مصطفى صفوان : التحليل النّفسيّ يوجه إلى من يستطيعون قبوله.. ومن يستطيعون قبوله هم الناس الذين لهم فكرة عنه..

محاورة مها حسن
تقديم رجاء بن سلامة

مصطفى صفوان محلّل نفسيّ. ولد بالإسكندريّة سنة 1921، وسافر إلى فرنسا سنة 1943، بعد أن درس الفلسفة، وهو مقيم بباريس إلى الآن.
كلّ ما في مساره المعرفيّ والفكريّ، وكلّ ما أسلوبه في العمل والتّعامل يشي بالتّحليل النّفسيّ : حسن إنصاته وصمته، (ومن هنا ربّما عزوفه عن التّأليف إلى أن جاوز الخمسين)، حذره من “الفخاخ التي تنصبها النّرجسيّة”، انتباهه إلى المتعة بالسّلطة وسلطة المتعة، تعدّد لغاته وترجماته، إيمانه بأهمّيّة التّرجمة وأهميّة الإيديومات الفرديّة والجماعيّة…
أقبل على ترجمة كتاب “تفسير الأحلام” لفرويد ابتداء من سنة 1945، وكرّس له خمس سنوات من جهده وحياته. كما ترجم إلى العربيّة “علم ظهور العقل لهيجل”، و”مقالة في العبوديّة المختارة” لبواسي (1992)، و”الإرهاب” لشمسكي وهوفمان وأوسوليفان (1993). وترجم إلى العامّيّة المصريّة مسرحيّة عطيل لشكسبير (1998). فهو يحبّ العربيّة الفصحى ولا يخفي حبه لها، ويتقنها إتقانا تشهد به ترجماته، إلاّ أنّه يريد تنبيهنا إلى وجود “نظام يفصل بين الكاتب والأمة أو الناس، حيث نعلم في المدارس لغة لها نوع من التبجيل وذات صور أرفع…”

له قائمة طويلة من المؤلّفات المختصّة، نذكر منها “الجنسانيّة الأنثويّة” (1976)، و”فشل مبدإ اللّذة” (1979) و”اللاّشعور وكاتبه” (1982)، و”الطّرح وشوق المحلّل” (1988)، و”دراسات في الأوديب” (1994)، و”الكلام أو الموت” (1999) و”ضيق في التّحليل النّفسيّ” (2000)، و”عشر محاضرات في التّحليل النّفسيّ” (2001) و” ندوات جاك لاكان” (2001) و”البنيوية في التحليل النفسيّ” (2001) و”دراسات حول أوديب”…
بعض هذه الكتب ترجم (الكلام والموت، ترجمه عن الإنجليزيّة مصطفى حجازي)، وبعضه قيد التّرجمة، (دراسات عن لاكان وعشر محاضرات في التحليل النفسي). والكثير منها لا يتوفّر إلى الآن بالعربيّة، وليس هذا بالغريب، ما دام التّحليل النّفسيّ غريب الوجه واليد واللّسان في ديارنا..

هو من تلاميذ جاك لاكان وزملائه. وقف بجانبه عندما واجه الاتحاد الدولي للتحليل النفسي وتواصلت علاقته معه إلى مماته. ذلك أنّه يقدّر فرادة لاكان النّظريّة وفرادة تقنيته، ويدرك أهمّيّة “العودة إلى فرويد”. شهد كلّ الانشقاقات التي اخترقت حركة التّحليل النّفسيّ بفرنسا بما في ذلك حلّ “المدرسة الفرويدية”. وهو من الأعضاء المؤسّسين “للجمعية التأسيسية للتحليل النفسيّ”، في عام 1983، ومن ثمّ «المؤسسة الأوروبية» للتحليل النفسيّ. وعضو شرفيّ لعدّة جمعيّات تحليلنفسيّة.

التقت به زميلتنا مها حسن باريس وحاورته بمناسبة صدور كتابه الأخير، الذي يفضّل ترجمته بـ ” لماذا لسنا أحرارا1 ” . فلننصت إليهما.
رجاء بن سلامة

{{نصّ الحوار

-مصطفى صفوان : من الفلسفة، إلى التحليل النفسيّ، إلى الاهتمام اللغويّ ؟ أين تجد نفسك أكثر ؟

اتّجاهي الجامعيّ كان نحو المنطق، لكنني لم أتمكّن من الالتحاق بجامعة كامبريدج بسبب الحرب. جئت إلى باريس. وهنا سمعت لاكان. في السنوات الأولى( 47- 48) لم يكن معروفا. سمعته يتحدّث كثيرا عن اللغة. كان لديّ اهتمام باللغة، بعد اكتشاف دي سوسير والكتابات الانثروبولوجية الأميركية والفرنسية، نظرا إلى أن موضوع اللغة لا ينفصل عن المنطق، كما لا ينفصل المنطق عن اللغة… من هنا جاء اهتمامي بالتحليل النفسي، وهو مبنيّ على تعريفه الجديد عن طريق لاكان بكونه تجربة خطاب لا تجربة سلوك. هكذا جاء انخراطي في التحليل النفسيّ.

-باعتبارك الرئيس الفخري للمركز العربي للأبحاث النفسية والتحليلية، كيف تستطيع أن تقيّم وضع التحليل النفسي في العالم العربي ؟

سبب اختيارهم لي رئيسا للجمعية هو أقدميتي، لا معرفتي بالعالم العربيّ، إذ أن معرفتي بهذا العالم وبالتحليل النفسي فيه محدودة.
في مصر مثلا، في الخمسينات من القرن الماضي، كان ثمة حركة قوية وكان يُعقدُ عليها أمل كبير، ولكن هذه الحركة توقفت مع عودة كثير من المحللين إلى أوربا، كاسحاق رمزي وسامي علي… هؤلاء المحلّلون كانوا موجودين في الخمسينات ثم عادوا إلى أوربا. وما زاد هذا التقهقر ظهور الحركات الإسلامية وانتشار الروح الدينية، انتشارا جعل منها استغلالا إيديولوجيا أكثر منه حالة مبنيّة على الإيمان الحقيقيّ.
من هنا جاء التخلّف العقلي الذي لا أحتاج للإطالة فيه، لكنّ هذا لم يمنع ظهور فريق لا بأس به من الأساتذة المهتمين بالتحليل النفسيّ، تكوّنوا على أيدي محلّلين في أوربا مثل سامي علي وأنا وآخرين.
في المؤتمر الأخير في مصر، لاحظت أنّ عدد المهتمّين بالتحليل النفسيّ قد أخذ يزداد، أمّا بالنسبة لنفوذهم الحقيقيّ، فيما إذا كان النفوذ مطلوبا، فلا أعتقد أنهم، ولا غيرهم في هذا البلد، لهم أيّ نفوذ.
أما في لبنان والمغرب فالوضع مختلف عنه في مصر، لأنّ اتّصال هذين البلدين الثقافيّ بفرنسا، واتصال المحلّلين النفسانيين الفرنسيين بهم، يجعل الحركة هناك أنشط. أو أكثر استمرارية.
وأما البلاد العربية الأخرى، فلا أعلم عنها شيئا.

-هل يوجد علم نفس عربيّ ؟ مادام الإنسان الشرقيّ لا يعترف بأخطائه وعقده، فهل يمكن أن نجد ” محلّلا نفسيا ” بالمعنى العربيّ؟

الشارع العربي لا ننتظر منه أيّ شيء، لأنّ التحليل النّفسيّ يوجه إلى من يستطيعون قبوله. ومن يستطيعون قبوله هم الناس الذين عندهم فكرة عن هذه المعرفة . وهؤلاء في مصر لا يزيد عددهم عن 5٪ من المتعلّمين أو ما يسمّى بالمثقفين. والباقي، أي الـ 90٪ مجتمع له أساليبه في العلاج النفسي، مثله مثل بقية العالم : السحر، التنجيم، إلخ.
هنا في فرنسا أيضا، الوضع يتشابه ولكن بالعكس. فالصيّاد أو راعي الغنم لا يطلب التحليل النفسي.
هنا 90٪ عنهم فكرة عن العلم، و10٪ خارج المحيط الثقافي، ولا داعي لشرح الأسباب.
لايوجد تحليل نفسي في العالم العربي، لا يفكر به إلا الأقلّية المحدودة.

-وهل واجهت أنت صعوبات في إجراء عملية التحليل، أي التحليل الذي خضعت له ؟ أظنّ تمّ ذلك مع ” مارك شلومبرجه” ؟

لقد نشأت في مدينة الإسكندرية، وفي هذه المدينة كلّ شيء، وهي مفتوحة على جميع الثقافات .. كان ثمّة الكثير من الجاليات الأجنبية، وكانت حركة الترجمة قويّة جدّا آنذاك، وكانت أفضل المؤلّفات متوفّرة بين أيدينا. إضافة إلى معرفتي باللغتين الفرنسية والانكليزية . وجود الجامعة وانتشار الكتب، والأسماء المهمّة، ساعد كثيرا في خلق ثقافة منفتحة.
كنت عربيا ووطنيا، وكنت مهتما بحركة التحرير التي حكمت التفكير السياسيّ، ولكنّ تكويني كان غربيا. كلّ تلك الظروف، ساهمت في عدم جعلي أشعر بأيّ مشكلات في إجراء التحليل.

-إذا كان الرجل الشرقيّ ما زال يحتفظ عن الصورة الأبهى لأمه، والحالة الأوديبية متفشّية، وتنفصل صورة المرأة الزوجة، باعتبارها تكرارا لنموذج الأمّ، عن صورة المرأة العشيقة… هل يمكننا أن نفصل هذه النقطة، عن صورة المرأة بالنسبة للرجل الشرقيّ ؟

الجديد في اكتشاف الأوديبية، هو نشوء الرغبة في المرحلة الأولى ( المرحلة الجنسية الطفلية )، منذ هذه المرحلة – وهي غير موجودة إلا لدى الإنسان – وما يمكن أن يقال عن تعريف الأوديبية ظهور الرغبة عن طريق القانون، وظهور الرغبة مرتبط بإدخال تحديد مبدئيّ يجعل متعة معينة مرفوضة على الإنسان، على كل شخص. انطلاقا من الحرمان، تسعى الرغبة إلى موضوع مفقود أساسا، لا بمعنى ” أنه كان موجود وفقد ” بل بمعنى : ” فقد دون أن يوجد أساسا”.
متعة الأم ” المحرم ” مرفوضة أصلا، أي مفقودة قبل أن توجد.
الربط بين الرغبة والقانون، وما يترتب على ذلك من تعريف الرغبة (سعي خلف المتعة، دون أن يسبق ذلك تجربة هذه المتعة).. بهذا المعنى أنا موافق على الأوديبيبة. .

-تميز لاكان ” بالعودة إلى فرويد ” وأنت موسوم باللاكانية، حيث كنت أحد الأشخاص المترددين على الحلقة الخاصة التي كان لاكان يعقدها في بيته، فما هي الميزة أو الإضافة الخاصة بك، بَصْمَتُكَ أنت في تاريخ التحليل النفسي العربي ؟

لا بدّ أوّلا من توضيح : لماذا كانت تلك المحاضرات تلقى في بيت لاكان؟ حتّى لا يتمّ الخلط، ويتمّ اعتبارها نشاطا خاصا بلاكان وبعض الأشخاص الملتفّين حوله. كانت تلك المحاضرات امتدادا لعمل لاكان في الجامعة، ولكنه كان يضطرّ لتقديمها في منزله، لأنّ جمعية التحليل النفسيّ لم يكن لها مقرّ آنذاك. أصبح لها مقرّ فيما بعد، في شارع سان جاك، ولكنّ لاكان كان يلقي تلك المحاضرات في منزله، باسم الجمعية، وكانت تلك اللقاءات تابعة لعمله في جمعية التحليل. ومن الطبيعيّ، بعد كل ما سبق وتحدّثت عنه من اهتمامي بالتحليل النفسي، أن أتابع محاضراته تلك.
أما فيما يتعلّق بموضوع الإضافة التي أتيت بها، أو بصمتي الخاصّة، فأنا لا أظنّ أنه يمكنني التحدّث عن نفسي، لأنّ هذا عمل غيري، ولكني أستطيع أن أقول فقط، بأنّ التجديد لدى لاكان هو تجديد قراءة فرويد. لقد ترك فرويد الكثير من المشكلات والتصوّرات ـ بالمعنى العلميّ لكلمة تصوّرـ المحيّرة. تصوّرات محيرة، كان من شأن القراءة الجديدة أن تؤدّي إلى إعادة صياغتها واقتراح حلول لها. وحين تأتي قراءة جديدة، أو تجديد فكريّ لتراث سابق، أو مكتسب سابق، فمن الطبيعيّ أن يؤدي هذا التجديد إلى أسئلة جديدة. إبراز هذه الأسئلة الجديدة، ومحاولة الإجابة عنها، باعتبارها ناتجة من ” تجديد لاكان ” هو الآن ما أحاول القيام به.

-ثمّة اتهامات كثيرة موجّهة إلى فرويد، وخاصّة ما قام به دافيد باكان2، لتأكيد الجذور الدينية لفرويد، وأنّه كان رجلا مؤمنا، بل وكان عضواً في محفل فيينا، وكان يلقي محاضراته ” لغير الأطبّاء ” هناك، ما رأيك أنت في هذه النقطة ” الأصول الدينية لفرويد ” ؟

لو كان فرويد مولودا كمغربيّ يهوديّ، لما كان ما كان عليه.
إنّ فرويد هو وليد الثقافة العلمية التي كانت تتجسّد في الجامعات العلمانية في القرن التاسع عشر، برلين، غوتنغن، وغيرها من الجامعات. كانت هذه الجامعات مراكز للخلق والتجديد العلميّ، كما هو شأن الجامعات الأميركية اليوم.
فرويد بحكم تكوينه وليد هذه الثقافة في المقام الأول، ولا يمكن تصوّر ظهوره في جوّ ثقافيّ مختلف ” أي خارج الثقافة العلمية “، حيث كانت الجامعات علمانية.

– ترجمت “العبودية المختارة”، لأتيين دي لابويسيه. هل تجد أنّ ثمّة ” عبودية طوعية أو مختارة ” من قبل الشارع العربيّ، للحاكم العربيّ؟ وهل هذه الصورة هي ذاتها منذ نشوء علاقة الحاكم بالمحكوم، في البلاد العربية، أم أنها تزداد ” عبودية “… هل تحمّل مسؤولية غياب الديمقراطية، للحاكم المستبدّ، أم للمحكوم الراغب والمختار لهذا الاستبداد ؟

العبودية ليست ظاهرة خاصّة بمجتمع دون آخر، بل هي ظاهرة طبيعية جدّا. الحبّ استعباد، حبّ امرأة، حبّ زعيم.. فالحبّ يمنح القوّة. أمّا الخضوع والتفاني للزعيم، فهو شيء طبيعيّ، لأنّ النظم السياسية مبنيّة على الزعامة . تبقى الأمور على ما يرام طالما كانت الزعامة ناجحة جدّا، في الداخل والخارج.
المجتمع الوحيد الذي أدخل نظاما سياسيّا مختلفا، هو اليونان، حين ظهرت الديمقراطية. “السيادة الشعبية “، بالمعنى الذي نتحدّث عنه، سيادة الشعب، لم تظهر إلا عبر اليونان، ليس لأنّ اليونان عباقرة، بل لأنّ الدولة ظهرت في مدن صغيرة. إنّ شكل ظهورها هكذا، كان يمكّن من ظهور نوع من الحكم يشترك فيه أهل المدينة، دون العبيد. (كان العبيد موجودين). فيما نشأت الدولة عندنا على ضفاف الأنهار الطويلة، وامتدّت نحو الوادي وعرضه. هناك لا يمكن الاختباء في الوادي عن السّلطة المركزية.. لذلك فالمجتمع العربيّ امتداد لهذا النوع من الحكم، الحكم المطلق، حكم لا يستمدّ شرعيته من الشعب، وإنما يدّعي استمداد الشرعية من الدّين.
ما يحصل اليوم في بلاد الحكم المطلق (مصر ـ مبارك مثلا) ظهر فشله على جميع الميادين، ومن هنا زاد عدم رضا الناس وسخطهم. ولكنّ هذا لا يغيّر شيئا من حيث العجز عن التفكير، لأنّ أهل هذه البلاد لم يعرفوا يوما تجربة الاتّحاد للدفاع عن مصلحة مشتركة تخصّهم، لا يعرفون المجتمع المدنيّ. بلد أهله عاجزون عن تنظيم ” طابور ” فما بالك بتنظيم ثورة!

-أنت مهتمّ باللغة اهتماما شديدا، وتعتبر أنّ شيشرون، مؤسّس اللغوية الإنسانية، حيث كتب باللاتينية، حين كانت اليونانية سائدة كلغة ثقافية لدى الرومان. وتتحدّث أيضا عن اللغة المقدّسة في النظام اللاهوتي، إلى أيّ حدّ نستطيع “أنسنة” اللغة العربية ؟ هل تركّز على الدعوة إلى اللّغة المحكيّة ؟

التمييز بين النحوية والعامية، وبين لغة أدبية ولغة فصحى ولغة دارجة، تمييز سخيف. لأنّ لأيّ لغة في العالم نحوها. لا لغة دون نحو ،أيّ لغة في العالم.
إذا أخذنا هذا بعين الاعتبار، فلا يمكن أن نفهم لماذا تقتصر البرامج التعليمية في بلادنا على تعليم نحو لغة قريش، وعلى تعليم الأدب العربيّ، الذي لا شكّ في عبقريته. بينما ترفض تعليم اللّغة الدارجة، وما فيها من أدب لم يجد الفرصة للنموّ الكافي، ولكنّه طبعا موجود، في أعمال كثيرة مثل الأبنودي، صلاح جاهين، فؤاد حدّاد … (أتكلم عن مصر)

-في كتابك الأخير ” لماذا العالم العربيّ ليس حرّا “، تركز كثيرا على دور اللّغة في استمرار سلطات الحاكم. هل يمكن أن نتحدّث عن ظروف نشأة الكتاب، ولماذا تختلف النسخة الفرنسية الصادرة حديثا، عن النسخة العربية ؟

الكتاب هو مجموعة مقالات كتبت في الصحف، وخاصة في جريدة ” إبداع “، التي يرأس تحريرها أحمد عبد المعطي حجازي، وبعضها محاضرات ألقيتها في أماكن متعدّدة، إحداها في جامعة المنصورة، وأخرى أمام مجموعة من علماء اللغة في مصر.
قرّر د. حسين عبد القادر جمع هذه المقالات، ونشرها في كتاب ” الكتابة والسلطة “، طبعها على الكمبيوتر، وصمّم لها غلافا، وكتب عبارة ” دار علم النفس الإكلينيكيّ ” للتمويه رقابيا. وزّع الكتاب توزيعا محدودا جدّا لمن يعرفهم من الأدباء والمثقفين، ولم يكن لهذا الكتاب أيّ صدى. أي أنّه ولد مقبورا.
الفصل الأخير فقط هو الذي ألقيته في محاضرة بالانكليزية في لندن، وهنا سألني أحد المستمعين، بخصوص نشأة هذه المحاضرة والأفكار التي جاءت فيها، فقلت له إنّها امتداد للكتاب العربيّ المشار إليه، فأعلن عن رغبته في الترجمة إلى الانكليزية. فيما بعد ترجم إلى الفرنسية، وأضفت إليه فصلا عن “الإرهاب “. وكذلك ترجم إلى الإيطالية، وتتمّ ترجمته قريبا إلى الأسبانية والألمانية.
فكّرت أن أعيد ما طبع سابقا، أقصد النسخة العربية ، مع الإضافات، في كتاب واحد. وقد سمعت أنّ هناك رغبة في نشره الكترونيا، مع تغيير العنوان ” لماذا لسنا أحرارا” ، إلى ” الكتابة والاستبداد “.

-هل يمكنك أن تتوقّف قليلا عند النقاط الرئيسية التي أثرتها في هذا الكتاب، أعني النسخة الفرنسية الأخيرة، حيث لاقى اهتماما كبيرا ؟

الكتاب يتعرض لقضيتين أساسيتين :
الأولى، وقد قال بها ستروس : ” استخدمت الكتابة في المقام الأول لأغراض الأبّهة والاستغلال والاستبداد “، وهذه القضية أثارت عددا ضخما من البحوث بصفة خاصة في مجال البلاد التي ظهر فيها حكم مطلق وظهرت فيها الكتابة : ” مصر وبلاد ما بين النهرين ” في المقام الأوّل.
القضية الثانية في الكتاب، وهي ما قال به الشيخ علي عبد الرزاق في 1924-1925 في كتابه ” الإسلام وأصول الحكم “، وأثبت فيه أننا لا نجد في القرآن ولا في الحديث أيّ نصّ يمكن اعتباره أساسا يقوم عليه حكم سياسيّ محدّد الشكل. وهذا واضح جدّا بالنسبة لي، لأنّه لو وجد مثل هذا النص، لكانت مسألة الخلافة بعد النبيّ قد حلّت حلاّ سلميّا واضحا، حلاّ مبنيّا على النصوص، بدلا من الصراع الرهيب الذي أدّى إلى قتل ثلاثة من الخلفاء الأربعة, وقد كانوا كلهم من قبيلة قريش، لما قام به عمر بن الخطاب من إزاحة كل من لم يكن من قريش، كالأنصار وغيرهم.
ما أضفته أنا في كتابي، أنّ الدولة الإسلامية، أو المسمّاة بالإسلامية، إنما بنيت على نموذج الدول الموجودة في المنطقة آنذاك، خاصة فارس، وأنها بالتالي اتّبعت في موضوع الكتابة نفس سياسة الدول القديمة في الشرق الأوسط.

المشكلة دوما بالنسبة إليك هي اللغة ؟ وقد تحدّثت في المحاضرة التي ألقيتها في باريس، عن الانفصال بين لغة الكتابة ولغة الحكي، مما يتنج ” احتقارا” للغة الدارجة ؟

يجب احترام اللغة الدارجة، بتعليمها في المدارس، حينها نربّي لدى الناس احترام لسانهم عبر احترام لغتهم، من غير ذلك لا يمكن أن يحترموا أنفسهم. أكرّر ما قلته من قبل، إنّنا نعلم الجيل احتقار اللغة، وهذه سياسة الغزاة. لقد كان العرب غزاة، وكلّ الغزاة يفعلون هذا، احتقار اللغة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This