وماذا يهم إن كانت هي الرؤيا؟؟

لوحة للعراقي اسماعيل خياط
بعنوان المرأة العصفور

 

 

 

1

        أمامي  سفينة تغرق، وورائي   ساحة التحرير، الميدان  الذي  لم يتبق فيه من الحرية  إلا   ملحمة   جواد سليم    الرخامية   ( نصب الحرية)، بقي الاسم والنصب  وهربت الحرية وطوردت  في أزقة بغداد   مذ أطلق  انقلابيون  الرصاص على النصب  ذات  شباط   فسقط جسد الحرية مضرجا بالكراهية، الحرية   التي  أرعبت  العسكر  لا تزال  مطلوبة   حية أو ميتة  في  جسد  الحياة  وأنثى التحولات، مطلوبة  في البلد الذي  حرست  بواباته  عشتار وسميراميس   ونيسابا  وبو آبي  اللائي  تمّ حرقهن   في احتفال جاهليّ  ليعاد  اختراع البلد   من النفط والدم وعداوات الطوائف، لم نكن   نعلم أنّ الحرية  تنتمي كعشتار – لطائفة  موصومة بالكفر حتى رأينا  النساء مذبوحات ومعلّقات على  مداخل  المدن  وعند  مصبّات الأنهار..

    أقف  وساحة التحرير ورائي  مأهولة  بالرعب   والدبابات  والنساء الملفعات بالسواد،  أشجار  الصفصاف  تنوح  على الضفاف   وسفينة  نوح – زيوسيدرا   تغرق  في  اليمّ  ولا تلوح منها سوى  قلوع ممزقة،  تغرق  السفينة  بمن فيها  والكل   يفتك  باللحظة  الممكنة  والكلّ  يطعن  الوقت  فيغرق  الجمع  في  اللجّة  ..


    دخان الأمم   يطوّق المرأى  وأنا أطوف   بالبلد  الذي لفّقوه  توّا  من نفط  ودم  وأهواء  وخرافة  والبلد  يتلبّسني كالجنون  وينشب  براثنه في ذاكرتي  فلا أجد  فكاكا  من  اشتباك مصيري به  حتى  الهلاك، ذي  أجسادنا  مصنوعة من نفط  ودم   ورؤى،   مثل البلد   إلا قليلا، فنحن  لا  نشبه  إلا البلاد التي   اكتمل  جنونها، البلاد التي ليست  لنا،  البلاد التي ليست لأحد، من يظنّ أنه يمتلك العراق واهمُ   فهو ملك  الدهر  وسليل   المياه، النفط   هو الملكية الوحيدة  الممكنة  من جسد البلاد، لذا  أهدروا  الدم   والكلمات  والأهواء  وحظروا الحياة   وبقي  النفط   يسيل أبعد  من أحلامنا  ليتفتح   ترفا في  جهات   الآخرين، النفط   لحم  الجسد ولحم البلاد وهو  ليس سوى  خدعة   الماس  حين يسيل من قلب الأرض أو من شهقة   امرأة  تقف عند الباب الوسطاني  فلا ترى غير  رماد  تبدّده  الريح  ولا  تسمع سوى أنين  الهاربين من  الجحيم ..


  يعلم النفط   أنّه سيّد سادة العالم   وبه  تدوم  الدول أو تزول  البلاد ..


ترى من  أي بئر  يستقي الموت  خلوده؟  من   يدلّ  الموت على  رائحتنا  ولحمنا؟؟  أهو النفط   أم  لعنة  كلكامش   –   تلاحقنا   من جيل لجيل ؟


  دعوا السفينة  تغرق،  قالوا  ذلك شرط   التراجيديا، دعوا الطوفان يطغى، ذلك شرط ظهور المنقذ وقيامه من غيبته، دعوا الدم يلوّن  المدن والناس واللغات، دعوا رؤوس النساء معلقة على باب القصاص  فتلك   بشرى الخاتمة    ودنوّ  ظهور المخلّص..


    لماذا   لم  يتلق زيوسيدرا  التائه   فوق   غمر الماء علامة  السماء؟؟    هل خذله  من أوحى له   بالإبحار  وكانت الرؤيا   خديعة  والحلم   فخّا  لتقريب  النهاية؟

    تناثرت حول  زيوسيدرا  الأقاويل  والتأويلات :
لم  ينشئ  الفلك  من  القصب  وما   عبّد ّ قاعه بالقار   كما أمره  الصوت، ولم يحمل من كل  الكائنات  إناثا وذكورا، إذن   ماذا   صحب  الملاح  في الفلك المنكود؟؟   أ ذكورا مخصيين؟؟   أم   نساء  عواقر ؟؟  أم  مسوخا  ستسود الأرض  بحدّ  السيف؟  أم  حمل  ضراوة  الناس  فتوالد  منها رجال الكهوف براياتهم وسيوفهم  وطواطم   قبائلهم ؟؟


لا أحد بوسعه  معرفة  الحقيقة،  فقد   قيل  إنّ  زيوسيدرا    ملأ  الفلك   بالطلاسم وكائنات النار  والتعاويذ والتمائم  ليحجبها عن  المتربصين  بنواياه،  فما عدنا  نراها أو نميّزها عن لجج الموج. قيل إنّ  الفلك شفاف يعبره البرق كبلورة  صافية، فأين  الكائنات؟؟   بماذا إذن   بنى الملاح   سفينة الهلاك ؟؟


بعضنا   أكّد   أنّه بناها من   شهقات  الضحايا  وعظام  النساء   وأثدائهن  وجدائلهن، وآخرون ظنوا أنّه  صنعها من  الأصداء والصرخات  التي جبلها بدموع  ليليث  أمنا الآبقة  ذات الشهوات  ورصّ في قاعها  جماجم  قتلاه، كثيرون  أيقنوا أنّ  الفلك   صنع من عجينة  النفط  وطحين الأجساد التي نضجت  وتحمّصت في فرن  العداوات  عبر حملاته  الحربية على  أقاليم  الشمس  ووديان القمر، امرأة واحدة  قالت إنّه  شيّد الفلك  من  زنبق وسوسن ولبلاب، ليغوي  الحوريات وحارسات  الثغور  وأمازونات  سومر وأكد ..


  بوسعنا أن نصدّق كل هذا  إن  شئنا  السلامة،  أو  نشيح عن  قصّة  الغرق  وننسى  الخديعة كلها  ونتابع  سيل   الحكايات  التي تروى  كما  يروق  لملفّقي  التاريخ  ومعلّقي الفضائيات، غير أنّ الناس  لا يزالون  مشغولين بتأويل الحكاية  والارتياب  بالتفاصيل  وتأويل  التأويلات  والظنون .


  صبيّ واحد كان  يرقب  فوضى  التفاسير ويسخر من ظنوننا ويتفرّج على  حيرتنا،  ويرسل علامات  هزء في أثير   المدن،  تساءلنا  هل باتت  السخرية  تميمة  الفتيان  ضدّ الهلاك ؟؟ من علّم الفتى العابق باللقاح   أنّ الفلك   أكذوبة  من صنع   يأسنا ؟؟   أهو الذي أوحى لنا  أن نحلم  أحلامنا  لنفقدها في  العصف؟؟   ومن   لقّن  الفتى حكمة  أن  لا يؤمن  بحكمة  أبدا؟؟


لم نسأله،  كان  منشغلا بالضحك،  لم نقترب منه، كان  يستحلب النشوة  من فورة الجسد الفتيّ فيطفح   منه   الزَبَد،  لم نره  بعد  انبثاق  الشرر من  الأصابع،   أشعل الحرائق  واختفى فيها ..


     وحدي  وسط  طوفان النفط  وانهيار  السور  والانفجارات  التي دكّت   المباني  وحوّلتها إلى مدافن ، شممت  رائحة الدم الطازج  تفوح    من  جهات البلاد  و من السفينة  ذاتها  ورأيت  الدم    يتسرب  من ثقوبها إلى البحر  حتى  اصطبغ  الماء  بأرجوان  الغروب   وسمّي النهار نزيفا  ونكأت العاصفة  جرح  الزمان ..


  قال  البعض  إن السفينة محض وهمٍ،  الذين  كانوا يرصدون النجوم  ويحاورون الشّعرى اليمانية  وبنات نعش  السبع النادبات، كانوا يحدّقون بالأعالي والبحر طوفان  دم  يطغى على  النخل  والجبل  والمنائر  والعمائر والسهول، قالوا إنّ سفن النجاة خدعة  والرؤيا مصيدة  والرحيل فخ  للإيقاع  بالبصيرة..

كيف ننجو إذن؟؟  لمن نرسل السؤال ونحن  في لجج  النفط   وفوران الدم ؟؟



2


امرأة   كانت  تقيم عند   فم الأنهار   وتعتني  بمسافر لائذ   بحماها   جاءها من   أعالي  النوء  وصعيد  النهر   قالت  لنا :    السفينة  ظل   والظلال    تزول  بزوال الجسم المعترض للضوء، والملاح  الرسولي  صورة حلم   وهو الآخر ظل  زائل، سرّه  مرقوم على حجارة  باب البحر  حكاية من أزل  تلاشى، قالت إنّ السفينة  لم  تظهر قطّ على سطح الماء  ولم تعبر موانئي ..

– أين تظهر السفن يا امرأة – سألناها – إن لم تظهر على وجه البحر؟؟


تضحك المرأة  وتشير إلى الريح،  تضحك وتشير إلى  البرق، تضحك وتشير  إلى قطرة دم ..


تمسد جبين الرجل  في سباته  المحيّر   وتمرّر أناملها على فمه الشهوانيّ، نسمع أنينه  وهي تنحني عليه  كأمّ  وعاشقة، تمرّر  على فمه  رغيفها الساخن  وأنفاسها  فيذرف دمعة وآهة   ..


تخبز  المرأة كلّ ليلة سبعة أرغفة  وتحرس رجلا   ينام  عند   فم الأنهار،  وتبعد عنه   ذباب  الموت،  تجفّ الأرغفة  فلا يفيق من سباته  ولا يموت، فلماذا تحرسه المرأة وتخبز له الأرغفة السبعة   كلّ  فجر  وتطرد عن  خياشيمه  ذباب الموت؟؟

تقول المرأة  لنا ونحن   نناشدها  نبوءة أو تكهّنا بما سيجيء:الرجل أيضا   ظلّ لِحلمٍ، إنّه  حلمي أنا  الحلم الذي يسمّى عشقا،   هو انعكاس  ظلّي في الرجولة،  احرسه بأنوثة  الماء   فلا يرحل   ولا يموت، هو   وهمي أنا  بقدر ما هو حقيقتي،  فاحرسوا أوهامكم   مثلي   لتقبضوا  على  حقيقتكم ..

–   من أيّ شيء جبلت هذا الحلم  يا امرأة  البحر والأرغفة ؟؟


لا تردّ المرأة، لا تسمعنا، لا نعود   نراها، ليس  من امرأة  وليس من بحر ولا سفين  ولا رجل ينام  سبع  ليال،  اختفت  في حلمنا، هي شهوتنا أن نرى امرأة  عاشقة  تحرس رجلا  ينام عند فم الأنهار  ولا يستفيق  من  سبات  الهوى ..


3


   


  مأخوذة بشجن   المقامات   كانت حديقة  عدن  عند  دلتا النهرين  في  القرنة، تنبت البناتِ  العاشقاتِ والملاحين  والصيادين والأرامل وشجر  المّر  والحناء، وتطش الغوايات   في   طمي دجلتها وخصوبة  الفرات، يمرّ   بها    صفّ من رجال مطمورين  في  غلالات   نفط  ودخان،    رعافهم نفط  ورعشتهم غاز  مشعّ، الرجال  مأسورون  وأيديهم  مشبوكة  وراء الرؤوس  المنكسة  ويتبعهم   خطّ  مشتعل من النفط  والأنين،  من ذا الذي   يسوط  الرجال في ليل النفط    والعبودية ؟؟


في الحديقة الخربة  التي جفّت أشجار تينها ورمّانها   ورياحينها  واجتاحتها الحلفاء  والعوسج،  لا  نسمع غير أنينهم  المتناثر  وراء الخطى    وما هي إلا  برهة   حتى  نرى الأمريكيّ  وراءهم   يصوّب نحو آخرهم  فوهة البندقية، قدما   الأمريكيّ  تغوصان في وحل النفط   وهامته علاها   النزق، حتى إذا بلغوا  الأرض  الغدقة  على حافات الهور  سحبت لجة الطين  قدمي  الأمريكي   وامتصته  كما  عين الإعصار  فاختفى، والرجال  المطمورون في غلائل النفط والدخان  يمضون قدما  في الليل  يدخلون  الجدار  كأنهم  الهواء  ويخرجون من  الجانب الآخر  للجحيم  عراة  إلا من  الحلم .. 


  في حديقة عدن  لا نرى غير حقول النار  تستعر في جذور القصب والبردي  منذ عشرين عاما،  النفط   ينضح  من الشجر  والحجارة  وحقول الأسل   والمقصبات  في الأهوار، تفضحه  النار الأزلية في كركوك،  هناك يشتعل  قلب النفط  من  أزل  الوجود، تشتعل روح الأرض  من فرط هوى  الخروج إلى  عناق السماء،  هنا   يمشي النفط  على  سنن  البناة الأوائل، النفط له شهية الفضيحة، منذ  خمسة آلاف عام  يفضحنا ويغوي بنا   العالمين،   ونحن عراة  في البرية والنار لم تترجل عن  تلال بابا كركر   في كركوك  ولم تنضج  لحمنا  المعروض  للشمس والغربان ..


البلاد تقضمها النار من جنباتها، تشوى  على  مهل في  السهول  وعلى بوابات نينوى وزقورات أور، وتتخثّر   سلالة بعد سلالة   بينما  الهواء   يضج  بالملوك والخلفاء والمحظيات  والمداحين واللصوص، لا  أحد يصحو من المنام   الممتدّ  إلى ما لانهاية،  المنام الذي يدعوه البعض تاريخا  ويسمّيه آخرون  تقويما  أو  حوليات  الدول،  فإذا صحا  أحد  مصادفة  عاجلوه  بترياق  من خليط  عرق النساء  ومسك الغزلان ورحيق الخشخاش  وأعادوه لسباته  الآمن  في الخرافة  وهمسوا  بترتيل  خافت: نم  حتى يحين  الموت  ويظهر الغائب من  غيبته ..


4


    تأتي  رياح  وظلمة  سميكة   كجلد  فيل، تأتي   أعاصير لهب ملتفّة  كأفاعي  الجحيم  على أيامنا،   ورجال بسحنات   غامضة   يقلمون أرواحنا   بكماشات   فولاذ، ويجمعون النفط  المتدفق من سلامياتنا  المبتورة في  سفن  وصهاريج  ويختمون على  أيدينا  بماء  النار ..

     


الرجال المارينزيون   شقر وسود  وخلاسيون   يسكرون  بما يتدفّق من أرواحنا  المنتحبة ويقلبون  أجسادنا على  السفافيد   بتخويل من حاكمية الأمم، رائحة الشواء  تثير شهية الضباع في الغابات  المجاورة   والرجال المخمورون   يتبادلون   الأنخاب   فوق حدقاتنا  ..

  لا شيء يستدرج الضباع من الأقاليم المشمسة والمثلجة   مثل رائحة الشواء التي تحملها العاصفة إلى الجهات وتنشرها على الجبال وأقاليم الماء..   


 



5


ها أنا أيّها النسيان  المتربّص  بنا، أبيع خواتمي   وأقراطي  واشتري  نعشا   شاسعا  أضعه   في  ساحة التحرير تحت نصب الحرية  وأرصّ في قاعه  كتبا  وأوراقا  ومواثيق عتيقة  وصورا  وأقراص موسيقى   وأغان صوفية  وأتمدد في النعش  مع طيف  مدينتي الناحل ،   ما أن  أطبق جفني  لأجرّب  دعة الرقاد  في حضنها  حتى  يطلق  قنّاص  رصاصة  إلى  قلبي  إلى راسي  إلى عنقي،   اغرق في الدم  ويد رجل  تمسد جبيني  وتسدّ الثغرة التي أحدثتها الرصاصة  في عنقي   بوردة وذرور مسك  والرجل يهمس لي: أنت حيّة  أنت حيّة لن تتركينا ولن تموتي ..

أفيق فأجدني   ملفوفة  بدثار صوف  ومحبوسة في ثلاجات الطبّ العدليّ  وقد تجمّد جسدي وعجزت عن تحريك يدي  وعيني، متى متُ؟؟  من  ألقى بي  هنا ؟؟ 

لا بدّ أنّني متّ  منذ  ليلة  أو ليلتين  فقد  اكتمل تجلد جسدي  ومحركات الثلاجات  تزأر  والنفط  يغطي  المشهد  بسواده، اسمع أنين الموتى   وحواراتهم  وسخريتهم، كم  ميتا  كان في القاعة  الباردة  ينتظر أن يتعرّف عليه  الباحثون  عن مفقودين ؟؟ لا أعرف لكنهم  أحدثوا  ضجيجا   اقضّ  نومي  فصرخت   وتردّد  صدى صرختي في ممرّات الغرف المكتظّة بالجثث ..


مهلا،  قال الطبيب الموكل بتشريح الجثث  -أنت  في عداد الموتى يا امرأة   فلا تصرخي وتقلقي الآخرين، جاء رجل يطالب  بجثّتك  قال  إنّه   نجا من انفجار  الجسر  لكننا رفضنا تسليمك  له   حتى يدفع خمسمائة الف دينار لنمنحه  شهادة وفاة وتصريحا للدفن،   وإلا  سندفنك في  مقبرة  مجهولي الهوية..


أفقت من نومتي  المريعة  في النعش المشترك   معها   وبكيت   وسط  حدائق   الموت   وفداحة  الديون   التي يتوجب علينا تسديدها  إلى  أبد الدهر  ..


6



مدينة لا تشبه أية مدينة،  من يعرفها ؟؟  من رآها من قبل عابرة في  المنامات  والرؤى؟؟  مدينة   لا تشبه إلا   قدرها.. ما  اسمها؟  هل يهم الاسم؟؟   مدينة  من  شظايا  ودموع  وذاكرات  مطعونة   ونساء  مغدورات،  وفي فوضى  المحو  والاستبدال  والهدم  شطروها  نصفين   كما  تيامات  ربّة الغمر المالح، ولفقوا  من  لحمها ونفطها  بلدا  مسخا  كزاحف  منقرض  بلا عينين،    أخذ يزحف فوق البلد  الراقد  في  رمادها،   تنتاب  المسخ  رجة صرع   فيتلوّى  ويزبد   كتنّين   ينفث لهبا  ويحرق  الغابات والبساتين والحقول وبيادر القمح   والجسور  والمدارس والعرائس  والنخل  والرجال،  البلد المسخ   يجول   أعمى  في  الطرقات  المسورة  بجدران الكونكريت   مترنحا   وزاحفا   بين الدبابات  والجنائز  كحيوان الغرير  آكل الأطفال في مهودهم، هل تحول  التنين إلى   غرير  من آكلي  الجيف؟؟ 
المدينة   تفلت من  قدرها،  وتراوغ  المسخ  وتجمع أشلاءها  وتلتحم   وتقوم  كسمندل  يعبر النار  فتنبت له أعضاء جديدة   معاودا  الحياة  وسط  الفناء  العظيم  ..


تهزّ  بغداد   صولجان  إنانا  في قارب   الخصب   فتقوم  أشجار التفاح والخوخ  والسيسبان    والبرتقال  من سباتها  وتفقس  بيوض  الأوز والغرانق  في غيضات القصب وتتناسل سلالات الوعول  وغزلان المسك،   وتتكاثر أسماك  الشبوط في  هوائها  وطيور الغاق في أهوارها، وأراها  تنوء بأثقال النعم  وتقطر رحيق  الرغبات في أقداح العشاق  ..


هل أنا حيّة أم هي رؤيا  تزول ؟؟


هل أفقت من المنام الدهري  وعبرت إلى غدها؟ أم هي التي  استفاقت  ورأتني  وأنهضتني من سبات  النفط  وكابوس  الحريق ؟؟ من يفسّر لي  ما يحدث ؟؟ هل نحن الحلم  وهي  مدينة الحقيقة  أم إنّها الحلم ونحن هباء النفط الذي تبقّى من الحريق الأخير ؟؟  لا أحد   أكيد من  أي شيء ..


   وماذا يهمّ  إن كانت هي الرؤيا   أو كنّا نحن وإياها  محض منام  في  مخيّلة  البلاد؟؟


ها هي: والله إني  أراها   تنبثق   من ضباب  الموت،   آيتها   الشمس  وخطوتها   المطر .

  تقوم  من   حضرة  الجنيد  إلى  مجلس  السهروردي  وتتعثر بأذيال    زبيدة   وتدوخ  في  عطر العبّاسة،   ترتاد  مقام   رابعة  العدوية  وتخفض  لمرور  الحلاج  عباءتها   وتهيم  في  تمتمات أبي نؤاس  وترانيم  الشريف الرضيّ، جسورها   معابر   الهوى، مآذنها   منائر  الإسراء، قبابها   آنية النجوم  وكنائسها   جلجلة  الحكمة.   
 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This