الزهور البلاستيكية
{{صورة مسطّحة}}
أزمة سير خانقة دائمة، تدفعك يوميا للانتظار يوميا مع المئات من أمثالك ومزاحمتهم، فقط، رغبة في الحصول على مقعد في الحافلة. مقابل ذلك تبدو خائبا في تلبية كلّ ما يطلبه ذووك الأقربون من احتياجات تتراكم حينا بعد آخر ككرة ثلج. وبين الخيبتين ثمّة قهر سياسيّ وأمنيّ ومخابراتيّ يلاحقك في الشارع ومكان العمل والبيت وحتى في الأحلام. وفوقها كلّها هناك رهاب الأمراض والكوارث والحروب وأنين الأطفال في مشارق الأرض ومغاربها، وأيضا هناك مشقّة تشتّتك بين الأيدلوجيات الدينية والثقافية والاقتصادية والسياسية … وثمّة … الخ من القضايا والشؤون الحياتية التي تحسبك شيئا ليس إلا، شيئا ليس له مع كلّ تلك الحواضر اليومية، أي حول ولا أية قوة.
{{نفس الصورة… ولكن غير مسطّحة}}
هل يحصر إطار تلك الصورة المعذّبين في الأرض فحسب، وهل ينجو من سعيرها حتى المليار الذهبي المتخيلين. أم هي عامّة للكلّ، ليس لأيّ منا، نحن سكّان سفينة القرن الحادي والعشرين، فكاك منها، ولو بدرجات ومستويات غير متساوية؟ وقتها يطرح سؤال مقابل وأصيل: أيّ درب للتعبير عن نزقنا وفردانيتنا الشخصية، أي درب لروحنا المتمردة واللامستوية، في الرغبة بتجاوز كلّ ما هو ممكن وطبيعيّ وعاديّ وحاضر، نحو غيرها من الأشياء، بل نحو نقيضها. طبعا ذلك السؤال مؤسّس على أصالة الأشياء تلك في جذر التعبير الإنساني غير الخفي فينا، ومأخوذ على احترام اختلافها مع معاني إنسان نيتشة الأعلى. أي المربوط بجغرافية متواسطة، بين الإنسان النتشويّ المنذور للرغبة والطموح والتحقيق، والذي ليس له من شيء غير ذلك سوى القليل، من طرف. وبين إنسان – الحداثة – المطيع السويّ، الحازم في طواعيته، تلك الطواعية أو العادية التي باتت أهمّ معاير عضويته في الكلّ العامّ. إنسان الحبوب المهدّئة، المليء بالذهول، والمناضل في سبيل رمق عيشه.
والمراد هنا، كيف الطريق إلى “الإنسان الفارس” بين تينك المنزلتين. أي الذي ليس له من التمرّد والرغبة ما يقتله، وأيضا الذي ليس له من العادية والطواعية ما يشيؤه – من شيء-؟
{{عمق الصورة}}
في سالف الأزمان، كانت الأسطورة تعبيرا متخيّلا عن الإنسان المتجاوز حتى للنتشوية المفترضة، الإنسان المتجاوز لمحدّدات الطبيعة وكل ما هو ممكن، ففي بحث جلجامش عن الخلود، ثمّة رغبة متجاوزة لكلّ ممكن أرضيّ، وإن بقيت رغبته في إطارها الزمانيّ الابستمولوجي ممكنة إلى حدّ ما. عقبة المرحلة تلك جاءت الرؤى الملحمية، والتي كانت تشارك الأنا الأسطورية العليا بتجاوزيتها للمحدّدات الطبيعية، لكن المطعونة بالاعتبارات “المعقلنة” إن جاز التعبير. فالإلياذة كانت ضربا من روح التحدّي الجمعيّ شبه المستحيل، فلا الغزاة كان لهم الفتح ممكنا، ولا المدافعون كان لهم الصمود منالا، وللطرفين لم تكن حور الجنان غاية، لكنهم جميعا كانوا إنسان الملاحم في عمق تمرّده على كلّ الممكن.
مع التقادم حطّت الأديان الإبراهيمية من بهاء ذلك بعباءة الورع والتقوى الدينية، فكما كان الإغريقي الحسن، هو الإغريقي ذو السيف الأقسى، فإنّ المسيحي النافذ إلى باب السماء، كان ومازال، المسيحيّ الأتقى. فاختفت روح المتمرّد، حتى باتت العضوية معيارا أخلاقيا شبه مطلق، وبات النفي عقوبة، ليس مثلها عقوبة تذكر. فباتت الملاحم بعضا من ماض ولّى. ومقابله حضر الأدب الملحمي اليائس، وكانت الدونكيشوتية التاريخية تختفي يوما بعد آخر.
في الأزمنة المعاصرة، تعتبر آداب العوالم المتخيّلة – سارماغو وسليم بركات كنموذجين عالميين ومحلّيين جيّدين – شهادة جيّدة عن الانطفاء الأخير للـ “الإنسان الفارس”. فمجرّد خلق بيئات تعبيرية – ولو في الأدب – دليل حيّ ومباشر على عدم جدارة الإنسان الحاضر بتجاوز ممكناته وحواضره، وهو يأس بالغ في رؤية الإنسان لذاته غير المسورة بأية حالة.
ليس الأدب إلا شاهدا على تلك الحالة من الانزواء والاختفاء للفرسان والفروسية، والتي قد تخص المرأة قدر قربها من الرجل. فالفروسية لا تعني الذكورة المباشرة بأي معنى من المعاني، بل على العكس في مرات كثيرة. وغير الأدب ثمّة نماذج شتّى يمكن الإشارة إليها. فمثلا في الممارسات الجنسية، والروح التكورية التي تعتليها يوما بعد آخر، من المثلية الجنسية إلى إبداع الأدوات الاستمتاعية المصطنعة، والتي بواسطتها يستطيع أيّ طرف الاستغناء التامّ عن الطرف الآخر، وصولا إلى الاستنساخ، حيث بالمجموع يعني شيئية الإنسان، وغربته عن لاسويته. وكذلك في نماذج أصحاب رؤوس الأموال، حديثي النعمة، الذين يتحوّلون إلى أبطال ونجوم في المجتمعات الحديثة، نماذج جيّدة عن اختفاء الفروسية المنعوتة تلك، فهؤلاء على الأغلب لا يتحلّون بأيّ عمق أخلاقيّ، ولا بأية تجربة روحانية. لكن ما خوّلهم احتلال ذلك المركز، هو فهلوة ابن السوق ليس إلا. ولك أن ترى في فهلوة أبن السوق أيّ شيء إلا الفروسية وعوالمها.
{{مشاهد الصورة}}
ستضع عشيقتك رأسها على عضلة كتفك القاسية، أنت ابن الصورة المسطحة الأولى، ستنطق لها بعبارات شتى. لكن دون شك، ليس بينها تلك التي تغلي في عمق قلبك، والتي حفظتها من أشعار محمود درويش منذ مراهقتك الأولى: كيف الطريق إلى شوارع قرطبة، أيها المحاصر بالبحر والكتب المقدسة
