إسلام التنويرأم تنويرالإسلام؟

أقرأ بكثير من الاهتمام المقالات التي تتطرق لــ “إسلام التنوير”. لا أخفي أنّ الموضوع يستفزني أيما استفزاز. ” إسلام التنوير”؟ ماذا سيكون ردّ فعل عقلانيّ فرنسيّ لو قرأ عنوانا كهذا : ” كاثوليكية التنوير”؟ سيضحك حتما ويستهجن الجمع بين الكلمتين. أمّا معظم المسلمين فيرون في الأمرضحكا على الذقون ويتساءلون عن معنى ذلك التنويرالعقلانيّ الذي يؤمن بالتثليث؟ أمّا بشأن ” يهوديّة التنوير” فلا يجد القاريء كبيرعناء لمعرفة رأي المسلم في الأمر، يكفي ذكرحائط المبكى لنفي كلّ تنوير عن ديانة بني إسرائيل.

لكن في حالة ما إذا تعلّق الأمر بالإسلام فكلّ شيء ممكن. يطرب البعض للجمع بينه وبين التنوير ويعمل البعض الآخر جاهدا من أجل تبيان ذلك الزّواج المصطنع بين العقل والنقل. لا يرى القوم في ذلك أدنى حرج إذ أنهم على يقين بأنّ دينهم دين العقلانية والتنوير. فإن كان هناك تناقض ما فلا يعدو أن يكون، في زعمهم، سوى سوء فهم مردّه عدم فهمهم الحقيقيّ لدينهم لأنّهم في غير مستواه، لم يهضموا العبقرية الكامنة فيه بعد. فالعيب فيهم لا في تراثهم الدينيّ، فهو منزّه وهم المخطئون. “لم نقرأ القرآن قط”1، يقول لنا يوسف الصديق دفعة واحدة ومن عنوان كتابه. فهل صحيح أنّنا لم نقرأ القرآن أم العكس هو الحاصل: لم نفعل شيئا سوى قراءته؟ لقد قتلناه قراءة بل عصرناه عصرا. فمهما كثرت القراءات والإجتهادات فلن نغيّر من الأمر شيئا. فماعسانا نجد فيه غيرما يمكن أن يحمل من ثقافة القرن السابع الميلاديّ؟

يخيّل للمرء وهو يتابع ما يُكتب عن ‘ إسلام العقلانية ‘ والتسامح والتنوير والسلام والحوار بين الأديان..أنه ينصت ويقرأ عن دين آخر في قارّة أخرى وضمن تاريخ آخر ومنطقة جغرافية غير التي يعرف. لكن إن كان الإسلاميون ومن لفّ لفّهم يخوضون بهذا معركتهم الإيديولوجية الأخيرة ضدّ الحداثة التي يرونها خصما بديلا لأوهامهم، فلست أدري ما هي أهداف من يدّعون العقلانية ويؤمنون في نفس الوقت بعقلانية الإسلام؟ فهل هو تكتيك الحداثيين بغية تقريب المسلمين من العصر دون أن يصدموا مشاعرهم بحكم أنهم يعرفون مسبقا أنّ المسلم لا يقبل أمرا متناقضا مع دينه؟ لكن أليس هذا تأجيلا لما هو قادم حتما؟ لماذا نتمادى في ترقيع ما لا يرقّع؟ ألا يجب التصارح اليوم قبل غدٍ، قبل تفاقم الأمور؟ متى نفهم ونُفهِم الناس أنّ الأصولية هي أزمة الإسلام وليست أزمة في الإسلام؟ لقد كذبنا بشأن هذا الدين بما فيه الكفاية. قد حان الوقت للاعتراف أنّ الإسلام والحداثة خطّان متوازيان لا يلتقيان أبدا. وذلك لأسباب بسيطة لا يدركها سوى أولائك الذين لا يريدون إدراكها.

ألا يعرف من يلعب لعبة التوفيق الدائم أنّه يكرّس في وعي الناس وفي لاوعيهم أنّ ” لا تنوير خارج إطار الدين الإسلاميّ” ؟ ألا ينبغي أن نتحمّل مسؤوليتنا الأخلاقية وما ينجرّعنها ونبتعد عن ثقافة النفاق والمجاملات ونجهر بآرائنا الحرّة حتى وإن صدمنا غيرنا بما نعتقد أنه الحقيقة: لا تنوير دون استبعاد الدين من الحياة العامّة. لا يمكن أن تقوم للإنسان العربيّ قائمة مادام لم يدرك أنّ أوّل عائق يقف أمام تقدّمه هو تشبّثه بتعاليم دينية باتت متناقضة قلبا وقالبا مع روح العصر. ماذا يعني أن نقرأ اليوم عن مجلس إسلاميّ أعلى في الجزائر يقوم بإنجاز تقريرعمّا أسماه ‘ النشاط اللائكيّ المشبوه في الجزائر’، قاصدا الفكر التنويريّ العقلانيّ مجلس يرأسه من تولّى لسنوات عديدة رئاسة معهد الفلسفة بجامعة الجزائرمحاربا للعقلانية، ورئيسا لاتحاد الكتاب الجزائريين سنوات عدة دون أن ينشر ‘حدوثة’ واحدة ؟

لا فائدة ترجى من مثقّف عربيّ يمضي حياته كلّها وسط هذا الخراب دون أن يزعج أحدا، مكتفيا بحقيقة مجمع عليها بدل حقيقة مبرهن عليها. ألا ينبغي أن تكون قضيته الأولى هي تفكيك وتعرية الوهم الدينيّ الذي يشحن الناس بإرادة كبيرة في عدم الانتماء إلى عصرهم؟ في هذه اللحظة السيولوجية الحاسمة، هل للمثقف العربيّ خيار آخر في التعامل مع الدين غير كونه إيديولوجيا سائدة، بمعنى وعي غير واع ؟

منذ ابن رشد وتأكيده على ما بين الشريعة والعقل من اتصال، مرورا بما سمّي بفكر النهضة الداعي إلى ضرورة العودة إلى أصول الدين الصحيحة ووصولا إلى مالك شبال ذاك الذي وجد عن طريق اللغة الفرنسية كلّ شيء في الإسلام، الجنس والحبّ والعقل. وانتهاء بعبد الوهاب المؤدب الذي ما زال متماديا في اعتبار الأصولية مجرّد علّة في الإسلام قابلة للشفاء..لم تفعل هذه الإصلاحوية السائدة سوى انتقاد تأويلات مفترضة خاطئة للإسلام ولم تقدّم أدنى نقد ابستمولوجيّ لنظرة الإسلام للعالم والإنسان، بل أخطر من ذلك لا زالت لا تفرّق عمدا بين الإسلام كإيديولوجيا والحضارة العربية المتحقّقة على أرض التاريخ. رغم امتلاكهم لأدوات البحث المعرفية الغربية، لم يتجرّأ أحدهم على تحطيم أسطورة “الإسلام صالح لكل زمان ومكان” فحسب بل إنّ كتاباتهم تؤكّد تلك الأطروحة الأصولية، فهم وإن لم يشعروا، خدموا مشروع الدولة الثيوقراطية الإسلاميّ.

متى يأتي المفكّر العربيّ الذي يعلن القطيعة ويحمل الخبر السعيد: ” فصل المقال في ما بين الشريعة والعقل من انفصال”؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This