مائويّة كلود لفي-ستروس (10) كلود لفى-ستروس:الفكر الأوروبيّ ثمرة الاتصال بين شعوب وثقافات مختلفة – ترجمة: أحمد يماني
حاوره في باريس أوكتابيو مارتين عام 2005 وكان لليفي ستروس من العمر سبعة وتسعون عاما آنذاك.
عندما كنتم تدرسون كانت المركزية الأوربية تطبع كلّ الخطابات. تهيمن الآن التعدّدية الثقافية والهجين الثقافيّ. أيّ انطباع يولّده لديكم هذا التغير؟
ما ندعوه بالفكر الأوروبيّ، حضارتنا، ليس إلا ثمرة الاتصال بين شعوب وثقافات مختلفة في القارة الأوروبية ولكن أيضا رحلاتنا. كانت أوروبا دائمة قارّة هجينة، كي نستخدم المصطلح ذاته. إنّ الفارق الكبير الذي رأيناه في القرن العشرين يتمثّل في ثورة الاتصالات. ما كان يحتاج قبلا أسابيع أو شهورا في سفينة مثلا فإنّه الآن يقطع المسافة في عدّة ساعات. التهجين والانصهار يحتاجان وقتا كي ينضجا، لكن التسارع غير العاديّ للقرن العشرين لا يترك وقتا لتمثل تأثيرات الآخر.
هل يكون هذا التهجين الشهير نوعا من الإيديولوجيا تخفي تحتها شكلا آخر من أشكال الاستعمار؟
هذا ما تقوله أنت، ولكنني لن أقوم بتكذيبه. إنّ سؤالك يضع يدنا على تناقض أساسيّ. ليس كلّ ما يتمّ وصفه، على سبيل المثال، في الجرد الطويل للـ “التراث الإنساني” إنما يتمّ لدواع نقيّة. إنّ القلق من الإيرادات الناتجة عن المدّ السياحيّ يلعب دورا كبيرا في سلوك الدول.
إن فكرة إملاء الفلسفة، البرنامج نفسه كلّ عام، قد دفعتكم منذ سبعين سنة إلى الذهاب إلى ساو باولو…
كان يقال عن ساو باولو في ذلك الحين إنها مدينة خطرة لأنّه يمكن أن يضربوا لك موعدا على ناصية غير موجودة عندما تصل أنت، ولكنها تكون قد شيّدت حينما يصل الشخص الذي ضرب لك الموعد. كانت هناك إمكانية أن أرى مدينة تنمو أمام عينيّ وأن أحضر في ظرف سنوات قليلة وشهور وأسابيع هذه العملية التي كلفت أوروبا أعواما. في عام 1935 كانت هناك شركة انجليزية للسكك الحديدية تقوم بمدّ خطّ جديد في ولاية باراناه وكانت تنمو مدينة جديدة كل خمسة وعشرين أو ثلاثين كيلومترا. كان للمدينة الأولى حينذاك ألفا نسمة ومنذ وقت قليل قاموا بدعوتي إلى العيد الخمسين للمدينة ولديها الآن مليون نسمة. المدينة الثانية كان لها بعض المئات من السكان، والثالثة ثلاث دستات والتي كانت حينذاك الأخيرة في التخطيط كان لديها ساكن واحد، فرنسي مغامر.
في رحلتكم الأولى للداخل، كان لقاؤكم بشعب البورورو ثمرة رحلة علمية في وقت العطلة.
نعم. كان الأمر يتعلق بمجتمع لم تُمسَّ ثقافته المادية، ولا يزال موجودا فيها فنّ للريشة فوق العادة، مجتمع ذو تنظيم اجتماعيّ شديد التعقيد والغنى.
متى تحصلتم على نتائج من هذه الرحلات العلمية؟
ما كان في الحقيقة أو ما كان يمكن أن يكون الإتنولوجيا إنما تعلّمته في وقت لاحق، في بداية حقبة الأربعينات، في المكتبة العامة لنيويورك، بعد أن هربت من فرنسا فيليب بيتان. هناك، وأنا أقرأ، أتممت إعدادي كإتنولوجي. دون الاحتلال الألمانيّ كان يمكن لمصيري أن يكون آخر. بعد الهدنة حاولت العودة للبرازيل لكنهم لم يعطوني تأشيرة.
كنتم تمزحون قائلين إنكم قد اكتشفتم البنيوية قبل القراءة…
نعم، ولكن المثير أنّ واجب الزواج من الأباعد هذا، والبحث عن زوج خارج الإطار العائليّ الأكثر ضيقا، يمكن أن تكون له أشكال متباينة. في مصر القديمة كان الزواج بين أبناء العمومة مقبولا، في حضارات أخرى وفي حالة موت الزوجة فإنّ الزوج يكون مجبرا على الزواج من أختها؛ في حضارات أخرى فإنّ العرف يرسخ درجات أخرى من القرابة. ثمة في الطبيعة قوانين يمكن أن تكون كونية ودائمة، وإذا وجدنا في الحضارة قواعد يمكن أن يكون لها هذا الطابع الكوني نفسه فإنه يمكننا إذن أن نفهم أفضل الخطوة من الطبيعة إلى الثقافة. وهذا ما يهم تابو المحارم.
في إحدى المرات حملت الحركة الطلابية في مايو 1968 مسئولية فقد المكانة الجامعية للبنيوية. وقد وجهت اتهامات كثيرة ضدّ هذا التيّار…
أخذت على البنيوية أنّها لا إنسانية، ويبدو هذا حقيقيّا في الظاهر. إنّ من المستحيل على أيّ إتنولوجيّ عدم الأخذ في الاعتبار التدمير الممنهج والوحشيّ الذي قمنا به نحن الغربيين ضدّ الثقافات المختلفة عنّا منذ عام 1492 على الأقل. ليس ممكنا فصل أو عزل إدانة التدمير هذه عمّن هم ضحايا اليوم من أنواع حيوانية ونباتية وكلّ هذا باسم الإنسان كملك وسيّد لهذا العالم. إنّ التعريف الذي تضعه النزعة الإنسانية الكلاسيكية للإنسان إنما هو شديد الضيق، تمثّله ككائن مفكّر بدلا من التعامل معه ككائن حيّ والنتيجة أنّ الحدود التي تنتهي عندها الإنسانية إنما هي مفرطة القرب من الإنسان ذاته.
كذلك أعلنتم مرات ومرات عن قربكم من الشكوكية.
جاءت الشكوكية مع التقدم في العمر. إنّ العرض الذي يقدمه العلم المعاصر يدعو إليها. طوال القرن العشرين تقدّم هذا العلم أكثر بكثير من كلّ القرون السابقة، تسارع هائل في إنتاج المعرفة، وفي الوقت ذاته، فإنّ هذا التقدّم المدوّخ يضعنا أمام هوّة سحيقة، كلّ اكتشاف يطرح علينا عشرة ألغاز، بحيث إنّ الجهد البشريّ يكون مشرفا على الفشل. ولكن من الأفضل أن يكون كذلك.
