. وهكذا باتت الحركة الأصولية الإسلامية “تشكّل كمّاً هائلاً من الاحتجاجات والمطالب والتركيبات الأيديولوجية، وأحلام اليقظة الجماعية والهلوسات الفردية التي لا تحيلنا إلى الإسلام كدين أو كتراث فكري، وإنما على مقدرة كل أيديولوجيا كبرى على تحريك المتخيّل الاجتماعي وتغذيته وإشعال لهيبه”.

لكنّ الخطاب الإسلامي الأصولي لم يكتف بالنظرية، بل كانت أهميته تكمن في الانتقال إلى وضعه موضع التطبيق، وهو أمر لا يتحقق من دون استلام السلطة. اقترن الخطاب النظري بوجهة في الممارسة تستلهم فيها النص الديني الاصطفائي والرافض للآخر، مما عنى في كل مكان تمكنت فيه الأصولية من السلطة إتّباع سياسة ديكتاتورية تمارس عبرها إلغاء الحياة السياسية ومنع سائر القوى من الفعل. لكن الأخطر في الممارسة الأصولية يكمن في استخدام النص الديني، لتبرير عنفها المسلّح والأعمال المتطرفة ذات الطابع الإرهابي في عملها. لقد شكلت سورة “التوبة” وغيرها من الآيات القرآنية المحرّضة على العنف والقتل ملهماً لهذه الحركات في سلوكها. ورد في سورة “التوبة” ما يلي: “فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم إنّ الله غفور رحيم” (التوبة:5). وكذلك ما ورد في السورة نفسها من نص يقول :”قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون” (التوبة:29).

يعتمد الخطاب الأصولي القراءة الحرفية الظاهرية لهذه الآيات، الدالّة على العنف وعلى وجوب إخضاع الأمم جميعها إلى الإسلام، في تجييش الشباب وخوض المعارك على أكثر من جبهة. يرفض الأصوليون استخدام المنهج التاريخي الذي استخدمه أركون في قراءة مثل هذه الآيات وكونها نزلت في مرحلة من التاريخ الإسلامي خلال الفتوحات، وهي آيات تقادمها الزمن ولم تعد صالحة لغير عصرها. يصر الأصوليون على قراءة للنص الديني ترى أنه كتلة واحدة لا اجتهاد في النص الذي يصلح لكل زمان ومكان ولكل الأمم على السواء. وهي قضية مفصلية في العقل الإسلامي وإحدى العقبات الأساسية أمام قراءة منفتحة للنص تميّز فيه بين ما هو صالح حقاً لكل زمان ومكان من قيم روحية وإنسانية، وبين ما هو متّصل بمرحلة محدّدة من التاريخ الإسلامي لم يعد لها أي مقومات في عصرنا الراهن.

العلمنة عند أركون

يناقش أركون قضية العلمنة من زوايا مختلفة عمّا درجت عليه أيديولوجيات لم تر في الطرح العلماني سوى قضية فصل الدين عن الدولة من جهة، أو في موقف سلبي من الدين نفسه. قدّم مقاربات للعلمنة منفتحة وبعيدة عن الأدلجة أو الاختزالية، وساجل بقوة المشاريع العلمانية التي جرى تطبيقها في العالم العربي والأوروبي، وبيّن السلبيات التي حوتها، وقدّم بذلك إلى الفكر الإسلامي وجهة متوافقة من منطق نقد العقل الإسلامي وقابلة لأن تساهم في تحرّر المجتمعات العربية والإسلامية إذا ما قُيِّض لها التطبيق.

يحدّد أركون فهمه للعلمنة بأنها “موقف للروح وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أو التوصل إلى الحقيقة..والعلمنة هي شيء آخر أكبر بكثير من التقسيم القانوني للكفاءات بين الذرى المتعددة في المجتمع. إنها أولاً وقبل كل شيء مسألة تخص المعرفة ومسؤولية الروح (أي الروح البشرية، الإنسان). هنا تكمن العلمنة أساساً وتفرض نفسها بشكل متساو وإجباري على الجميع” (العلمنة والدين، ص10). على امتداد طروحاته حول العلمنة، يصرّ أركون على ربطها بقضية الحرية وجعل المفهومين مترابطين، ويشدّد على رفض تحوّل العلمنة إلى أيديولوجيا وظيفتها قولبة الفكر أو الحد من حريته. والعلمانية كما يراها أركون هي أحد تجليات الحداثة في مرحلتها المتقدمة، حيث يتميّز النظام العلماني باحترام الفرد وحرية الضمير، وضمان الحرية الدينية لجميع المواطنين من دون استثناء، إضافة إلى الاعتراف بالتعددية الدينية وبحرية الاعتقاد أو عدمه بما فيها الحق في تغيير الدين. كما أنّ الدولة العلمانية هي دولة حيادية تقف فوق الجميع وتعاملهم على قدم المساواة أمام القانون، لكونهم يمتلكون الحقوق نفسها، وتترتّب عليهم الواجبات ذاتها أيضا. والعلمنة، كذلك، “موقف للروح أمام مشكلة المعرفة: هل يحقّ للإنسان أن يعرف أسرار الكون والمجتمع أم لا يحقّ؟ هل نثق بعقله في استكشاف المجهول وقيادة التاريخ أم لا نثق؟ هل هو قادر بواسطة عقله، وعقله فقط، على فهم الأشياء واتخاذ القرار أم هو غير قادر؟”. يخلص أركون من ذلك إلى تبيان أنّ العلمنة وحدها هي التي تحرص على البعد الروحي الذي يحتاجه الإنسان، وهي بالتالي تضع هذا البعد في مكانه الصحيح وتمنع المتاجرة السياسية به واستغلاله لأهداف سياسية أو غير نزيهة.

في النظرة إلى الأديان

نجمت ضرورة العلمنة لدى أركون من نظرة خاصة إلى الأديان التوحيدية منها أو غير التوحيدية، وهي نظرة ترفض النظريات التي لا تعترف بموقع الدين الاجتماعي والروحي فتصل إلى نفي الدين واقتراح علمانية “صلبة” لا موقع فيها للبعد الروحي الذي يحتاجه الإنسان. يقول في هذا الصدد في كتابه “العلمنة والدين” ما يأتي: “فالدين، أو الأديان، في مجتمع ما هي عبارة عن جذور. ولا ينبغي علينا هنا أن نفرّق بين أديان الوثنية وأديان الوحي. فهذا التفريق أو التمييز هو عبارة عن مقولة تيولوجية تعسّفية تفرض شبكتها الإدراكية أو رؤيتها علينا بشكل ثنوي. إنّ النظرة العلمانية تعلن بأنها تذهب إلى أعماق الأشياء، إلى الجذور من أجل تشكيل رؤيا أكثر صحة وعدلاً ودقة. ففيما وراء التحديدات التيولوجية، نجد أنّ كلّ الأديان قد قدّمت للإنسان ليس فقط التفسيرات والإيضاحات، وإنما أيضا الأجوبة العلمية القابلة للتطبيق والاستخدام مباشرة في ما يخص علاقتنا بالوجود والآخرين والمحيط الفيزيائي الذي يلفّنا، بل وحتى الكون كله، وفي ما وراءه الدعوة “فوق طبيعة” أو خارقة للطبيعة، أي تلك التي تتجاوز الطبيعة المحسوسة والقابلة للملاحظة والعيان.” (ص23)

ويستكمل أركون نظرته لموقع الدين بالقول “إنه عندما نجسّد الحقائق فينا بالمعنى الحرفي لكلمة التجسيد، أي عندما نصهرها في أجسادنا، فإنها تصبح مرتبطة كليا ونهائيا بكينونتنا العميقة. وتصبح بالتالي مرتبطة بشبكة الإدراك التي سوف تتحكّم منذ الآن فصاعداً بكل وجودنا وسلوكنا. على هذا المستوى العميق والجذري ينبغي أن نحاول فهم بنية الساحة الدينية والطريقة التي تمارس عليها دورها في المجتمعات البشرية المختلفة. وبهذا المعنى فإنّ كل ما ندعوه بالأديان (أي كل الأديان دون استثناء) ليست إلاّ عبارة عن أنماط للصياغات الطقسية والشعائرية التي تساعد على دمج الحقائق الأساسية وصهرها في أجسادنا، هذه الحقائق التي سوف تتحكم بوجودنا كله”.(ص24).

نقد العلمانية “الأصولية”

يوجّه أركون سهام النقد إلى المتطرفين علمانيا الذين يعتقدون بانتهاء دور الدين بعد ما شهد العالم تطوراً علمياً استثنائيا أمكن له الكشف عن الكثير من الغيبيات التي كانت تشكّل مبرراً للنص الديني. يميّز في هذا الصدد بين العلمانية التي طبّقت في أوروبا خصوصا منها الفرنسية، والتي ترافقت مع نضال طويل ضد السلطة الكنسية وهيمنتها على العقل الغربي، وبين علمانيات أخرى عرفتها مجتمعات عربية أو غربية. يشير إلى أنّ العلمانية الفرنسية تتيح لرجال الدين الاستقلال بشؤونهم العقائدية والروحية، بل تجعلهم ينصرفون إلى تعميق البحث وتطوير المفاهيم الخاصة بهذا الجانب بعيداً عن إغراقها في الأمور السياسية، ودون أن يخشوا أيضا من تدخّل السلطة السياسية في شؤونهم. في موازاة ذلك، يناقش أركون ما يسميه “العلمانوية المناضلة” التي تسعى جاهدة لإبعاد الدين عن الحياة العامّة، وترفض الاعتراف بموقع الوحي ومدى التأثير الذي يتركه على “المسار التاريخي للشعوب والثقافات والنفسيات وأنظمة الفكر”.

يتطرّق أركون إلى التجربة العلمانية في تركيا، التي قادها مصطفى كمال في الربع الأول من القرن العشرين، ويعتبرها التجربة الوحيدة “للعلمنة الجذرية في الإسلام”. فهذه العلمنة اتّخذت منحى معادياً للتقاليد السائدة، وسعت إلى إلغائها بشكل عنيف، وهي بهذا المعنى كانت موقفا أيديولوجياً مغلقاً يشابه موقف رجال الدين والكنيسة في أوروبا. سعت علمانية أتاتورك إلى الهيمنة على الدين ووضعه تحت سلطتها، وهو أمر مناقض للمبدأ العلماني القائل بفصل المجال الديني عن المجال السياسي، ولكونها فرضت على الشعب “من فوق”، وبسبب طابعها المستورد من الخارج، ولكونها لم تأت نتيجة حركة تنوير فكري في المجتمع الإسلامي التركي كما حصل لأوروبا، لكل ذلك لم تحظ هذه العلمانية بالتأييد الجماهيري وظلّت عملية خارجية. لذلك يمكن وصف العلمنة التركية بأنها “نضالية وجدالية أكثر مما هي منفتحة ومرنة”، وبهذا المعنى هي خطرة من الناحية العقلية والثقافية، لأنها لا تأخذ في الاعتبار “البعد الديني للمجتمع التركي، ولا التعدّدية العرقية والطائفية للمجتمع المدني التركي”. وهو ما يفسّر هذه العودة للصحوة الدينية في تركيا راهناً ووصول القوى الإسلامية فيها إلى السلطة بعد أن تمكّنت من الحصول على الغالبية البرلمانية التي تعكس فعليا غلبة شعبية للاتجاهات الإسلامية في تركيا.

هل الإسلام مغلق على العلمانية؟

يستدعي السؤال ما هو أعمق ويتصل بقضية أعمّ: هل يستعصي الإسلام على الحداثة؟ لأنّ العلمانية في تطورها التاريخي إنما كانت الابنة الشرعية للحداثة في أوروبا، بما هي مرحلة من التطوّر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحروب الدينية والصراعات بين الكنيسة والسلطة، ناهيك عن الفكر الفلسفي المستند أساساً إلى العقل الذي تولّد خلال عصر الأنوار.. كلها أنتجت العلمنة بما هي فصل للدين عن الدولة وتحرير الإنسان من سلطة الإله والغيبيات، إضافة إلى تحقيق الديمقراطية وسيادة القانون. يؤرّق السؤال أركون ويسعى إلى الإجابة عنه مستحضراً التاريخ الإسلامي القديم والحديث، ساعياً إلى رؤية الجانب الإيجابي وموضّحاً العوائق الرئيسة في هذا المجال.

في كتابه “الإسلام والعلمنة”، يقول أركون: “إنّ الإسلام بحدّ ذاته ليس مغلقاً في وجه الع

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This