المحلّلة النّفسانيّة عفاف محفوظ: “أحس بمشاعري وأفكّر فيها، وإذن فأنا موجود”

{{تقديم}}

مولودة بمصر ثمّ مقيمة بنيويورك. دكتورة في العلوم القانونيّة ثمّ محلّلة نفسانيّة، وهي إلى ذلك مناضلة في مجال حقوق الإنسان، وحقوق الإنسان للنّساء والتّنمية المستديمة، وضحايا الحرب والتّعذيب والعنف. وهي أيضا ممثّلة الجمعيّة الدّوليّة للتّحليل النّفسيّ بالأمم المتحدة، ورئيسة سابقة لمؤتمر الجمعيّات غير الحكوميّة ذات الصّفة الاستشاريّة بالأمم المتّحدة (CONGO).

{{من مؤلّفاتها}} :

-*الاشتراكية والسّلطة بمصر (بالفرنسية) أطروحة 1972

-*The Future of Prejudice: Psychoanalysis and the Prevention of Prejudice 2007

{{>كيف يمكن أن تتحدّثي اليوم عن مسارك المعرفيّ من مصر إلى الولايات المتّحدة، ومن تدريس الحقوق إلى التّحليل النّفسيّ؟ ما الذي جذبك إلى هذه المعرفة؟}}

>الذي جذبني إلى التّحليل النّفسيّ هو شعوري عندما كنت طالبة بالرّغبة في أن أرى مصر ومجتمعات الوطن العربيّ ودول القارّة الإفريقيّة تعيش مسيرة التّحرّر الذّاتيّ. كنت أتساءل عن سبب وجود رواسب للتّبعيّة لدى المجتمعات والأشخاص رغم وجود الحركات القوميّة والتّحرّريّة. هناك ربّما حلقة مفقودة تتمثّل في التّوجّه إلى الأفراد. فلا يمكن أن نتوجّه إلى المجتمعات ونهمل الأشخاص. عندها بدأ حبّي للتّحليل النّفسيّ وكنت في أوائل العشرينات من عمري (أوائل الستينات) وكنت طالبة في الدّراسات العليا في فرنسا.

كنت أودّ وأنا في جامعة الإسكندريّة أن تسمح الظّروف بلقاءات أكثر حول مسائل تخصّ الحرّيّات، تخصّ هذا التّحرّر الفرديّ. وقد صدمت وأنا في السّنوات الأولى من دراسات كلية الحقوق بجامعة الإسكندريّة بواقعة تتمثّل في أنّ أستاذ القانون الدّستوريّ خرج معنا للتّظاهر من أجل الحريات العامة ففقد مكانه كأستاذ. كان هذا الحدث صدمة هزّتني.

وفي تلك الفترة كنّا في كلية الحقوق نزور بعض المؤسّسات وكانت تلفت انتباهي المستشفيات التي كانت تسمّى آنذاك مستشفيات “الأمراض العصبية”. وهناك عامل آخر ساقني إلى التّحليل النّفسيّ هو جدّتي (أم والدتي) فقد أدخلتني إلى عالم الحلم عندما كانت تطلب منّي أن اقرأ لها الكتب الصّفراء عن تفسير الأحلام.

{{>أنت عضوة بالرّابطة الدّوليّة للتّحليل النّفسيّ. هل تجاوزت الرّابطة حقيقة صراعها الطّويل مع الجمعيّة الأمريكيّة للتّحليل النّفسيّ من أجل الاعتراف بالمحلّلين النّفسانيّين غير الأطبّاء؟}}

>يمكن أن نقول نعم ولا. نعم لأنّ الكثير من معاهد التحليل النّفسيّ بالولايات المتّحدة أخذت قرارا بقبول غير الأطبّاء، فحصل اتّفاق مع الجمعيّة الدّوليّة في هذا الصّدد (أواخر السبعينات بداية الثّمانينات). ولكنّ الهرميّة النّفسيّة مازالت موجودة، رغم وجود مساهمات جيّدة وعميقة من غير الأطبّاء. الهرميّة في أمريكا يوجد أعلاها الأطبّاء ثمّ علماء النّفس ثمّ المرشدون الاجتماعيون ثم المعنيّون بالتحليل النفسي من غير المشتغلين في الصحّة النفسية. هناك كثير من المؤرخين والقانونيّين والفلاسفة أدرجوا أنفسهم في التحليل النفسي وأغنوه بثراء خاصّ. وهناك لغويّون كثيرون أيضا اهتمّوا بالتّحليل النّفسيّ، خاصّة بعد أن اكتشفوا جاك لاكان في الساحل الشرقيّ للولايات المتّحدة. اليوم هناك محلّلون لاكانيون كثيرون لهم مرضى في نيوورك وباريس، والكثير من المحلّلين يريدون أن يحلّلوا من قبل لاكانيّين.

{{>ما الذي يفسّر حسب رأيك إصرار الجمعيّة الأمريكيّة للتّحليل النّفسيّ على شرط التّخصّص في الطّبّ لممارسة التّحليل النّفسيّ؟ ألم يكتب فرويد كتابا عنوانه “التّحليل النّفسيّ الذي يمارسه غير الأطبّاء” مدافعا عن انفتاح التّحليل النّفسيّ، معتبرا الأطبّاء غير مؤهّلين أكثر من غيرهم لممارسة العلاج النّفسيّ على الطّريقة التّحليليّة؟ ما منزلة التّحليل النّفسيّ الذي يمارسه غير الأطبّاء في بلداننا؟}}

>أعتقد أنّ الأمر يتعلّق بالعنجهيّة ورفض للآخر دون تفكير عقليّ في ما تحمله العواطف. في التّحليل النّفسيّ نحسّ ونفكّر في الحسّ. ديكارت كان يقول “أنا أفكر إذن أنا موجود”. كان أستاذي في التحليل النّفسيّ يقول : كان يمكن للكوجيتو الدّيكارتيّ أن يكون مكتملا لو كان كالتّالي : “أحسّ بمشاعري وأفكّر فيها، وإذن فأنا موجود”. الوضعيّة في بلداننا مأساويّة رغم وجود واحات أي مجموعات من الأشخاص الذين يؤمنون بالتّحليل النّفسيّ والذين أحيانا حلّلوا نفسيّا وينتصرون للتّحليل النّفسيّ في بلدان العالم العربي.

لكنّني أعتقد وأرجو أن أكون مخطئة أنّ هناك عوائق كثيرة تحول دون انتشار ثقافة التّحليل النّفسيّ، وهذه العوائق شخصية واجتماعيّة واقتصادية وسياسيّة. وأملي أنّنا نحن المهتمين بالتحليل النفسي أن نوجد المكان والزمان اللازمين لمناقشة العوامل المؤدّية لحالة الرّكود أو عدم الذّهاب إلى الأمام في التحليل النفسيّ، بحيث نسينا القفزات التي قام بها المحلّلون الأوائل في العالم العربيّ.

{{>ما هي الحلول التي تتصوّرينها لتطوير المعرفة بالتّحليل النّفسيّ في العالم العربيّ، وخاصّة بمصر؟ هل يمكن التّعويل على أقسام علم النّفس بالجامعات، أم على جمعيّات التّحليل النّفسيّ أم على المشتغلين بالطّبّ النّفسيّ؟ هل هناك في العالم العربيّ عدد كاف من المحلّلين النّفسانيّين الذين تلقّوا تكوينا مقبولا؟}}

>أعتقد انّه لا يوجد عدد كاف ممّن تلقّوا تكوينا مقبولا في التّحليل النّفسيّ. ولكن هناك عدد كاف من الذين يجذبهم التّحليل النّفسيّ ويودّون الإقبال عليه. كيف نتيح لهم الفرصة لتحقيق هذا التّوق؟

أحد المفاتيح كما أعتقد هي أن نكوّن المجموعات التي يقبل كلّ فرد فيها اختلافه مع الآخر وحدوده هو، وأن نتفهّم معنى الصراع على السلطة بشكل واع بنّاء لا يهدم الهدف. فالرغبة في التسلط والقوة موجودة فينا جميعا، ولكنّ المهم هو أن نتعلّم كيف نتعرّف عليها في أنفسنا وان نتعلّم كيف نديرها بشكل لا يضع عراقيل أمام الهدف، أي بشكل يكون بنّاء للنّفس والمجموعة التي نقبل أن نكون أحد أعضائها. فأحد الأسباب المأساوية في اعتقادي أنّنا وجدانيّا لم نتقبّل بعد العمل الجماعيّ. الأنا تسود للأسف.

{{>التّحليل النّفسيّ معرفة معمّقة تتطلّب الكثير من الدّقّة والرّهافة. الدّقّة والرّهافة كثيرا ما يغيبان في ممارسة هذه المعرفة وفي الكتابة فيها في العالم العربيّ، بحيث نقف في الغالب على صور كاريكاتوريّة للتّحليل النّفسيّ. ما السّبب؟ هل يمكن حصر هذه الفجاجة في مجموعة من مظاهر سوء الفهم، أو مجموعة من الأفكار المسبقة؟}}

>لديّ حنين إلى فترة الأربعينات وجيل الأربعينات حيث كانت حركة التّرجمة من كلّ اللّغات نشيطة. لا أدلّ على ذلك من أنّ العملاق نجيب محفوظ قرأ أمّهات الرّوايات الحديثة مترجمة إلى العربية. ولكنّني أرى حاليا اهتماما متجدّدا بالتّرجمة بل قفزة في بعض البلدان العربيّة. هذا الجهد يحيي فيّ الأمل عسى أن تجد الأجيال الجديدة نصوصا هامّة منشورة ورقيّا أو على الأنترنيت توسع بها ثقافتها.

التحليل النّفسيّ في حدّ ذاته هو دائما مجال غير معروف رغم أنّه مجال معرفة. لم تلق عليه إضاءة جيّدة عليه وبشكل فعّال، لأنه معرفة تتعلق بمجالات أهمها اللاشعور. فالمعرفة التّحليليّة عمليّة مستمرّة. كأن الأمر يتعلّق ببينلوب إذ تنسج وتحلّ نسيجها، لكن من حيث أنّ هذا الحلّ عمليّة بنّاءة.

وفي العالم العربيّ ما زلنا في مرحلة من المراحل الأولى من هذا العلم. يكفي دليلا على ذلك أنّه لم يترجم إلا القليل من كتابات فرويد ومن تبعه إلى العربية. والأجيال الحاليّة للأسف لها معرفة باللّغات الأجنبية محدودة جدّا.

{{>كيف تتصوّرين التّرابط بين التّحليل النّفسيّ وحقوق الإنسان؟ ألا توجد بعض مجالات الاختلاف والتّوتّر بين المجالين (فيما يتعلّق بالتّروما وبالاعتداء الجنسيّ، وبالطّبيعة الهواميّة أحيانا للاعتداء الجنسيّ…)}}

>أنا اعتقد أن التحليل النفسي أحد المفاتيح المهمّة للتمكين والاستقلالية التي تؤكد حماية حقوق الفرد وتسهل للفرد حماية نفسه من الغرائز التدميرية. الشخص يتعلم أو من المفروض في أغلب الحالات أنّه يتعلّم الأمل من التحليل النفسي. لكن بالطبع يجب أن نبرز التفرقة بين عالم الواقع كما هو وعالم الخيال. ولن نجد المصالحة إلا عن طريق مناقشة هذه الأمور بصدق وأمانة وعن طريق تقديم حالات واقعيّة تقع في مجال تعدّد الاختصاصات حيث يتعلم كل منّا من الآخر من أجل حماية حقوق الأفراد والجماعات.

{{>ما هو مجال التّعاون بين الرّابطة الدّوليّة للتّحليل النّفسيّ والأمم المتّحدة وما هو آفاقه؟}}

>منذ سنة 1997 حاولنا أن نحصل على الصفة الاستشارية لدى الأمم المتّحدة، وحاولنا أن نندمج مع اللّجان التي تعمل في المجالات التي تهتمّ بحقوق الإنسان للمرأة وحقوق الطفل ومناهضة العنف والتّمييز وتحقيق العدالة الاجتماعية ونزع التسلّح والتعرّف على مداخل لحلّ النّزاعات. وقد عملنا مع هذه اللجان في ورشات نظّمتها الأمم المتحدة أو نظمناها نحن في نطاق الشراكة.

المسيرة طويلة وبطيئة لإدماج المعرفة التي تلقّيناها في التحليل النفسيّ في مجالات التنمية البشرية. أحيانا نخطو خطوات واسعة وأحيانا نتوقّف ولكنّ العمل متواصل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This