على هامش مسلسل اسمهان : الدراما التلفزية و كتابة تاريخ المرأة العربية (مشاكل و اشكاليات)
هذه الورقة ليست حول مسلسل إسمهان ومضامينه ولا تُعنى مباشرة بتاريخ ” أميرة الجبل ” بوصفها فاعلة فنية واجتماعية وسياسية بل هي من وحي ما أثاره مشروع ”مسلسل إسمهان” قبل عرضه وأثناءه وبعده من مشاكل وقلاقل لم تنته تداعياتها بعد وهي مناوشات مألوفة وصارت لازمة لكلّ السّيَر الذاتية المتلفزة المخصّصة للمشاهير والاستثنائيين في ميداني السياسة والفن خاصة ( ناصر، السادات، فاروق، أمّ كلثوم ، عبدالحليم …).
{{مشاكل وصعوبات}}
“البيوغرافيات الدرامية” لون فنّي بدأ يفرض نفسه وينحت مكانته في المشهد الثقافيّ السائد ويتنزّل هذا الجنس في إطار العودة إلى دور الفرد في التاريخ وإعادة النظر في بعض الأحكام التعميمية والمتسرعة التي سادت طيلة نصف قرن غير أنّ هذا اللون الفنّي ”العائد ” يواجه عدّة صعوبات.
فقد تشكّل في خضمّ عتاقة مشهدنا الثقافيّ وبطريركيته جهاز رقابة إضافيّ -علاوة على الموجود – ينشّطه ” الورثة ” وأوصياء العائلات ومستثمرو ” تركات المشاهير” وتخيّر هذا الجهاز لنفسه دور المصادقة على المضامين الدرامية أو رفضها بأسلوب ”ابتزازيّ” وذاك الابتزاز لا يقتصر على المطالب المادية فحسب بل يتعدّاها إلى الفكر والذاكرة، ابتزاز يصل حدّ المطالبة بتبييض التاريخ وتطويعه وتزييفه وقد انتخب هذا الجهاز الرقابيّ الجديد والموازي لنفسه صلاحية مصادرة الذاكرة الشخصية والجماعية ومنع حرية الخيال الفنّي التي تستوجبها تلك الأعمال ووصل الأمر في حالة ”إسمهان” إلى التدخّل لدى أعلى هرم السلطة لوقف عرض المسلسل في سوريا وحدث ذات الأمر في مصر مع سيرة عبد الحليم حافظ وسعاد حسني وغيرهما.
تلك قطرة من بحر المشاكل التي تعترض هذا الجنس الفنّي ودعك من الحديث عن مشاكل التمويل وإملاءات المموّلين وتدخّلهم في الصغيرة قبل الكبيرة ورهاناتهم على ” شخصيات ” مثيرة …
{{قانون السوق: “بوركت يا رمضان”}}
ليست المرّة الأولى التي تطرح فيها قضية الدراما التلفزية وتوظيفاتها وتجاذباتها في منتدى ”الأوان ” فقد أتى قلم التحليل على تلك المفارقة الصادمة في مسلسل “باب الحارة ” ومشتقاته ( أهل الراية وليالي الصالحية…) بين إتقان العمل وحرفيته التقنية من ناحية وعتاقة المضامين وماضوية القيم التي يروّج لها من ناحية ثانية .
والمسألة حسب المظنون تتجاوز الأمر العارض لتندرج ضمن نمط كامل فقد صارت هذه المسلسلات تُنتج خصّيصا لتُبث في شهر الصيام والتسمّر أمام التلفاز وهذه السوق الموسمية نحتت لنفسها جمهورا موسميا وخطابا خاصّا فقد أصبح هارون الرشيد بعد رمضان 2008 مشهورا تلهج به الألسنة.
خال مؤرّخو الفترة الوسيطة أنّ كتاباتهم عن البلاط العبّاسيّ وهارون أصبحت ممجوجة فتبيّن في موسم رمضان الفارط أنّهم لم يكتبوا شيئا أو على الأقل لم يقرأ لهم شيء فبوركت أيها الشهر “الفضيل” .
اقترن رمضان بسوريا التي أصبحت كعبة المسلسلات الدرامية – بعد مصر- لما توفّره من طاقات بشرية وفنية وطبيعية أمّا المنتجون والمموّلون والمستشهرون فهم غالبا من ديار مالية وإعلامية خليجية عملاقة يسبحون في فلك السلفية الوهّابية العائدة.
ومسلسل ”إسمهان” لم يخرج عن النمط المذكور في جوانب عديدة فقد أُعدّ خصّيصا للموسم التلفزيّ الرمضاني ووقع تصوير أغلب مشاهده في سوريا وفي محافظة السويداء تحديدا ونشّطه ممثلون سوريون وخاصّة البطلة ” سلاف فواخرجي “، لكنّه في جوانب عديدة شذّ عن القالب النمطيّ بسبب وجود فريق إنتاج متنوّع فيه العنصر التونسيّ( المخرج شوقي الماجري) والمصري واللبناني والسوري والأهمّ من هذا انّه تناول موضوعا “جديدا” وتسلّل إلى مناطق ”محظورة” استفزت الذهنية الانضباطية.
ليست المرة الأولى التي تخضع فيها سيرة ”امرأة – فنّانة ” لقراءة فنية ودرامية فقد حظيت ” أم كلثوم” بعناية متكرّرة حولتها بصورة منقبية إلى صالحة من الصالحات وتكرّر الأمر مع إسمهان لكن بوقع مختلف لأنّ شخصية إسمهان وتاريخها الذاتيّ والعائليّ يثير إشكاليات أكبر و أشدّ تعقيدا مما تثيره شخصية أم كلثوم .
{{الدراما والتأريخ : من الفنانة إلى المرأة ومن المرأة إلى النساء}}
لا يتعلق مسلسل إسمهان بتاريخ أميرة من أصول درزية سورية قذفتها أقدار الهجرة الاضطرارية والتفقير الظرفي إلى مصر فتسلّقت فيها من جديد سلّم المجد الاجتماعي والفني وولجت معترك حياة المشاهير ودسائس البلاطات ونزوات الأمراء، قصّة إسمهان وغيرها من شهيرات الفنانات اللاتي تجرّأن على قيم المحافظة التقليدية تتجاوز تاريخ الفنّ النسويّ لتفضي بنا إلى طرح تاريخ المرأة العربية عموما في النصف الأوّل من القرن العشرين.
لقد وقع اختزال هذا التاريخ في أسوار وأسرار قصور معدودة وفي زمرة محدودة من ” الأميرات ” المحظوظات لكنّ الأمر أشدّ تعقيدا وأعمق بكثير، إنّه يثير قضية ” المرأة” وتاريخ النساء في ذاك الزمن وهو تاريخ لم يكتب بعد ولا يمكن تكشفّه من خلال نموذج يتيم أو مقرون .
لا زلنا نجهل الكثير عن تاريخ المرأة زمن” معترك الحرية” في النصف الأوّل من القرن العشرين وخاصة رموز الحركة النسوية بشقّيها القياديّ والقاعديّ. لا نعرف الكثير عن رائدات رفع مطلب السفور والحق في التعليم والمساواة والخروج من البيت وحقّ الشغل. لقد عرفنا الرجال الذين روّجوا لمثل تلك الأفكا وبشّروا بها لكننا لم نعرف إلاّ بعض أسماء النساء في مصر وسوريا ولبنان والعراق والأردن وتونس والمغرب والجزائر…
لا زلنا نجهل الكثير حول أولى فتيات المدرسة والجامعة والتعليم والمرأة الطبيبة والقابلة والمحامية والقاضية…ولم نعرف الشيء الكثير عن امرأة المسرح والسينما والمَغْنى .
قدّمت دراما إسمهان قراءة محترمة وإشكالية لتاريخ ”المرأة الفنانة ” وهذه القراءة احتكمت لنص فنّي بالأساس لكننا ننسى دوما أنّ مثل هذه النصوص لا بدّ لها من مادّة تاريخية وفيرة بل ورؤية منهجية واضحة للتاريخ البيوغرافي الإشكاليّ وللبسيكو- تاريخ. ولم نسمع إلى حدّ الآن في بلادنا العربية – إلا في ما ندر- إلى تكليف مستشارين مؤرّخين أو علماء نفس لتحقيق تلك النصوص ومتابعتها.
{{تاريخ المرأة : إشكاليات من وحي ”الدراما”}}
الدراما التاريخية صنف من أصناف الكتابة التاريخية حتى وإن كان لقيطا ومستهجنا ومغضوبا عليه من قلم التأريخ الأكاديمي .
هو جنس له جمهور يفوق قرّاء كتب التاريخ وهو لون يستفزّ الذاكرة ويحفزّها ولا ينافسه اليوم مدرج ولا كتاب ولا مقال لكن كيف يُنتح هذا النصّ التاريخيّ: بأيّ سلاح منهجيّ؟وبأيّ خلفية فكرية ؟
سنقتصرعلى حالة ” إسمهان” التي تطرح سيرتها الذاتية عدّة اشكاليات من صميم ورشة الكتابة التاريخية المعاصرة اليوم .
تاريخ إسمهان هو جزء من تاريخ العائلات الأعيانية في جبل الدروز ببلاد الشام ولبنان ولا يمكن التعرّض لتاريخ عائلة الأطرش دون الخوض في التجاذبات التي مورست على” عائلات” الجبل من قبل القوى العظمى وخاصة الاستقطاب الثنائي الفرنكو- أنجليزي بعد الأفول العثماني غداة الحرب الأولى وهو نفس المشكل الذي يعترض اليوم وجاهات الطوائف في لبنان أو العراق في خضمّ التجاذبات الدولية الكبرى. ها نحن إذن في خضم إشكالية ” طويلة المدى” وليست من وحي التاريخ اللحظيّ.
تاريخ إسمهان هو تاريخ الحركات الهجرية السورية واللبنانية نحو أمريكا و أوروبا وتجاه الأقطار العربية ومصر بالتحديد وهو موضوع لم ينل حظّه الكامل من الدراسة والتحقيق التاريخيّ .
وتاريخ إسمهان هو أيضا تاريخ الهجرات الفنية إلى ”كعبة الفنّ العربيّ ” القاهرة بين الحربين وما خلّفه من تأثير وتأثّر ولقاح .
تاريخ إسمهان هو أيضا تاريخ الدسائس السياسية والأدوار التي يلعبها الفنانون والنساء في البلاط السياسيّ الشرقيّ، وتاريخ إسمهان هو أيضا تاريخ الجوسسة
والجوسسة المضادّة خلال الحرب العالمية الثانية حول ” الواجهة الإفريقية”. تناسى البعض أنّ ملفّ إسمهان كان على طاولة ثلاثة أجهزة مخابرات على الأقلّ( فرنسا و بريطانيا وألمانيا) زمن الحرب الثانية ونسي آخرون أنّ الجنرال ديغول قال إنّ إسمهان هي صاحبة ” أجمل عيون في الشرق ” ونسى البعض الآخر أنّ إدوارد سعيد قال في شأن تحيّة كاريوكا إنّها ” قطعة من تاريخ مصر بل هي تختزل تاريخ مصر المعاصر” .
المسألة ليست فقط حكاية مغنى وطرب وجمال هي أيضا سياسة وتوظيف واحتلال وهي أيضا إشكاليات تطرح من وحي ” مسلسل إسمهان ” وغيره من النصوص الفنية .
يطرح نصّ ” إسمهان” أيضا إشكالية تاريخ” الجندر” فهناك من يعتقد أنّ النصّ كان يكون أكثر تعبيرا وإيحاء لو كتبته امرأة لأنّها أقرب لاختلاجات إسمهان” الأنثى -الفنانة ”.
وفي الساق ذاته تثار إشكالية المسكوت عنه في تاريخ” المرأة – الفنانة” عند التعرّض لمظاهر الحياة الخاصّة، فهل نكتب تاريخ إسمهان دون الحديث عن العشق
والكأس والجمال ؟ هل يُحوّل تاريخ امرأة متوهّجة ومقبلة على الحياة والحبّ والفرح إلى ناسكة متزهّدة متعبّدة”؟
أنتجت السينما العربية فلما واحدا عن رابعة العدوية وهو عمل فنّي ممتاز فما الجدوى من الاستنساخ وتحويل باقي الفنانات – وهنّ في الأصل لسن كذلك- إلى خامسة وسادسة وخلق عداوة مع الحقيقة والتاريخ.
احتجّ قريب إسمهان على إظهار عمّته في صورة ” خادشة ” لحياء العائلة وطالب بمعاملتها مثل ” أمّ كلثوم ” وإظهارها في مظهر فنّانة محترمة وهو ما يدل على أنّ ”ابن الأخ ” وجماعة مسلسل أمّ كلثوم لم ينجحوا في تمثّل صورة الفنان والمرأة بالتخصيص وما يدلّ أيضا على قصور ورشة كتابة تاريخ المرأة العربية عن التبليغ إلى حدّ الآن.
فهل إنّ المؤرّخ مطالب بكتابة منقّبة حول الأعمال الخيرية والجليلة للمشاهير والسكوت عمّا يراه مجتمع اليوم ضلالا؟
هل يتم السكوت والتستّر مثلا عن علاقة إسمهان بالكأس التي كانت لا تريد أن” تراها فارغة ولا ملآنة” ويتحدّث فقط عن كأس القهوة وهب أنّ المؤرّخ سكت عن الخمرة وكتب عن القهوة فقط فسيأتي يوم- مثل أمس- يحرّم فيه البنّ والهيل والقهوة وعندها هل نواصل !ابتزاز المؤرّخ ونطالبه أن يكتب أنّ إسمهان كانت لا تشرب حتّى الماء.
