غيمة الشعر الوردية: القصيدة تزهر بأقلام الأطفال

(هناك كلب وقطة صديقان

الكلب أخرس

فأخذت القطة تنبح عنه).

هكذا ستتجلّى الصداقة، شعرياً، كما تراها سها كمال الدين (12 سنة) وهي إحدى الطفلات المشاركات في كتاب: (غيمة الشعر الوردية- كتابات بأقلام الأطفال) الصادر مؤخّراً عن جمعية قوس قزح لطفولة أفضل ومكتبة الأطفال العمومية في اللاذقية/ سورية.

والكتاب هذا، المتميّز بأسبقيته، يجمع عدداً من القصائد المنتخبة التي كتبها أطفال سوريون ضمن ورشة عمل: شعراء صغار، والتي يشرف عليها الفنان السوري: عصام حسن منذ فترة طويلة. يبدو أنّ تلك القصائد المثيرة للإستغراب والإعجاب، كونها من إبداع أطفال تتراوح أعمارهم بين 8- 13 سنة، تظهر وجهات نظر الصغار في الحياة كافة، من أكثر المواضيع التصاقاً باليوميّ، كالطعام والنقود، إلى أكثر المواضيع ميتافيزيقية واتساعاً، كالله والموت، وفي كلتا الحالتين لم تتأثّر اللغة لا بيومية الفكرة ولا بذهنيتها، فقد كانت على الدوام لغة تفاجئ القارئ (بشعريتها) وتكثيفها وصدقها، وبتلك الشحنة الطاغية من المفاجأة التي لا تكاد تخلو قصيدة منها.

سيبدو واضحاً، وبقراءة متأنّية، تفاوت تمثّل كلّ من الشعراء للفكرة الفنية، أو لنقل تفاوت انعتاق كلّ منهم عن الآخر وفي كلّ موضوع عن الآخر، ذلك أنّ ثمّة أبوابا حرّة معنونة مثل: حذائي أو النقود أو الصداقة أو اللعبة، وهذه الأبواب أبدع فيها الصغار حقاً وحلّقوا في تجريبهم، ربّما لأنها مواضيع خارجة عن إطار التابويات، وليس بالضرورة أن تكون ثمّة أفكارٌ مسبقة حشيت في رؤوسهم سلفاً قبل التفكير في الكتابة عنها. فتقول إيمار كوسا (10 سنوات) وهي تتحدّث عن الألم:

(لا أحبّ الألم

فهو على شكل

كرة سوداء)

بعض القصائد الأخرى التي اندرجت ضمن أبواب لها تيمة شبه منجزة، أو لنقل إنّها تندرج ضمن الأفكار الكبرى أو التيمات والرموز، مثل الكتابة عن فكرة الله أو الموت أو الأمّ، فيبدو واضحاً في الكثير منها، ورغم جمال اللغة، خضوع الأطفال لمجموعة من القيم والقيود الفنية، خصوصاً فيما يتعلق بفكرة الله التي لم يحطّم أيّ من المشاركين في الكتاب (تحطيماً طفولياً) المفهوم السائد عنه، رغم أنّ نورس شعباني (13 سنة) مثلاً رأى أنّ الله خالق كلّ شيء، خالق المعلّمات وخالق الدكاترة، إلا أنّ هذه اللفتة الذكية ختمت بـ: (أرى وجهه في كلّ شجرة معطاءة!!). والحديث عن الأمّ تراوح بين كونها الأمان المطلق وبين الحبّ الشديد لها رغم العنف الذي تمارسه على أبنائها. وهناك من يرى، حتى حين يتحدّث عن حديقة الحيوانات مثلاً، أنّ الحيوانات تتألّم في سجنها في الحديقة كما يتعذّب “الكفّار” في نار جهنّم، فلا يذهب إلى هناك ثانية. فيما تستطيع سها كمال الدين أن تقول: “أخي غبيّ جدّاً، لكنّني أحبّه”.

الفروقات الفردية هذه، التي تحدّثت عنها آنفاً، الجميلة والمميّزة للمجموعة هذه، تجعل بعض الأطفال يجنحون إلى جعل القصيدة ميداناً للعب الخيال، والحياة عندهم تغدو عبارة عن حلم سوريالي مذهل تتحرك فيه الأشياء والأشخاص خارج المنطق (التقليدي) والواقعي للأمور، لكنها ليست جنوحاً مجانياً للخيال، يخيّل إليّ أنّها أحلام مفكّر بها، بناء لأحداث خيالية سبق أن أسّست لها أرضية ذاتية خيالية، فيقول أحمد ناصر (9 سنوات) عن الطعام:

(ذات يوم

طبخت أمي معكرونة

فوصلتها مع بعضها

وذهبت لأتسلّق الجبال)

فيما تتحدّث ليليان جناد (9 سنوات) عن لعبتها فتقول:

(لديّ لعبة

شكلها سمكة

أحضرت لها حوضاً

أخذت تسبح فيه

مثل المجنونة!)

الكثير من القصائد الموجودة في هذا الكتاب الممتع تحاول أن تجعل من الحياة كوميديا، تحاول أن تلتقط أكثر المواضيع جدية، كالموت مثلاً، بنظرة ساخرة مقللة ومفككة لذلك الثقل الذي تكتنفه. هناك قصائد تجنح إلى الإضحاك حتى لو كان الموضوع مبكياً، وقصائد تجنح للسخرية الذكية، وقصائد تجعل من الحدث مجرّد فكاهة ولكنها فكاهة عميقة. هناك من ضرب الموت فهرب منه ولم يعد، أما حيدر دعبول (10 سنوات) فنظر إلى الأزرار على هذه الشاكلة:

(اشترت أمي لي قميصاً

عليه أزرار

على شكل خضار

فوضعتها في الطنجرة)

بالمقابل هناك من يجنح من الشعراء الصغار إلى جعل الموضوع يتّسم بثقل معرفيّ أو وجدانيّ أو فنّي ما، وذلك ضمن لعبة التنوّع الجميل في الكتاب، وهذا النمط من الكتابة يحاول أن يبحث عن أبعاد أخرى للمواضيع نفسها، أن يغوص أكثر في تفكيكها، ليس بقصدية بالضرورة ولكنه نمط شخصيات ونمط كتابة على ما أعتقد. فالطفلة كريستينا بيطار (11 سنة) تقول مثلاً عن الصداقة:

(صديقي أصبح في ورقة

وأنا أبحث عنه

جبت بلاد العالم

لكنني لم أجده

ما نفع الاختباء؟

فللعالم نهاية.)

هؤلاء يجعلون من الموضوع درامياً، يجنح إلى التراجيدية في النهاية، حتى لو كان بعيداً عن ذلك، أو حتى لو شعرنا به (نحن الكبار)، وبحركة غاية في التبجّح، بعيداً عن ذلك. بسام يعقوب (13 سنة) مثلاً حلم بأنّه مات بحادث فاستيقظ وحفر لنفسه حفرة في الحديقة. وديالا الحاج بكري (11 سنة) نظرت بحسرة إلى خصلات شعرها المقصوصة ووضعتها في علبة ثم دفنتها وراحت تبكي عليها. هذه التراجيدية تجعلنا نحسّ أنّ الأطفال لا ينتمون إلى عالم ورديّ كما نتصوّر، وليسوا بخارجين عن نظام حياتنا الرماديّ المعتم، فورد حسن (11 سنة) يشعر بألم أحمق، بشعور حرق في عروقه من منظر دم نازف، وعباس يوسف (8 سنوات) يكتب:

(حلمت أنني نملة فدعسني الإنسان

حلمت أني زرافة فأكلني الذئب

حلمت أنني ملاّح فغرقت السفينة

حلمت أنني أتزلّج فحدث انهيار ثلجيّ)

ويبدو أنّ الأطفال الخاضعين لأنظمة قمعية معنفة وكثيرة حولنا راحوا ينتجون العنف بشكل ما، ويخضعون له بالتالي كمتوالية طبيعية. هناك من يريد أن يسمّم النمل، وهناك من يجابه بالصراخ والضرب، وهناك من يتوقّع ردود الفعل العنيفة قبل وقوعها. فيبدو واضحاً في بعض قصائد الكتاب، كما قلت آنفاً بمعنى ما، التأثيرات التلقينية والتعليمية الممارسة قبلاً على الأطفال، وذلك يتبدّى في بعض القصائد كمواعظ، وفي بعضها الآخر كخضوع للسيطرة الدينية أو الاجتماعية الأسرية وما إلى ذلك، فيما تتخلّص كثير من القصائد الأخرى من هذه التأثيرات بلفتات ذكية لماحة مثيرة للإعجاب والاستغراب، ومثيرة بالتالي للأسئلة.

كما نوّه عصام حسن في بداية الكتاب فإنّه لم يتدخّل نهائياً في قصائد الأطفال بل صحّحها نحوياً فحسب، حتى أنّ (المقدّمات)، وليس المقدمة، كتبت بأقلامهم وأقلامهنّ، وزيّنت الصفحات بلوحاتهم ولوحاتهنّ التي أبدعت في ورشة الرسم التابعة للمشروع نفسه. هذا الكتاب الذي يعد سبّاقاً في تدوين إبداعات الصغار في سورية سيكون فاتحة برأيي لتدوينات جديدة مختلفة في كافة الفنون وتنوعاتها، وكما كتبت الطفلة ديالا حاج بكري في كلمة النهاية: (من أحلامنا وحياتنا صنعنا هذا الكتاب، استوحينا كلامه من خيالنا الواسع… بقراءته ستقرأ أحلامنا وأفكارنا المليئة بالأمل والحبّ والتعاون).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This