الأحلام ورموزها في كتابات الدُّكتور علي زيعور
تمثّل الأحلام الَّتي يراها النَّائم ظاهرة بشريَّة طبيعيَّة عرفها الإنسان منذ ظهوره على سطح الأرض. شكّلت مادّة لتفسيرات وتأويلات مختلفة في كلّ عصر من العصور، وارتبط تأويلها بدرجة تطوّر المعرفة في كلّ عصر. ما يتوافق عليه الدَّارسون للحلم أنَّه في الغالب يأتي لإشباع الرَّغبات المكبوتة المتنوّعة والمتعدّدة للإنسان، والَّتي يعجز أحيانا كثيرة عن تحقيقها في العصور الحديثة. وخصوصا منذ القرن التَّاسع عشر، ومع تطوّر العلوم على مختلف مستوياتها والإنسانيّة منها بالتَّحديد، ظهرت مدارس في علم النّفس احتلَّ الحلم وتأويله موقعا مهمًّا في دراساتها. قبل أن يصبح الحلم ظاهرة تخضع للتَّحليل العلميّ، كان مسرحًا لتفسيرات غيبيّة وخرافيَّة، اختلط فيها التّفسير الدّينيُّ بالموروث الشَّعبيّ في كلّ مكان من العالم البعيد إلى العالم القريب. جرى استغلال تفسير الأحلام من قبل رجال الدّين الَّذين أبدعوا في اختراع التَّفسيرات للأحلام، وهي تفسيرات لا تمتُّ إلى المعرفة أو الحقيقة بصلة. كما أنتجت التَّفسيرات على يد مشعوذين نظريات في الأحلام كانت تساهم في إرضاء رغبات صاحب الحلم، بحيث تحوّل تفسير الحلم هنا وهناك إلى تجارة عرف المشعوذون وبعض رجال الدّين كيفيَّة استغلالها بمهارة.
أدَّى تطوّر البحوث في ميدان علم النَّفس إلى وضع نظريات في تفسير الحلم، لعلَّ أبرزها ما أتى به فرويد في كتابه “تفسير الأحلام” الَّذي سعى فيه إلى تأويل دلالات الأحلام ورموزها، واشتهر بمقولاته الَّتي تركز على كون النَّاس يحلمون بالأشياء الَّتي يريدونها والَّتي لا يمكنهم الحصول عليها، خصوصا منها المتعلّقة بالرَّغبات الجنسيَّة أو الحالات العدائيَّة. وشدَّد على اعتبار أنَّ الأحلام هي أحد العناصر في كشف ما هو مستور في وعينا وعقلنا الباطنيّ. وخلال القرن العشرين ازدهرت مدارس التَّحليل النَّفسيّ في الغرب، وتجاوز العديد منها مدرسة فرويد، بحيث بات التَّحليل النَّفسيّ للحلم مادَّة تخضع لمقاييس علميَّة. في عالمنا العربيّ، ومنذ النّصف الثَّاني من القرن العشرين، دخل علم النَّفس إلى ميدان العلوم الإنسانيَّة، وبات مادَّة دراسيَّة في الجامعات، واقتحمت حقوله مختلف ميادين الحياة، وتكوَّنت مدارس حوله وصدرت كتابات متعدّدة، بحيث لم يعد علم النَّفس والتَّحليل النَّفسيّ ميدانًا غربيًا، بل بات له مقابله العربيّ. لعلَّ “المدرسة العربيَّة في التَّحليل النَّفسيّ للأحلام واللاَّوعي” كانت المتقدّمة في دفع هذا الفرع من العلوم الإنسانيَّة خطوات متقدّمة خلال العقود الأخيرة. لم تقفل هذه المدرسة على نفسها داخل سياجات أو عبر التمترس وراء دوغميات، “ولم تتشرنق داخل تفسير فرويديّ معروف أو اشتهر كثيرًا. فمدرستنا وضعت ما لايقلُّ عن أربعة كتب تراثيَّة بل ودراسات معاصرة في علم الأحلام، وبالتَّالي في تفسير وفهم وتأويل الفنّ والأدب، والكرامة كما الرُّؤية الصُّوفيَّة، والمقدَّس والرَّمز والمختلفة وما يرادف ذلك من قطاعات اللاَّوعي الثَّقافي الأخرى المتداخلة” (علي زيعور، الأريكة العربية في التَّحليل النَّفسي وفضاؤها النَّفسيُّ والفلسفيُّ والاجتماعيُّ، ص 262). وفي شرحه لأهميَّة الحلم في الوعي، يقول زيعور: “أدَّى تأسيس الحلميات إلى ثورة في معرفة الإنسان بنفسه، وبالتَّالي إلى ثورة في إدراك ما لمشكلات الإنسان وأسئلته، ولتعيين طبيعة ووظائف الوعيّ نفسه، وحدود الإرادة والحريَّة والمسؤوليَّة… الحلم يكشف الأعماق والمظلم، المنسيَّ والمحمول، الصَّدميَّ والطفليَّ والجنسيَّ، وهو منظّف، مطهّر” (ص 262).
أمَّا المنهج الَّذي اعتمدته المدرسة العربيَّة فقد تحدَّد في كونها “رفضت في إعادة الإدراك والتَّعضية للفكر والمنهجيات والتَّغيير، إرادة الانتاج والمحاكمة أو التَّفسير والفهم والتَّأويل المنطلقة من سندية قوامها مثل أو حكمة شعبيَّة. إنَّ توظيف مثل لتوضيح ظاهرة نفسيَّة، أو مقولة راهنة، هو توظيف اعتماديٌّ إتكاليٌّ، يكل الأمر إلى الموروث والمخزون والجاهز” (ص263).
في كتابه “الأحلام والرُّموز، أداة كشف وعلاج نفسيّ في مجالات الشَّخصيَّة والاضطرابات النَّفسيَّة والفكر”، يغوص علي زيعور عميقًا في علم تفسير الأحلام وعلم الرَّمز وعلم المتخيّل وعلم التَّأويل، كما يتناول رموز الأشياء السّياسيَّة والاقتصاديَّة المستخرجة من ميادين الخيال والحلم والتَّأويل والبلاغة، ويتطرَّق إلى التَّحليل النَّفسيّ للأحلام أو تعقبّها العياديّ في الشَّخصيَّة والنَّص، وفي الفكر والمجتمع، وصولا إلى تعيين حضور الحلميّ في الفلسفيّ والإبداعيّ واللُّغويّ. في تعريفه للمنهج الَّذي استخدمه في هذا المجال يقول: “في علم تفسير الحلم، كما في الأسطوريات وما إلى ذلك من العلوم، تكون التَّأرخة ضروريَّة ولا بدّيَّة من أجل إنارة الماضي والإنسان، العقل والتَّفسير أو الفهم، التَّكذيب والتَّصويب، كشف العقبات والزَّيف وإظهار التَّطور والتَّقدم…كما يكون ضروريًّا ولا بديًّا، من جهة أخرى، الاستنارة بحصائل فلاسفة العلم المعاصرين. فتعدُّد المناهج، وعدم تقديس وأسطرة علم أو منهج، وفتح السُّدود بين المناهج أو بين فروع المعرفة، أمر نتعلَّمه من فلسفة العلم المعاصرة كي تتحقَّق السَّيطرة على المسار، وتتدَّعم المردوديَّة والتَّأدية الأسرع والأدقّ والأتمّ…إنَّ وحدة العلوم، وأنسنة العلم هدف استراتيجيٌّ للإنسان والعقل، وهدف يقود التَّفكير المحض، والممارسات التَّطبيقيَّة” (ص17).
عندما نتحدَّث عن أهميَّة الرُّموز فإنَّما نتحدَّث عن أهميَّة اللُّغة. وإذا كان علم الرُّموز قد عرف تطوُّرًا وأشبع بحثا في الفكر الغربيّ، إلاَّ أنَّه لا يزال شبه مجهول في الثَّقافة العربيَّة، ويفتقد إلى أن يكون فرعًا اختصاصيًّا، بل إنَّ الباحثين ينفرون من الدُّخول في عالمه، على رغم الحاجة إلى هذا العلم خصوصا للمجتمعات السَّائرة في طريق النُّموّ مثل مجتمعاتنا العربيَّة، بالنَّظر إلى أنَّه يساعد على معرفة الإنسان بخواصه المستقلّة وبإدراك مكنونات البنى الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة. فـ“ميدان علم الرُّموز العام شائك، تصبُّ فيه روافد متنوّعة، وتتقاطع فيه علوم كثيرة. ثمَّ إنَّه علم محتاج لميادين كثيرة كي يكون نفسه ويستقلّ، وينظّم ذاته كعلم يشرب من علم النَّفس، والتَّحليلنفس، والإناسة، وعلم التَّأويل، واللّسانية، وتاريخ الأديان، وتاريخ الفنّ والأدب، وعلم المتخيّل… ذاك ما يجعل صعبا الدراسة المنهجيَّة للرَّمز، ذاك إنَّ مناهج علم الرَّمز ما تزال بحاجة للصّقل كي تستطيع القيام المقبول بالمقاربة والتَّفسير والمقارنة” (ص38).
تسعى “المدرسة العربيَّة الإسلاميَّة التَّأسيسيَّة في الحلميات” إلى إنتاج مفاهيم وقواعد لقراءة الحلميات، من خلال دراسة التراث العربيّ والإسلاميّ في هذا المجال وكيفيَّة تعاطيه مع هذه القضايا. إذا كانت المفاهيم حول الأحلام ورموزها يطغى عليها الأسطرة والخرافة في كثير من الأحيان، فإنَّ استخدام المنهج العقلانيّ في الدّراسة والتَّحليل لا يمكنه أن يزيح الأسطورة بشكل نهائيّ، بمقدار ما يتمُّ السَّعي إلى التَّدقيق والفحص وإزالة غير المعقول منها. “لذلك نتغذَّى اليوم، في فهمنا للتَّأسيسيّ والتَّجربة التَّاريخيَّة كما في تصوُّراتنا عن الحاضر والمستقبل، بقراءتنا لما هو وعينا الثَّقافيّ، ولا وعينا، وذاكرتنا الجماعيَّة، وخيالنا الجماعيّ، ومخيلتنا الجماعيَّة. وميدان تفسير الحلم مهيأة وإتاحة لبناء العقل الممحّص، والمرمزة ذات خصائص المعاصرة، والإيمان الواسع المعنى والمدى، والمخيال الخلاَّق أو قوانين عمله وطبيعته، والتَّفسير للإبداع والإلهام وما ماثلهما وقيس عليهما..” (ص49).
يستند قطاع الحلميات على علوم الرَّمز والتَّأويل والمتخيّل، وتكون دراسة الحلم مستحقّة اسمها إذا أقامت للحلم ميدانا متميّزًا يمتدُّ من تاريخ الفكر، بعيدًا عن التَّنبوء والغيبيات، والتَّخمين والظُّنون، ممَّا يعني أنَّ الحلميات علم يحلّل أكثر ممَّا يتأمّل، كما أنَّ الحلم يخضع للقوانين والسّببيَّة. الثَّابت علميًّا اليوم أنَّ النَّائم ليس في حالة موت خلال نومه، وأنَّ الحلم الَّذي يراه يتأثَّر بجملة شروط وبالعالم الخارجيّ المحيط به، وكذلك بحوادث أو ذكريات جرت في الطُّفولة أو عشية الحلم. أمَّا الوظيفة الَّتي يمكن أن يؤدّيها الحلم فيمكن أن تذهب إلى معرفة الوعيّ واللاَّوعي عند السَّويّ والعصابيّ على السَّواء. كما “إنَّ الحلم عند الكثرة الملحوظة موجه نحو الماضي، في حين أنَّ نسبة غير قليلة من الأحلام تنصب على المشكلات الرَّاهنة للشَّخصيَّة. أمَّا أحلام الَّذين ادعوا أنَّها عرّفتهم بالمستقبل، فهي أقلُّ تكرارًا وتردُّدًا. فالَّذين أكَّدوا أنَّ أحلامهم تصدق في الواقع، قبل حدوثه، كانوا نسبة قليلة” (ص56). إذًا تبدو وظائف الحلم المعرفيَّة والتَّشخيصيَّة مرتبطة بالماضي والحاضر والمستقبل على السَّواء، كما ترتبط بالبيولوجيّ والتَّاريخيّ والنَّفسيّ والاجتماعيّ والدّماغيّ في الإنسان. وفي الحلم تتساقط الحدود بين الزَّمان والمكان، بحيث يمكن القول أنَّ الحلم نتاج نفسيٌّ واجتماعيٌّ يساعد في الكشف على ما هو بيولوجيّ جسديّ ونفسيّ وعقليّ، وتاريخيّ.
إضافة إلى ما جرت الإشارة إليه من وظائف للحلم، فهو بات أداة مركزيَّة في استكشاف اللاَّوعيّ وتفحصه والغور إلى أعماقه. يشير زيعور في هذا المجال إلى أنَّ “معرفة اللاَّوعيّ الفرديّ عن طريق الحلم، والعكس أي معرفة الحلم عن طريق تفحُّص اللاَّوعي، منهج يتحيَّن أيضًا على الصَّعيد العامّ أي منهج مثمر في النَّشاط الفكريّ الهادف إلى تحليل الفكر نفسه، والعقل، والثَّقافة، والمجتمع، والنحن التَّاريخيَّة، والأيديولوجيا، والإدراك، وسيكولوجيَّة الشَّهادة، والتَّأرخة، والسّيرة الذَّاتيَّة أو السّيرة بعامَّة، والنَّص، والأسطورة، والطُّقوس، والأعراف” (ص60). قد يكشف الحلم الكثير من خفايا الشَّخصيَّة، فيظهر ميوله الإجراميَّة، ولا تسامحه، والنَّوايا الاغتصابيَّة، وكلّ مظاهر الإنحراف والوحشيَّة. كما أنَّ الحلم يشكّل اليوم في قطاع التَّحليل النَّفسي وسيلة إلى تشخيص الهيستيريا ومعرفة الاضطراب العصبيّ والعقليّ، كما يساهم في توفير الصّحة النَّفسيَّة للفرد، كشفًا وعلاجًا، كما أنَّه يتيح إخراج ما هو مكبوت في لاوعينا، وهو بهذا المعنى يساعد على التَّطهر الذَّاتي وتخفيف القلق الدَّاخليّ.
يعتبر تفسير الحلم من الأمور الأساسيَّة في وعي الرُّموز الَّتي يكون الحلم قد أشار إليها، وتختلف مدارس علم النَّفس في كيفيَّة التَّفسير، وقد نشأت نظريات مختلفة في هذا المجال، بعضها متناقض مع الآخر. يشير زيعور إلى بعض هذه النّظريات حيث يقول :“إنَّ التَّفسير بالرُّموز الجنسيَّة، كما التَّفسير بمباديء أخلاقيَّة أو بقاموس من المفاتيح والشّيفرات ثمَّ من الفضائل ومن المشبّه به، هو تفسير فقير وسكونيّ وخطر، كما هو يعجز عن التقاط الدَّقائق والمستور والظّلي. بدا ذلك عند فرويد الَّذي وقع في شيء من هذا القسر والحصر والقصور والوثوقيّ، ويقع أيضًا في شباك هذه الدّوغمائيَّة – المتميّزة بالتَّفكير القطعيّ والتَّعميم والإطلاقيّ – التَّفسير الأيديولوجيّ التّخليقيّ المخلقن، المهذَّب، الصُّوفي المروحن” (ص199). في المقابل يؤكّد زيعور أنَّه ليس كلّ حلم قابلاً للتَّفسير، كما أنَّه ليس ما في الحلم الواحد صعب التَّفسير، أو عصيًّا على الشَّرح. بل إنَّ الأجدى التنبّه إلى أنَّه لا جدوى من تفسير كلّ حلم. “إنَّ تفسير الحلم يجب أن يكون واقعيًّا، وخاصًا بإنسان معيّن في أوضاع وشروط معيّنة، كما يكون التَّفسير متغذّيًّا بتعليق الحالم على حلمه، وبملاحظة الرَّاوي أثناء قصّه للمنام: فهنا قد يكون مجديا مراقبة الحركات، والتَّعليقات، والتَّفسير الذَّاتي للحلم وشخصيَّة الحالم..ومن المجزي، بعد أيضًا، أن يكون التَّفسير منتوج علائقيَّة ثقة وتفاهم بين صاحب الحلم والمعالج، وداخل فضاء إيجابيّ مريح وغير قاهر” (ص215).
هل يمكن أن تكون هناك علاقة بين الحلم وتفسيره وبين العقل والتَّحليل العقلانيّ للأحلام؟ سؤال جابهته نظريات علم النّفس ولا يزال موضع جدال ونقاش متفاوت المستويات. فالبعض يرى أنَّ تفسير الحلم أو التَّفكير به يوازي عمل العقل في تحليل الفصام وغيره من الأمراض الذّهنيَّة والعصبيَّة وغيرها من الأمراض النَّفسيَّة. “فالحلم، والمنتوجات المخياليَّة المماثلة له، عالم سداه ولحمته اللاَّمعنى واللاَّفكر، اللاَّمنطق والإحتيال، الجنون أو الهذيان والهلوسيّ واللاَّسببيَّ، الغريزيَّ والرَّغبيَّ والنَّزويَّ، الاعتباطبيَّ والتَّخيُّليَّ والوهميَّ”( ص252) على ما يشير زيعور. هكذا يعود العقل إلى دراسة الحلم بعد أن كان الحلم ظاهرة غير جديرة بالدّراسة العقليّة. سابقا احتقر العلم ومعه الفلسفة الخيال والأسطورة وشتَّى قطاعات التَّفكير الإناسيّ. في العقود الأخيرة، عاد العقل ليحتضن مفاهيم الخيال والأسطورة انطلاقًا من التزام “وحدة الإنسان، ووحدة القوى النَّفسيَّة، ووحدة الوعي والسُّلوك، وترابط الأنا والحقل، والتَّفاعل بين التَّاريخيّ والبيولوجيّ والاجتماعيّ”، وهذا ما أعاد الاعتبار إلى الحلم في وصفه واحدًا من هذه المكوّنات وعنصرًا في قراءة شخصيَّة الإنسان وتفاعلاته النَّفسيَّة إضافة إلى كونه عنصرًا في كشف الرَّغبات المقموعة أو الكامنة، لأنَّ الحلم يسقط القيود الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة، بما يجعل الإنسان فاقدًا للحدود ومنفلتًا إلاَّ من ذاته.
تختلط القضايا السّيكولوجيَّة في كتابات زيعور وتتداخل مع بعضها البعض، لأنَّه يرى ترابطًا بين الحالات وصعوبة في تفسير حلم أو خرافة أو أسطورة بصفتها قضيَّة منفصلة عن مكوّنات الشَّخصيَّة وتاريخ تطوّرها، لذلك تبدو الكتابات غنيّة بالأمثلة والشَّواهد النَّاجم بعضها من دراسة النَّظريات، وبعضها الآخر من المعاينات الشَّخصيَّة ومن طرائق العلاج الَّتي كان الكاتب يمارسها. ففي كتابه “التَّحليل النَّفسي للخرافة والمتخيّل والمقدَّس والرَّمز” يمكن أن نقع على معظم آرائه في ميدان التَّحليل النَّفسي، وكذلك في مساهمة المدرسة العربيَّة في هذا المجال. يرى أنَّ “حيل الحلم أو الخرافة وحيل الضَّمير الأخلاقيّ والوعيّ واللاَّوعي” بمثابة أواليات لتحقيق الرَّغبة أو الهدف، على نحو ناقص وسلبيّ، وذلك بغية الدّفاع عن الذَّات، واستعادة الاستقرار النَّفسيّ والاجتماعيّ، وتحقيق التَّوازن مع العقل. يقول زيعور في هذا الصَّدد :“التَّفكير الخرافيُّ في التَّأرخة وصياغة الحلم والأمنيّة تفكير أنانيٌّ ومراوغ، محتال ومخاتل، والتقاطه، أو التقاطه الدّفاعيّ، في التَّاريخيّ، وفي الشَّهادة لأمر مَّا، كشف لما هو مطمور أو هاجع، لا واع أو غير متمايز. ولا غرو، ففي إعادة الرّواية، أو في الظَّاهرة اللاَّواعية، تعمل كلُّ الأواليات الدّفاعيَّة. والمراد هو أنَّنا ننزلق من الحلميّ إلى التَّاريخي. فتأرخة الحوادث، أو روايتها شفهيًّا، تمتصُّ الكثير ممَّا هو يرتدُّ إلى الحلم اليقظويّ والمنام، والأسطورة، واللاَّعقليّ، والأيديولوجيّ، والمرغوب والمشوَّه أو اللاَّواضح والإسقاطيّ”(ص132). لكن هذا “الطُّفليَّ والحلميَّ والخرافيَّ” يضرب بجذوره في الأيديولوجيات المعاصرة، ويتغلغل في المشاريع القوميَّة الَّتي تذهب إلى تأليه النحن أو نرجسة الانتماءات والذَّات والتَّاريخ . ويتجلَّى ذلك في الدَّولة الشُّموليَّة والكليانيَّة السَّائدة، كما في الذّهنيَّة الَّتي تتحكَّم في الطَّوائف والمجتمعات الطَّائفيَّة ، حيث “يقاد المواطن من داخله باستسلام ورضى، ويحقّق له الاندماج في الجميع شعورًا بالانتماء والاستقلال والثّقة” (ص 135). ليس من شكّ أنَّ هذه الخلاصة الَّتي يقدّمها علي زيعور تبدو من أخطر القضايا في مجتمعاتنا العربيَّة الَّتي لا يزال العقل الخرافيُّ يلعب دورًا مقررًا في مسارها وسلوكها.
في مناقشته وعرضه مجدَّدًا لمناهج تفسير الخرافة والحلم، يشدّد زيعور على أنَّ تفسير الخرافة/ الأسطورة هو شكل آخر لتفسير الحلم، حيث يتقارب النَّمطان سواء من حيث البنية والطبيعة، أم من حيث الوظائف والدّور، بل هما أقرب إلى نوع من المرض النَّفسيّ أو العقليّ. هذا في وقت لم يكن تفسير الخرافات أو العالم اللاَّعقليّ مجهولاً في الفكر الإسلاميّ، ماضيًا وحاضرًا، حيث نرى في التراث تعابير تشرح الكرامة الصُّوفيَّة، وتأويلا للنُّصوص والحركات والإشارات، ولعبة أسرار البلاغة وكشف الأحاجي. يقول في هذا الصَّدد: “نجح المعبّرون، المؤسّسون للحلميات في الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة، في صياغة طرائق هي عامّة، شبيهة بالقوانين، بل وهي سنن كبرى كونيَّة تنجح في تفسير الحلم والمتخيّل والرَّمز المقدَّس. فسَّروا تفسيرًا بالسببيَّة، قائلين بالعوامل المسبّبة المولّدة للحلم، فهناك التَّفسير باللُّغة وأحوال الرَّائي، والشُّروط الموضوعيَّة أو بالحقل الاجتماعيّ والتَّاريخيّ كما الاقتصاديّ والثَّقافيّ والحضاريّ..لقد فسَّروا منطلقين من الشَّخصيَّة، ومجال الشَّخصيَّة النَّفسيّ الاجتماعيّ، التَّاريخيّ والحضاريّ”(ص139-140). هكذا تحوَّل تفسير الرُّؤيا(الحلم الكامل) والحلم والخرافة إلى اختصاص علميّ، حيث صقلت الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة تجربة تعبير الحلم والرُّؤيا، وكانت لهذه الحضارة إسهامات مهمَّة في عملية التَّأويل، بل إنَّها بلورت قوانين التَّفسير الحلميّ وتفسير النُّصوص أو الخرافات.
من الصَّعب الإحاطة بكلّ ما أتى به زيعور في ميدان تحليل الأحلام ورموزها، لكن ما قدّمه في هذا المجال يمثّل مساهمة أساسيَّة في تطوير ميادين علم النَّفس في العالم العربيّ، ودفعًا لاختراق التَّابوهات الَّتي فرضتها سيادة التَّقاليد الثَّقافيَّة المتخلّفة، ونزعة العداء إلى هذا الميدان باعتباره منتوجًا قادمًا إلينا من الغرب، ويتناقض مع تراثنا الدّينيّ والقوميّ والقيميّ.
