الفنان المسرحيّ والسينمائيّ الفاضل الجزيري :”ثلاثون” ضدّ الرجعية والسلفية وكلّ أشكال التطرّف – حاوره: محمد سفينة
المسرحي والسينمائي (التونسي) الفاضل الجزيري فنّان استثنائيّ وصاحب تجربة فنية متميّزة تمتدّ على أكثر من أربعة عقود من الزمن، قدّم عديد الأعمال المسرحية والسينمائية والموسيقية الفرجوية الناجحة والمثيرة للجدل، آخرها الشريط السينمائي “ثلاثون” الذي اعتبره البعض نقلة نوعية في توجّهات السينما التونسية.
عن شريط “ثلاثون” وعن تجربته الفنية الثرية، كان لنا معه الحوار التالي:
أستاذ الفاضل، لكلّ مشروع فنّيّ دوافعه أو مسوّغاته الذاتية والموضوعية، لماذا اخترت في شريطك السينمائيّ الجديد العمل على فترة الثلاثينات من القرن الماضي، أو لماذا “ثلاثون”؟
هي قناعة خاصّة بأنّ مرحلة الثلاثينات هي مرحلة هامّة بل هامّة جدّا في تاريخ تونس المعاصر لما تحتويه من علامات دالّة على واقع يعتبر فترة فارقة، فالمرحلة من الناحية السياسية هي مرحلة انتقالية وعلى علاقة بتبلور فكرة الدولة الجديدة المستقلّة ـ فيما بعد ـ التي أخذت ثوبها وصورتها المتقدّمة بنواحيها التنظيرية وبمرتكزاتها السياسية كالحزب الحرّ الدستوري أو الحزب الشيوعي، أو كذلك في تطوّر العمل النقابيّ، هذا إلى جانب التيار الفكريّ التقدّميّ الذي ظهر خلال هذه العشرية باختلافه مع الفكر الزيتونيّ التقليديّ، بالإضافة إلى الشخصيات العملاقة التي ظهرت خلال هذه الفترة على غرار الطاهر الحداد وعلي الدوعاجي وأبو القاسم الشابي ومحمد علي الحامي والحبيب بورقيبة وغيرهم، وهي شخصيات كان لها كبير التأثير في تاريخ تونس المعاصر سواء من الناحية السياسية أو من الناحية الفكرية والثقافية. وبهذا فإنّ هذه الفترة وهذه الشخصيات كانت جديرة بأن يعاد النظر إليها فنيا.
في شريط “ثلاثون” اعتمدت الطاهر الحداد كشخصية محورية، هل هو افتتان بهذه الشخصية؟
الطاهر الحداد شخصية ثريّة بالمعنى الإنسانيّ وبالمعنى الفكريّ وجوانبها متعددة، فباعتباره شاعرا فهو شاعر ذكيّ وأنيق ودقيق في مشروعه الشعريّ وباعتباره مفكّرا فهو من الفلاسفة القلة الذين لهم نظرة استشرافية متميّزة، كما أنّه رياديّ وثوريّ في أفكاره خاصّة فيما يتعلّق بقضية المرأة في تلك الفترة. وباعتباره مناضلا فقد عايش خلق الحزب الدستوريّ كما ساهم في بلورة وتقدّم العمل النقابيّ صحبة محمد علي الحامي، هذا إلى جانب علاقته وصداقته بالشخصيات التي أسهمت بفكرها وبنضاليتها في حراك تلك المرحلة، دون أن ننسى معاناة الحداد ومظاهر الظلم والحيف والتعسّف التي تعرّض لها جرّاء أفكاره التنويرية الثورية.
بدا الشريط متراوحا بين الدراميّ والتوثيقيّ، أي بين الفنّ والتأريخ، هل إنّ من وظيفة الفنان إعادة كتابة التاريخ؟
أنا فنّان، وكتابة التاريخ ليست مهمّتي، أنا أقرأ التاريخ من زاويتي وفي الشريط انطلقت من أحداث لأتحدّث عن شخصيات في تفاصيلها اليومية وفي إحساسها وطريقة تفكيرها وفي لحظاتها المختلفة لأعطيها روحا أخرى من خلال الكتابة، والكتابة حرفة وصنعة تعلّمتها وأتقنتها بالممارسة والتجربة لأحوّلها إلى الصورة. إنّها كتابة بلغة الصورة.
المتأمّل في تفاصيل شريط “ثلاثون” يجده عملا سينمائيا بأدوات مسرحية وشعرية وتشكيلية، كيف تفسّر هذا التداخل؟
العمل الفنّيّ مهما كان مجاله أو توجّهه هو بالضرورة يأخذ من الأشكال الفنية الأخرى وكلّ شكل يبقى في خدمة الشكل الآخر شريطة أن يكون هذا التداخل حاملا لمعنى، والفنّان هنا يسعى دوما ويحاول أن يخلق شيئا معقولا ومتكاملا ليقدّمه إلى المتقبّل، وأنا حاولت أن أبلّغ إلى الناس ما تعلّمته في شكل فنّيّ حاولت أن أجعله ذا معنى…
سواء في شعرية النصّ أو على مستوى طريقة التلفّظ في الفيلم ظلّ الجزيري وفيّا لمدرسة المسرح الجديد، بماذا تفسّر ذلك؟؟
هذا الرجوع هو تواصل مع تجربة فنية وجمالية مهمّة هي تجربة “المسرح الجديد” بما أنّي أحد الأطراف المؤسّسة لها صحبة الفاضل الجعايبي ومحمد إدريس والراحل حبيب المسروقي وجليلة بكار، وأنا هنا لا أستطيع أن أقصي هذه التجربة وهذا التوجّه لأنهما جزء منّي فنّيا وإنسانيا، ولو نمعن التفكير في الشريط نجد أن الموضوع الأصليّ فيه هو اللغة بكلّ جوانبها المتعدّدة وهو تواصل حتى مع ما قبل “المسرح الجديد” بالعودة إلى “جماعة تحت السور” الذين أحدثوا ثورة في التعامل مع اللغة فالزعيم الحبيب بورقيبة قد تعلّم اللغة وفنّ الكلام من جماعة تحت السور، واللغة في سنوات الاستقلال الأولى كانت هي خيط التواصل بين السلطة والشعب ومنذ سنة 1984 التي تزامنت مع “ثورة الخبز” تغيّرت طبيعة هذه العلاقة لتتحوّل العلاقة بين السياسيّ والمواطن إلى علاقة “نصّ إداريّ”.. وبهذا نحن في حاجة إلى العودة إلى الأصل :إلى فنّ الشعر… إلى أرسطو فهناك يكمن أصل الفنّ.
في الشريط هناك اعتماد كلّيّ على الشباب، هل هذا إيمانا منك بطاقة الشباب أم بمبدأ التواصل؟
الاثنان معا، أوّلا طبيعة العمل اقتضت هذا التوجّه لأنّ أغلب شخصيات الشريط هم من الشباب، وثانيا بما أنّ شباب الثلاثينات قد قام بتلك الثورة الفكرية والفنية والحضارية فإنّنا يجب أن نعطى الثقة للشباب لأنّ المجتمع دون شباب فاعل وبدون ثقة في إمكانيات شبابه يندثر وتهرم ثقافته ويترهّل فنّه، كما أنّ التواصل بين الأجيال هو أمر طبيعيّ ويجب أن يتوفّر لكي نتقدّم وتتطوّر لأنّ القطيعة لا تنتج إلا التكلّس والانحدار.
ألا ترى أنّ واقعنا اليوم يكاد لا يختلف عن واقع فترة الثلاثينات، خاصة وأنه قد أصبح واقعا تتقدّم فيه الرجعيّة والسلفية على حساب قيم الحداثة؟؟
“ثلاثون” لا يمكن أن يكون إلا ضدّ الرجعية والسلفية وكلّ أشكال التطرّف الفكريّ، ورغم رجوعنا في الشريط إلى فترة الثلاثينات فنحن بصورة أو بأخرى نشتغل على الحاضر، على “الآن والهنا” ونحاول صدّ كلّ مظاهر الشدّ إلى الخلف والسلفية والانغلاق الفكري، تلك مهمّتي كفنان لأنّ الفنان هو إبن بيئته والفنّ بالأساس هو إعادة إنتاج للواقع.
الشريط يحمل عديد المعاني الداعية إلى التغيير والتمرّد، هل إنّ للجزيري هاجس التمرد بالمعنى الفنّيّ والفكريّ للكلمة؟؟
وكذلك بالمعنى الاجتماعي أيضا، الفنان من صفاته التمرّد وكلّ عمل فنّيّ هو بالضرورة نداء ضدّ الركود، وأنا ثوريّ من منطلقات فنية وجمالية وقبل أن أبدأ أيّ عمل فنّيّ أسأل سؤالين هامّين وهما: لماذا هذا المشروع ولمن ؟؟ ولو نعود هنا إلى شريط “ثلاثون” نجده يحرّك الكثير من السواكن كما أنّ الطاهر الحدّاد الشخصية المحوريّة في الفيلم ثوريّ ومتمرّد على كلّ السلط.
هل يحيلنا هذا إلى الحديث عن علاقة الفنّان والمثقّف بالسلطة بجميع أنواعها، المعرفيّة والعقائدية والسياسية؟
حسب رأيي لكلّ سلطة ناموسها، وأنا علاقتي بالسلطة علاقة احترام، لأنّ المعلّم يمثّل سلطة ومع ذلك يهبنا العلم والمعرفة، لذلك فإنّ مهمّتي كفنان هي أن أسعى إلى التغيير دون نصب العداء مع السلطة، وأنا هنا أتحدّث عن السّلطة السياسية لأنّ هذه السلطة في حاجة لكلّ الأطراف وكلّ يحاول ويطالب من جهته، وأنا كفنان لي مطالبي ومواقفي الاستشرافية التي أدافع عنها خارج مطالب ومواقف أي سلطة، كما أنه على الفنان أن يمتلك تلك الحصانة الذاتية التي تجعله يعمل خارج كلّ أشكال الرقابة وخاصة منها الرقابة الذاتية التي تقتل في الفنان كلّ سبل الإبداع والخلق.
هل يعتبر الجزيري نفسه صاحب مشروع فنيّ وفكريّ وحضاريّ؟
من الوهن والضعف أن لا يكون لأيّ فنّان مشروع ومنطلقات وأهداف فنيّة وجماليّة وفكريّة وحضاريّة واجتماعيّة وحتّى سياسية وإلا فإنّ أعماله ومحاولاته تبقى على الهامش وخارج الإطار ولا تقدّم أيّ إضافة، وأنا أعتبر المشروع الفنيّ مثل المشروع المدرسيّ، يطوّر الطاقات ويغيّر وضع المجتمعات وبالتالي فإنّ ما يسمّى بفنّ النخبة أمر مغلوط لأنّ المستهدف الأوّل من العملية الفنية هو المجتمع أو “السواد الأعظم ” إن صحّت العبارة.. ودور الفنان هنا تفكيك الظواهر وتقديم البدائل بلغته وأدواته الخاصّة، وأعتبر مشروعي قائما على اللغة والكلمة لأنّ الكلمة ساحرة وقوية ولها مفعولها خاصة كلمة الحقّ، كما أنها وعرة وصعبة مع نفسها، وقد وجدت صعوبة كبرى في “ثلاثون” في مرحلة أولى في التعاطي مع اللغة ومع الكلمة من أجل أن تكون معبّرة وذات معنى.
اشتغلت على المسرح في مرحلة أولى ثمّ على السينما وعلى الموسيقى والعروض الفرجويّة الكبرى، هذا الادّعاء للشمولية ألا تعتقد أنه ضدّ مبدأ التخصّص في الفنّ ومن شأنه أن يشتّت جهد الفنّان وفكره؟
في شريط “ثلاثون” اعتمدت الطاهر الحداد كشخصية محورية، هل هو افتتان بهذه الشخصية؟
الطاهر الحداد شخصية ثريّة بالمعنى الإنسانيّ وبالمعنى الفكريّ وجوانبها متعددة، فباعتباره شاعرا فهو شاعر ذكيّ وأنيق ودقيق في مشروعه الشعريّ وباعتباره مفكّرا فهو من الفلاسفة القلة الذين لهم نظرة استشرافية متميّزة، كما أنّه رياديّ وثوريّ في أفكاره خاصّة فيما يتعلّق بقضية المرأة في تلك الفترة. وباعتباره مناضلا فقد عايش خلق الحزب الدستوريّ كما ساهم في بلورة وتقدّم العمل النقابيّ صحبة محمد علي الحامي، هذا إلى جانب علاقته وصداقته بالشخصيات التي أسهمت بفكرها وبنضاليتها في حراك تلك المرحلة، دون أن ننسى معاناة الحداد ومظاهر الظلم والحيف والتعسّف التي تعرّض لها جرّاء أفكاره التنويرية الثورية.
بدا الشريط متراوحا بين الدراميّ والتوثيقيّ، أي بين الفنّ والتأريخ، هل إنّ من وظيفة الفنان إعادة كتابة التاريخ؟
أنا فنّان، وكتابة التاريخ ليست مهمّتي، أنا أقرأ التاريخ من زاويتي وفي الشريط انطلقت من أحداث لأتحدّث عن شخصيات في تفاصيلها اليومية وفي إحساسها وطريقة تفكيرها وفي لحظاتها المختلفة لأعطيها روحا أخرى من خلال الكتابة، والكتابة حرفة وصنعة تعلّمتها وأتقنتها بالممارسة والتجربة لأحوّلها إلى الصورة. إنّها كتابة بلغة الصورة.
المتأمّل في تفاصيل شريط “ثلاثون” يجده عملا سينمائيا بأدوات مسرحية وشعرية وتشكيلية، كيف تفسّر هذا التداخل؟
العمل الفنّيّ مهما كان مجاله أو توجّهه هو بالضرورة يأخذ من الأشكال الفنية الأخرى وكلّ شكل يبقى في خدمة الشكل الآخر شريطة أن يكون هذا التداخل حاملا لمعنى، والفنّان هنا يسعى دوما ويحاول أن يخلق شيئا معقولا ومتكاملا ليقدّمه إلى المتقبّل، وأنا حاولت أن أبلّغ إلى الناس ما تعلّمته في شكل فنّيّ حاولت أن أجعله ذا معنى…
سواء في شعرية النصّ أو على مستوى طريقة التلفّظ في الفيلم ظلّ الجزيري وفيّا لمدرسة المسرح الجديد، بماذا تفسّر ذلك؟؟
هذا الرجوع هو تواصل مع تجربة فنية وجمالية مهمّة هي تجربة “المسرح الجديد” بما أنّي أحد الأطراف المؤسّسة لها صحبة الفاضل الجعايبي ومحمد إدريس والراحل حبيب المسروقي وجليلة بكار، وأنا هنا لا أستطيع أن أقصي هذه التجربة وهذا التوجّه لأنهما جزء منّي فنّيا وإنسانيا، ولو نمعن التفكير في الشريط نجد أن الموضوع الأصليّ فيه هو اللغة بكلّ جوانبها المتعدّدة وهو تواصل حتى مع ما قبل “المسرح الجديد” بالعودة إلى “جماعة تحت السور” الذين أحدثوا ثورة في التعامل مع اللغة فالزعيم الحبيب بورقيبة قد تعلّم اللغة وفنّ الكلام من جماعة تحت السور، واللغة في سنوات الاستقلال الأولى كانت هي خيط التواصل بين السلطة والشعب ومنذ سنة 1984 التي تزامنت مع “ثورة الخبز” تغيّرت طبيعة هذه العلاقة لتتحوّل العلاقة بين السياسيّ والمواطن إلى علاقة “نصّ إداريّ”.. وبهذا نحن في حاجة إلى العودة إلى الأصل :إلى فنّ الشعر… إلى أرسطو فهناك يكمن أصل الفنّ.
في الشريط هناك اعتماد كلّيّ على الشباب، هل هذا إيمانا منك بطاقة الشباب أم بمبدأ التواصل؟
الاثنان معا، أوّلا طبيعة العمل اقتضت هذا التوجّه لأنّ أغلب شخصيات الشريط هم من الشباب، وثانيا بما أنّ شباب الثلاثينات قد قام بتلك الثورة الفكرية والفنية والحضارية فإنّنا يجب أن نعطى الثقة للشباب لأنّ المجتمع دون شباب فاعل وبدون ثقة في إمكانيات شبابه يندثر وتهرم ثقافته ويترهّل فنّه، كما أنّ التواصل بين الأجيال هو أمر طبيعيّ ويجب أن يتوفّر لكي نتقدّم وتتطوّر لأنّ القطيعة لا تنتج إلا التكلّس والانحدار.
ألا ترى أنّ واقعنا اليوم يكاد لا يختلف عن واقع فترة الثلاثينات، خاصة وأنه قد أصبح واقعا تتقدّم فيه الرجعيّة والسلفية على حساب قيم الحداثة؟؟
“ثلاثون” لا يمكن أن يكون إلا ضدّ الرجعية والسلفية وكلّ أشكال التطرّف الفكريّ، ورغم رجوعنا في الشريط إلى فترة الثلاثينات فنحن بصورة أو بأخرى نشتغل على الحاضر، على “الآن والهنا” ونحاول صدّ كلّ مظاهر الشدّ إلى الخلف والسلفية والانغلاق الفكري، تلك مهمّتي كفنان لأنّ الفنان هو إبن بيئته والفنّ بالأساس هو إعادة إنتاج للواقع.
الشريط يحمل عديد المعاني الداعية إلى التغيير والتمرّد، هل إنّ للجزيري هاجس التمرد بالمعنى الفنّيّ والفكريّ للكلمة؟؟
وكذلك بالمعنى الاجتماعي أيضا، الفنان من صفاته التمرّد وكلّ عمل فنّيّ هو بالضرورة نداء ضدّ الركود، وأنا ثوريّ من منطلقات فنية وجمالية وقبل أن أبدأ أيّ عمل فنّيّ أسأل سؤالين هامّين وهما: لماذا هذا المشروع ولمن ؟؟ ولو نعود هنا إلى شريط “ثلاثون” نجده يحرّك الكثير من السواكن كما أنّ الطاهر الحدّاد الشخصية المحوريّة في الفيلم ثوريّ ومتمرّد على كلّ السلط.
هل يحيلنا هذا إلى الحديث عن علاقة الفنّان والمثقّف بالسلطة بجميع أنواعها، المعرفيّة والعقائدية والسياسية؟
حسب رأيي لكلّ سلطة ناموسها، وأنا علاقتي بالسلطة علاقة احترام، لأنّ المعلّم يمثّل سلطة ومع ذلك يهبنا العلم والمعرفة، لذلك فإنّ مهمّتي كفنان هي أن أسعى إلى التغيير دون نصب العداء مع السلطة، وأنا هنا أتحدّث عن السّلطة السياسية لأنّ هذه السلطة في حاجة لكلّ الأطراف وكلّ يحاول ويطالب من جهته، وأنا كفنان لي مطالبي ومواقفي الاستشرافية التي أدافع عنها خارج مطالب ومواقف أي سلطة، كما أنه على الفنان أن يمتلك تلك الحصانة الذاتية التي تجعله يعمل خارج كلّ أشكال الرقابة وخاصة منها الرقابة الذاتية التي تقتل في الفنان كلّ سبل الإبداع والخلق.
هل يعتبر الجزيري نفسه صاحب مشروع فنيّ وفكريّ وحضاريّ؟
من الوهن والضعف أن لا يكون لأيّ فنّان مشروع ومنطلقات وأهداف فنيّة وجماليّة وفكريّة وحضاريّة واجتماعيّة وحتّى سياسية وإلا فإنّ أعماله ومحاولاته تبقى على الهامش وخارج الإطار ولا تقدّم أيّ إضافة، وأنا أعتبر المشروع الفنيّ مثل المشروع المدرسيّ، يطوّر الطاقات ويغيّر وضع المجتمعات وبالتالي فإنّ ما يسمّى بفنّ النخبة أمر مغلوط لأنّ المستهدف الأوّل من العملية الفنية هو المجتمع أو “السواد الأعظم ” إن صحّت العبارة.. ودور الفنان هنا تفكيك الظواهر وتقديم البدائل بلغته وأدواته الخاصّة، وأعتبر مشروعي قائما على اللغة والكلمة لأنّ الكلمة ساحرة وقوية ولها مفعولها خاصة كلمة الحقّ، كما أنها وعرة وصعبة مع نفسها، وقد وجدت صعوبة كبرى في “ثلاثون” في مرحلة أولى في التعاطي مع اللغة ومع الكلمة من أجل أن تكون معبّرة وذات معنى.
اشتغلت على المسرح في مرحلة أولى ثمّ على السينما وعلى الموسيقى والعروض الفرجويّة الكبرى، هذا الادّعاء للشمولية ألا تعتقد أنه ضدّ مبدأ التخصّص في الفنّ ومن شأنه أن يشتّت جهد الفنّان وفكره؟
بكلّ تواضع ما قمت به وما أقوم وسأقوم به هو مجرّد سؤال حول الفنّ، مع المسرح الجديد قمنا بتجارب في المسرح والسينما وكلما جرّبنا كانت التجربة متميّزة وغير عادية لأنّ التساؤلات كانت غير عادية، وفي مرحلة متقدّمة وصلت التجربة إلى نقطة النهاية ولم يعد باستطاعتها التقدّم وتقديم الإضافة فاختار كلّ منّا طريقه، أنا اخترت طريقا مختلفا في البحث والسؤال في الفنّ فاكتشفت تجارب أخرى كانت هي الأخرى نتيجة لتساؤلات، هذه التجارب غذّتني في مسيرتي لأتمكّن من المواصلة والتقيت بأناس قدّموا لي كلّ ما لديهم وتعلّمت منهم وكانوا لي هم المدرسة.
الرأي السائد يقول إنّ الفن لغة عالمية، فلماذا يلحّ الجزيري على ربط الفنّ بالهوية المحلية الضيّقة؟
أعتبر الفنّ، على اختلاف مجالاته، محلّيا إلى أقصى الحدود لأنّ خصوصيات المجتمعات وتفاصيلها الدقيقة هي التي تصنع الفن. فالفن هو بالأساس نتاج اجتماعيّ ونتاج لواقع معيّن، ولو عدنا إلى التجارب الفنية العالمية الكبيرة خاصّة منها الموسيقية والتي تعتبر الآن مراجع في الفنّ لوجدناها نتيجة لخصوصيات مجتمعية محلية، ونحن لنا في محلّيتنا وفي خصوصيتنا ما يجعلنا قادرين على إنتاج تجارب متميّزة ومتقدّمة شريطة إدراك الواقع وفهمه والعودة إلى الأصول وإلى الموروث وخاصة إلى اللّغة، وأعيدها هنا: اللغة هي الأساس لكلّ مشروع فنّيّ.
الفنان يؤثر ويتأثّر، بمن تأثّر الفاضل الجزيري؟
أنا أتعامل مع الواقع وبالتالي فإنّي بالضرورة سوف أتأثّر به وأحاول أيضا أن أكون مؤثّرا فيه ومراجعي هم الناس البسطاء الذين اعترضوني في حياتي، هؤلاء هم الذين كانوا مرجعي الأساسي في الفنّ وفي الحياة.
محمد سفينة: صحفي من تونس
