مائويّة كلود لفي-ستروس (8): بين ليفي ستروس والتحليل النفسي (2/2)- أولفييه دوفيل Olivier Douville – ترجمة: كمال الزغباني

أولفييه دوفيل: محلل نفساني، وعضو الجمعية الفرنسية للأنثربولوجيين. وقد خصّ الأوان بهذه المساهمة التي يتناول فيها العلاقات المعقّدة بين التّحليل النّفسيّ والأنتروبولوجيا، وبين فرويد ولاكان وكلود لفي-ستروس.

حالما يُستنفذ بُعد الخصومة في التقابلات فإن واقعة عنيدة تلحَ وتحيل إلى تاريخ الفكر: أنّ نظرية ليفي-ستروس البنيوية قد لجأ إليها لاكان باعتباره محللا نفسانيا. لقد تم هذا الاعتماد لأنه كان ضروريا، بل عاجلا تقريبا، كان على لاكان أن يقدَم مفهوما مُرضيا عن اللاشعور دون اختزاله في المكبوت.

      يتزامن الحوار المخصب بين لاكان وليفي ستروس والذي دام حوالي العشرين سنة مع منعرج بنيوي بيَن في عمل لاكان ذهب به إلى أطروحة أولوية الدال وهي الأطروحة التي لن تصمد كثيرا فيما بعد، أمام مساواة سجلاَت الواقعي والخيالي والرمزي. لكن قبل ذلك كان لاكان يقرَ ضمنيا بتأثَر أعماله بأطروحة ليفي-ستروس التي وقعت صياغتها سنة 1950 بمناسبة تكريم مارسيل موس والتي مفادها أن الرموز أكثر واقعية ممَا ترمز إليه، وهو ما يحمل الأنثربولوجي على استنتاج أن «الدال يسبق ويحدَد المدلول».

      لقد أمكن تماما للاكان أن يجذَر هذه الإوالة التي للدال عبر أطروحته المقتصدة القائلة بالبنية باعتبارها بنية ما. وهي الأطروحة التي تعبَر عنها، لدى بعض اللاحقين، الصيغة السائدة: يمثل الدال ذاتا لدال آخر («انقلاب الذات وجدل الشّوق في اللاشعور الفرويدي»، كتابات، صفحة 819). إن طرحا مماثلا يفترض أربع عمليات منطقية هي بمثابة الأطروحات. أوَلها تلك التي تعني أن الدال يتمثل. إنه أكثر أو أقل من حضور، إذ إليه ينشدَ لغز الحضور. يتمثل الدال بالنسبة لشيء ما، أي، يتابع لاكان، لدال آخر. لِتُغفلِ الذات إذن إن لم تكن غير ما لا يمكن للدال سوى تمثَله، ولكن بالنسبة لدال آخر. ما يستخلص من ذلك…ينبغي أن يكون كافيا للدال المترابط أن ينخرط في تمفصلات جدَ بسيطة وعندها نمرَ مباشرة من مجرَد نظام تأليف إلى نظام ذات اللاشعور باعتبارها أثرا للبنية.

      حتى يتم إنجاح هذا الغرض الذي على درجة عليا من الأناقة، تقدَم بنيوية ليفي-ستروس عونا حسنا لبنيوية لاكان وتسبقها. ولئن كان التحليل النفسي بما هو علم الفرادة، إذ يُفرغ مع لاكان مفهوم الذات من كائن نفسي يملأها، يبقى معنيا بمنزلة الذات داخل البنية، فإن ما يهم هنا هو أن هذا الاختيار لأولوية الدال على المدلول، وهو الاختيار الذي يأتي به لاكان من متن ليفي-ستروس، يؤدَي إلى خيارات كتابة تنأى عن كل سردية. لنأخذ صيغة الراضوم  (mathème) عند لاكان أو الصيغة السائدة للأسطورة وهما من أكبر لحظات الكتابة النظرية في البنيوية. هاتان الصيغتان، كما سنرى فيما بعد، يتنافران مع الطريقة المعتادة التي يحدَ بها الرأي المتداول البنيوية بما هي علم مجموعات التحوَلات المُنشأة انطلاقا من نقائض ومن أزواج من التقابل.

      إن الطريقة التي كانت للأنثربولوجيا “الليفي-ستروسية” في تناول الرمزي عبر الأساطير والطقوس وقواعد القرابة تقوم في لحظة أولى على إظهار علاقات التناظر والتعارض والقلب التي تؤسس الحكايات الأسطورية وعلى بيان أن هذه العلاقات لا تشكَل نسقا إلا إذا أُخذت بعين الاعتبار مختلف التنويعات على الأسطورة الواحدة إلى جانب التحوَلات التي تسمح بالمرور من مجموعة أساطير إلى أخرى. ومع أن كل حياة مخصوصة للأسطورة تملك عمقا يجعلها كنزا، فإن الدوام الأصلي لواقعة أن لا شيء ظاهر من سرديَتها، يفترض، انطلاقا من التحليل البنيوي لتركيبتها، أن نعود إلى دراسة الآليات المرفوجينية للإكراهات الأكثر عمومية للثوابت البنيوية. بعيدا إذن عن أن تُختزل في ملحمتها فإن الأسطورة تصبح نموذجا منطقيا وظيفته حل التناقضات. كيف تتوسَل الأسطورة إلى ذلك إذن؟ ها أن حماستها ليست حماسة الساحر بل حماسة المنطقي. إن توقَدها وضرورتها –اللذيْن لا يمكننا إقرارهما إلا باعتبارهما مصدر نجاعتها الرمزية- تظهران  في صرامة تراكبها وفي الطابع المألوف والناجح لقواعد بنائها.

      إن رغبة ليفي-ستروس في تسطير تعبيرة مباشرة لصيغة تضيء في الوقت ذاته بنية الأساطير وبنية الاجتماعيَ قد أثمرت الصيغة المعتمدة للأسطورة. فالبنية المضاعفة للأسطورة باعتبارها تاريخية ولا تاريخية في الآن ذاته، تجعلها راجعة بالنظر إلى مجال الكلام وإلى مجال اللسان في الآن ذاته. وهكذا فإن الوحدات التكوينية الكبرى لمنطق الأسطورة سيتم البحث عنها وإيجادها باعتبارها سطوحا جزئية “لحُزمات” من علاقة. وتأخذ العلاقات قيمة دالة عبر تظافرها بعضها مع بعض.

      إن الأسطورة باعتبارها أكثر وباعتبارها شيئا آخر غير أن تكون مجرَد حكاية، تكثَف وتنظَم المسارات والاستراتيجيات التي تسمح للبشر وللمجتمعات بصنع النقيضة والفارق وبمضادَة اللامتفرَق الذي يهدَد بتحطيمه وبالرجوع إلى سلم خطيرة لأبدية بلا بداية. تفسَر الأسطورة دقة اللغة وهي تستدعي لهذا الغرض قوة التسمية. إنها تجعل من العالم حلما للجسد لا مجرَد إسقاط لبعده العضوي. ويعود الفضل إلى ليفي- ستروس في الاستناد إلى تحليل الأساطير بغاية استخراج إكراهات أكثر عمومية ذات ثبوتية بنيوية.

      ومع ذلك فإن الصيغة التي تبناها ( د ه (أ) : د ي (ب) :: د ه (ب) : د أ ـ 1 (ي) ) والتي يشير فيها الحرفان أ و ب إلى حدَين والحرفان ه و ي إلى دوال (قضوية- تدقيق المترجم)، و أ ـ 1 إلى نقيض أ، هذه الصيغة هي أكثر معمارية من أن تكون مجرد صيغة تظافرية. إنها تفترض لا فقط أن تكون منسوخة عن التظافرية الأصلية التي لمجموعة من مجموعات كلاين، وإنما تقرأ فيها أيضا طيَة داخلية لا يمكن أن يكون لها تمثَلٌ توبولوجي من نوع قارورة كلاين. إن الشامة التناظرية التي كثيرا ما اعتمدت من قبل فرويد في التوازي الذي حاول إقامته بين الوقائع النفسية والوقائع الثقافية تجد نفسها مستبدلة عبر مجموعة كاملة من عمليات الطيَ. وبالفعل، فإن الأسطورة إذا كانت حكاية وإذا كانت، بما هي حكاية، تغوي الحديث وتفتح من ثمَة على إمكانية فضاء طقوسي وأُضحوي فإنها قبل كل شيء شحنة دالة هدفها هو ترك أشد النقائض تمايزا أبعد ما يمكن.

      تتخلق بين الحدود الوسطى تقابلات. ومن ثمَة ينشأ مسار توسَُط انطلاقا من نظائر متماسكة تدرج بين هذه الحدود المتعارضة على طول الخط تقابلات أكثر فأكثر ضعفا. هذا ما يصدق على التقابل بين “طفل” و”سلف” معدَلا ومتوسَطا بفواعل تقول، عبر ثنيها، أكثر ما يمكن من التقابلات بين البنوَة (طفل السلالة) وبين التلقيم (طفل اللقاء، وليد لحظة غير ثانوية بين رجل وامرأة. إن معنى المحرَم في مضاجعة المحارم سيكون عندها جعل الطفل ممكنا عبر إحداث فراغ في الصلة بالسلف – وهذا يبعدنا عن المفاهيم الفرودية من دون أن يناقضها. هذا الفراغ سيتم إقراره والاحتفاء به في الاختزالات التي تفعَل الأسطورة. في هذا التقابل بين الطفل والسلف تتظافر وتتقابل متغيرتان كبريان: إنهما المتعلَقتان بالوظائف المتباينة لكل من الإنجاب (البنوَة) والتصاهر (زواج الأباعد).

      ومع ذلك فإن التوسط لن يكون كاملا ولا ناجعا إذا كان الأمر لا يتعلق سوى بإحداث توال بين متقابلات ثتائية. ويوضح ليفي-ستروس أنه في كل مستوى من مسارات التوسط هذه يستبدل الفكر الأسطوري تقابلا أوَل معطى، لا بتقابل أضعف ومن درجة ثانية، وإنما بثلاثية مشكَلة من هكذا تقابل منضافا إليه حدَ أوسط. لهذا فإن الفكر بويبلو (Pueblo) يدرج ثلاثية أولى مركَبة من التقابل بين “فلاحة” و”حرب” ومن الحد الأوسط الذي هو “الصيد”. إن الفكر بويبلو، مثله في ذلك مثل الفكر الإغريقي، ينظر إلى الحياة الإنسانية بمقياس الحياة النباتية: هو إذن ظهور خارج الأرض، إذ تحيي الفلاحة الولادة عبر الظهور. فهي إذن مصدر غذاء وبالتالي مصدر حياة. لكنها ليست سوى موسمية وكل تداول يذكَر بالتداول بين الحياة والموت، كما أن حصاد ما بُذر هو الحركة المعاعكسة التي يأتيها البشر الذين إذ يوارون أمواتهم. بين الحياة والموت تتموضع كل من الفلاحة والحرب، تعملان الواحدة مع الأخرى والواحدة ضد الأخرى. هذا الثنائي التوسطي الهش الذي يضيف خيطا تناظريا إلى طرفين من الوقائع ينبغي أن ينشدَ هو نفسه إلى إكراه رمزي آخر. بين هذين المتقابلين الأدنيين يوجد حد ثالث: الصيد. هو حدَ أوسط إذن، يشارك في هذا القطب وفي ذاك، فالصيد يدمَر ويعطي الحياة.

       على أي سطح يمكن أن يُعكس هذا التناظم غير الثنائي لصيغة مماثلة شأنها أن تربط وأن تتجاوز نظام النقائض. إن الخيال التقليدي لبُعد يقيم تواليا من النقائض لا يلاءم ولا يكشف على نحو مطابق التخييل العادي للانتماء: الدائرة التي لا تكف أبدا عن قلب الحدود وعن جعلها تتوازن بعضها في بعض، بعضها بفعل بعض ودون خسران. وباختصار فإن النموذجين المباشرين الذين عن طريقهما نسعى إلى توزيع مكاني لبنيوية مشدودة إلى تقابل صدامي بين النقائض لا يبدوان قابلين للاستعمال إذا حاولنا أن نعكس هندسيا ومنطقيا صيغة ليفي-ستروس. ذلك أن الصيغة لا تناظرية. فوضعها النهائي يترابط مع وضعها الأوَلي عبر مسار الطيَ.

      إن الإكراهات المرفوتكوينية للأسطورة تتموقع إذن داخل كتابة تلقي الضوء على هشاشة التقابلات التي تنشئها، بحيث تظهر الأسطورة لا باعتبارها حكاية ساكنة مقدسة وتدشينية وإنما عبر تراكم لمجموع موارد التفريق التي لا تكف، حتى تتمفصل، عن ملامسة نقطة فنائها وكارثتها.

      بمعنى آخر فإن انبثاق نظرية معلنة في الأسطورة يعدَل العلاقة التي أقامتها الأنثربولوجيا مع نظام التقابل والسلب. ومن ثمَة فلن يعود هناك أي شيء ثابت على أنه تقابل أقصى في تباين مع تقابل أدنى.

      لا شك أنه سيكون من باب المغالاة أن نرى ذات المسار لدى لاكان القائل بالطوبولوجيا وبالراضوم. سنؤكَد مع ذلك على كون لاكان لا يسطَر بدوره معاينة ثنائية تقيم تقابلا، في الصيغ التي تلقي الضوء على الصلة بين الجنسي والتمتَعي، أي الصيغ المسماة تجنيسية، بين مجموعة تسمى “رجلا” ومجموعة تسمى “امرأة”. إن وضع أي كان في علاقة بالمتعة الجنسية يتحقق دون أن تخضع هذه الأخيرة إلى تقسيم يكون من خلاله لكل جنس متعته.

      بهذا المعنى فإن الصيغة المخوَلة أو صيغ التجنيس لا تقيم تعارضا أساسيا للنقائض وإنما علاقات تسلسل لقوى لا متناظرة أو ذات بعد كارثي. يتقابل الكلام مع فنائه وتستبعد الأسطورة اللامفرَق لكنها تفعل ذلك عبر تقابلات يمكنها أن تلوذ بعضها ببعض داخل نقاط كوارث.

      تبدو كل بنية مسكونة بعنف تحاول تجنَبه ولكنه يعيش داخلها ثاويا. ومن البيَن أن اللاتناظر واللاثابت هو الذي يشكل قلب الرحى في عدد من بحوث ليفي-ستروس. إن كتابة التبادلية ليست شيئا من دون كتابة إكراه ضمني آخر يلعب دور البعد الثالث. إذا كانت قرية البورورو (Bororo) بالبرازيل تكتب تبادلية وتعاضدا بين الجزين، فإن هذا التناظر المتوازن يُكره ويكذَب من قبل تنظيم آخر، ثلاثي الأطراف، وأقل بروزا للعيان ولكنه أكثر إلزامية من جهة ضبط قواعد الزواج. كما أن قرية وينَباغو (Winnebago) بأمريكا الشمالية ليست هي نفسها كما يرسمها المحدَِثون المنتمون إلى نصفها العلوي (حسب القطع القُطري) وكما يرسمها أولئك المنتمون إلى النصف السفلي (حسب القطع الانحنائي).

      هذا النوع من التنافر الذي هو تحديدا ما لا يمكن صياغته جدَيَا من قِبل التصوَر الوظيفي، هو ما سيمكَن الأنثربولوجي من فهم بنية المجتمع المعني عبر تركيز كل اهتمامه على ما يستبعده العلم الوصفي.

      أي منطق هو ذاك إذا؟ ما محاولة الكتابة لدى ليفي-ستروس إن لم تكن محاولة كتابة وشكلنة وموْضعة ما لا يكف عن عدم التمأسسس على نحو ظاهر، إنه واقع أو صوت أو بعد إضافي.

      لئن كان الصوت هو ما لا ينكتب فإن الموسيقى هي ما شكَل بالنسبة لليفي-ستروس نموذج هذا اللاتناظر المتعاضد والمُكره بين ما يُشكلن إلى أقصى حد وما لا يكف عن أن ينكتب. إن البعد المخفي للتحليل البنيوي، هذا الاكتشاف الأساسي الذي يفعَله الإنسان الباحث عن كتابة عالمه ضمن عنف التقابل الثنائي تحت التباينات الخطية لبُعد ثالث، هذا البعد المخفي ينضاف إذا إلى الصوت والكلام وإلى موسيقى البنية ذاتها.

      إذا كانت هناك بنيوية لدى ليفي-ستروس فإنها ستحيل إلى الحلم المثمر لتلك اللحظة الأسطورية حيث يرفع الإنسان التباينات التي يقتلعها من البداهة الطبيعية إلى مصاف الأسطورة والسر، في حنين مرعوب أحيانا إلى الأصل وإلى الهباء. فالحديث والصوت والمتعة هي، كما عند لاكان الفواعل الأولى في المقاومة من أجل تفريقٍ لا يُتمَ شيئا ولا يُشكْلن كل الأشياء.

     ترجمه عن الفرنسية   

       

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This