المكـانٌ النَّظيـف أو الكتاب المُستحيـل

هكذا أسَمِّي المكتبةَ، وكُل الأمكنة التي لها صِلة بالكتاب. أعني بالقراءة.

الوُجُودُ كتابٌ مفتوحٌ، الإنسانُ والطبيعة والأشياء، بكلّ تفاصيلها وجُزئياتِها، هي كلماتُ هذا الكتاب الكبير. حتّى الكُتُب المُقدَّسة، هي صدى لهذا الوُجود، وهي قراءة لما طـال الوُجود من خَللٍ، أو ما كانَ فيه من قِيَمٍ، بها كانَ الإنسانُ يحتمي من كلّ الخسارات المُمْكِنَة.

حينَ لا نقرأ، وهذا افتـراض قاسٍٍ، فنحنُ لا نُوَاظبُ على وُجُـودِنا، أو لا نوجَدُ بالأحرى. الكُتُبُ ليست قِيمَةً مُضافَةً، أو تَرَفاً، إنها إحدى ضرورات الوُجود، أو هي كلّ الوجود.

الإنسانُ، منذ خطيئته الأولى، قرَّر أن يخـوضَ مجهولات حياتـه، بكلّ ما يَطَالُها من مآزق، وهذا ما جعل العقل البشريّ يخرجُ من الطبيعة إلى الثقافة، بوضع يَدِهِ على رأسه، وطرح السؤال تلو الآخر، لأنّ ما كانَ يُحيط به من أسرارٍ، كان يفوق توقُّعاتِه.

أن نسألَ، وأن نخرُجَ من يقين الأشياء، هو ما جعل التفكير الفلسفيّ يكون لحظة إدراك لطبيعة العلاقة التي عمِلَ الإنسانُ على عقدِها مع ذاتِهِ، بمعرفته لنفسه أوّلا، ثمّ محيطه، أي بمعرفة الآخر، كيفما كانت طبيعتُه ثانياً، ثم باعتبار الوجود سؤالا مفتوحاً، ودائماً، وكتابة لا تنقطع عن فضح أهوائها.

حين نقرأ إذن، فنحن نبحث عن “الكتاب المُستحيل”، هو نفسه ما نفعله حين نكتب. هذا المُستحيل الذي قد لا نطاله، لكنّنا حين نَنْدَسُُّ في ثناياه، ونخُوضُه كقلق يوميّ، فإننا نكون قد وضعنا يَدَنا على الجُرح الذي مازال يُذكِّرُنا بمصدر الخطيئة الأولى.

وإلا، بما ذا نُفسِّرُ هذا الحب الأزليّ للكتاب. إنّ أقدم الحضارات أوْلَتْ أهمِّيَة كبيرة للقراءة، وللكتاب. وكانت تعي جيّداً، أنّ وُجُودَها في غير زمنها، لن يحدُث بالعمارة، ولا بالمال، أو ما كانت تعيش فيه من رَفَاهِيَةٍ وتَرَفٍ، بل بالكتاب.

ضَاعَفَ السّوُمَريُونَ وُجُودَهُم، ووصلوا إلينا، رغم مسافة الزمن البعيد التي تفصلنا عنهم، عن طريق تلك الرُّقُم الطينية، التي حملت إلينا الكثير من أشكال حياتهم، وما أوْلَوْهُ من أهمّية للكتابة والكتاب.

فهؤلاء هم الذين يعود لهم فضلُ اكتشافِ الكتابة، وتطويرها، رغم أنّ الكتابة عندهم كانت لغايات عَمَلية، أي لتسجيل الاتفاقيات التجارية، والمُعاهدات مع الدول الأخرى. فنحن حين نتذكَّرُ هذه الحضارة وغيرها، ممّا كان تاليا لها، نستعيدُ كلكامش، هذا الذي سعى لمُضاعفة وُجُودِهِ بالبحث عن سِرِّ استمرار الوُجود.

كشفت الحفريات التي حدثت في القرن التاسع عشر، عن بقايا المكتبات السومرية الكبيرة، التي كانت مراكز ثقافية، مثل كلاغاش، وأوروك، ونيبور. وهو ما سيكشف عن ارتباط المكتبات والكتب، بالمؤسسات التعليمية والدينية، باعتبارها مجال نقل الخبرات، والمكان الذي منه تأتي الشمس.

السومريون، هم الذين خصُّوا الكتاب بالدور الذي ارتبط به حتى هـذه الأيام؛ أن يكـونَ حافـظ الإنجـازات الإنسانية، الثقافيـة والتكنولوجية، وأن يخدم الأهداف الرَّسمية.

إنّ هذه الحضارات البعيدة، كانت حضارات شعوب مثقّفة، حتى عندما كان الكتاب لا يصل إلى كلّ الأيادي، فإنّ الروايةَ، والمُشافَهةَ، كانت تفعلُ فعلها، في نقل المعلومة وتداوُلها.

ألم يكن سقراط مُتَكَلـِّماً، لم يكتب واكتفى بالحوار. فما وصلنا عن سقراط، كان عبر أفلاطون، الذي كان الناطق الرسميّ لسقراط، وكاتب أفكاره.

المعرفة لها أكثر من وسيلة لتصل إلينا. يكفي أن تكون قابلية المعرفة قائمة، ليَمُرَّ الضوء من جميع جهات الجسد إلى الرُّوح.

اسمحوا لي، ودون الوقوف على باقي التأويلات التي وردت بشأن فعل الأمر ” اقرأ “، في القرآن، فإنّ هذا الفعل، وبهذه الصيغة القوية، يفرضُ أن نستجيبَ له، لأنّه آتٍ من مكان، له في وُجُودِنا مَكانٌ.

ألم يُخَاطِبنا الله بكتابٍ، إذا اكتفينا بالمسلمين دون غيرهم؟ إنّ الكتُبَ السماوية، وحتى تلك التي ابتدعتْها تصوُّرات وثقافات أخرى، ذهبت إلى السماء من الأرض، أعني إنجيليْ سومر وبابل، وحتى الأفِسْتا الفارسية… كلها أعطتِ الكلمة دوراً، ربما، قاسته بقيمة الوجودِ ذاته.

عند الفراعنة، الإله توت، كانَ يُسمَّى بـ ” حامي الكتاب “، والذي كان حسب المُعتقدات هو الذي اخترعَ الكتابة، وعلـَّمَها للمصريين.

كان المصريون يُقدِّرون الكتابَ تقديراً يكادُ يقتربُ من العبادة، وهذا ما جاء في بعض كلامهم المأثور:

” إنّ الكتابَةَ أنفع من البيت المبنيّ، ومن الصَّوْمَعَةِ في الغرب، ومن القلعة الحصينة، ومن النصب ومن المعبد “.

ولعلّ في الوصيّة التي توَجَّهَ بها العجوز دَوَا أوفْ إلى ولده بيبـا، حين وَجَّهَهُ إلى المدرسة، بأن يُحِبَّ الكتـابَ كأمِّهِ ” لأنـه لا يوجَدُ ما هـو أثمن مـن الكتـاب “، ما يكشف عن الأهمية التي كانت للكتاب، في هذه الحضارات التي ما تزال تباغتنا بأسرارها.

وفي قول المصريين، لمن يقرأ، ” إنّك تسير بحرية في الطريق، ولن تكون ثوراً يقودُهٌ الآخرون، إنك في مقدِّمَة الآخرين “، ما يكشفُ، عمَّا أصبح يطالنا اليوم، من فقدانٍ لكثير من قِيَم المعرفة، واتخاذ القرار. أو ما نُسَمِّيه، عادة بالحِسِّ النقديّ، وبالقدرة على التمييزِ، ووعي المُفارقات.

هذا ما يجعل من القراءة في الغرب، جزءا من القيم التي عمِلَ هذا الغرب على خلقها وتكريسها؛ قيم الحرية والعدالة والمُساواة، والحوار، أي ” إعادة إنتاج القيم الأيديولوجية والثقافية والسياسية، التي هي أساس رؤية العالم في الغرب منذ قرنين من الزمن، والتي قـد تعـود حتى هوميـر”، أو كما يقول ميشيل فوكـو، فـ ” الإجراءات ” هـي التي تُحَـدِّدُ ثقافتنا، أي ” نظام الخطاب ” في كلّ المجتمعات، فإنتاج الخطاب مُرَاقبٌ، ومُنتقى، ومُنَظّم، ويُعادُ توزيعه عبر عدد من الإجراءات التي تُحَدِّد السُّلط، وتُشعر بالمأزق.

لعلّ من أهمّ الإجراءات، كما يذهبُ إلى ذلك فوكو، تنظيم التَّخَصُّصات، والطقوس السوسيوثقافية، والمعتقدات المعروفة، والنُّظم التربوية.

هنا، إذن يتحدّد الدَّور الكبير المُلقى على المُؤلفين، وعلى المعلمين والمُربين، والمسؤولين على وضع البرامج والتصورات، وكلّ الفاعلين، والمشتغلين في مجال إنتاج المعرفة. فحين لا نُصَرِّفُ الإجراءات، بالطرق التي لا تخدم توَجُّهاتنا، وتحمي الإنسان من أن يكون فَرِيسَةَ الجهل والشَّطَطِ، في كلّ شيء، فإنّنا نكون قد خَذَلْنَا أنفسنا، قبل أن نخذل ذلك العجوز المصريّ، الذي حمَّلنا عِبْءَ تعليم وَلَدِهِ بيبا.

الوسائل المُتاحة اليوم، في يدنا، يمكن أن نُحَوِّلها إلى إجراءات لتسهيل القراءة، وللحصول على المُعطيات، وامتلاك الخبرات. فالكتاب المدرسيّ، هو وسيلة وليس غاية، وهو عتبة الوُجود وليس كلّ الوجود. إنه جِماعُ كُتُبٍ، ومراجع، من المُفتَرض أن تكون المكتبات المدرسية، أو مراكز التوثيق، مكاناً لتفاصيلها.

علينا أن نتذكَّرَ وصيّة الجاحظ، هذا الذي ماتَ وفي يَدِهِ كتابٌ، حين أَوْصَى بالكتاب كصديق، ورفيق، متى دَعَوْتَهُ استجابَ.

لا ينبغي أن نُحَمِّلَ وسائل الإعلام الحديثة، وما صاحبها من تقنيات، مسؤولية ما يحدُث اليوم. لأنّ المدرسة، كشاشةٍ كبيرةٍ، بإمكانها أن تمتصًّ كلّ هذه الوسائل، وتُحَوِّلها إلى إمكاناتٍ لتقديم المعرفة وتصريفها، وهذا في تصوُّرنا، يعود إلى مدى ما تتوفَّرُ عليه هذه الشاشات من ” إجراءات ” بلغة فوكو، لتصريف خطاب النور، ووضع اليد على مواطن الفرح، والمحبَّة، والتسامُح في حياتنا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This