في الجدل حول كتاب (أرسطو في جبل سان ميشال) (5) أيّ موقف نتّخذ من خطاب الهستيريّ
إذا كانت القصص الكبرى Les grands récits هي إحدى الوسائل الّتي تعتمد في كتابة تاريخ الحضارات والأفكار والأزمنة والدّول والفلسفات… فإنّ استبدال قصّة كبرى ترسّخت في الضّمائر والأذهان بقصّة أخرى يضاهي تقريبا انتهاكا لبعض المقدّسات المحرّمات، هذا إذا ما عرّفنا المقدّس المحرّم بأنّه ما لا يلمس l’intouchable أو ممّا يحرّم لمسه وانتهاكه. فتاريخ النّظم الكليانيّة الفاشيّة والنّازيّة والسّتالينيّة بكلّ ما خلّفته من مجازر رهيبة وجرائم في حقّ الإنسانيّة هو قصّة كبرى. وتاريخ الفتوحات الإسلاميّة قصّة كبرى. وسيرة الرّسول الّتي هيكلت تاريخ الإسلام المبكّر هي أيضا قصّة كبرى. يكفي أن نغيّر عنصرا من عناصر أيّ قصّة من هذه القصص بتحريفه أو بحذفه أو بنفي وقوعه تماما حتّى تقوم قيامة النّاس بسبب ذلك الانتهاك.
لنستحضر في هذا السّياق ما جرى من أحداث عنيفة لمّا نشرت صور نبيّ الإسلام الكاريكاتوريّة. فهذه الصّورة الّتي هي من قبيل “ما لا يمثّل l’irreprésentable” (لم يمثّل شخص النّبيّ في شريط الرّسالة للعقّاد) قد أثارت ثائرة الشّارع الإسلاميّ لمّا مثّلت صورة النّبيّ بصورة المسلم الإرهابيّ الأنموذجيّة كما صار يتخيّلها الغرب إثر أحداث 11 سبتمبر. هذا التّمثيل الجديد هو في واقع الأمر إخراج لصورة العدوّ l’ennemi في هيئة مجرم criminel حين صار ينظر إلى العدوّ على أنّه مجرم. وهذا الانزلاق هو في واقع الأمر انتهاك لا لصورة النّبيّ كما رسخت في الضّمير الإسلاميّ فحسب، وإنّما لقداسة السّيرة النّبويّة بوصفها قصّة كبرى. ويمثّل هذا الانزلاق من وضع العدوّ إلى وضع المجرم في حدّ ذاته صدمة، ولكنّها صدمة تقلب كلّ انتهاك إلى حدث صادم traumatique يتعاظم وقعه بردود الفعل المختلفة تعاظما عجيبا ككرة الثّلج حين لا يوقف تدحرجها شيء.
ولعلّ كتاب المؤرّخ الفرنسيّ سيلفان غوغنهايم Sylvain Gouguenheim “أرسطو في جبل سان ميشيل. الجذور اليونانيّة لأوروبّا المسيحيّة” يمكن أن يدرج في صنف الأحداث الصّادمة (1). فقد أحدث صدوره ضجّة كبيرة في أوساط الجامعيّين بصفة خاصّة، إذ أثار ” حفيظة عدد كبير من كبار المختصّين الفرنسيّين في تاريخ العصر الوسيط كما عدد كبير من المشتغلين في حقل الفلسفة وتاريخ العلوم والفلك واللّغويّات، إلخ. ” (2).
وقد حدّدت أطروحةُ كتاب “أرسطو في جبل سان ميشيل. الجذور اليونانيّة لأوروبّا المسيحيّة” موقفَ المؤلّف كما سنرى، وهي أنّ ” الإرث اليونانيّ لم يصل أوروبا عن طريق المسلمين كما روّج المؤرّخون حتّى الآن، بل انتقل بشكل مباشر في القرنين الحادي عشر والثّاني عشر دون أن يكون للفلاسفة العرب دور فاصل. وبناء على ذلك، يمكن استنتاج أنّه لم يكن للمسلمين التّأثير الحاسم في النهضة الأوروبية “كانت ستكون مسيرة الأوروبيّين نفسها حتّى لو لم يكن لهم أيّة علاقة بالعالم الإسلاميّ”، يكتب المؤرخ بالحرف الواحد.” (3).
وباختصار شديد يعتبر كتاب “أرسطو في جبل سان ميشيل. الجذور اليونانيّة لأوروبّا المسيحيّة” انتهاكا لتلك القصّة الكبرى الّتي تروي لنا دَيْن النّهضة الأوروبيّة للإسلام. وقد تمثّل موضوع هذا الانتهاك في نكران هذا الدَّيْن La dette. وعلى هذا الأساس كان كتاب سيلفان غوغنهايم حدثا وموقفا في الآن نفسه:
ـ فهو حدث صادم لأنّه انتهك القصّة الكبرى لمّا أنكر الحدث الكبير ةvènement الّذي تقصّه، وهو أنّ للإسلام فضلا في نقل الإرث اليونانيّ إلى أوروبا.
ـ وهو أيضا موقف لأنّ الكتاب يقترح كتابة قصّة كبرى جديدة للحدث الكبير تنكر ما جاء في القصّة الكبرى الرّسميّة لتثبت أنّ انتقال الإرث اليونانيّ إلى أوروبا لم يحدث بوساطة الإسلام.
وعلى هذا النّحو نتبيّن أنّ العلاقة بين الحدث والموقف دائريّة. فالحدث هو الّذي يولّد الموقف، مثلما أنّ الموقف هو الّذي يهيكل الحدث ويبنيه. فإذا اعتبرنا أنّ “الإرث اليونانيّ قد بلغ أوروبا بواسطة قناة المسلمين” هو مضمون الحدث الكبير فإنّ إثبات هذا الحدث أو نكرانه إنّما هو موقف من أربعة مواقف ممكنة اقترحها الفيلسوف الفرنسي ألان باديو Alain Badiou (4)، هي موقف المعلّم Attitude du Maître، وموقف الهستيريّ Attitude de l’Hystérique، وموقف الجامعة Attitude de l’Université، وموقف الصّوفيّ Attitude du Mystique.
يمكن في هذا المقام أن نستغني عن موقف الجامعة. فهو في الواقع موقف ينكر أنّ الحدث قد وقع ويجحده، ويريد أن يختزل تبعاته في شيء يمكن ربطه، بواسطة التّفسير، بمجرى الأشياء العاديّ، مقصيا على هذا النّحو بُعْد الحدث. فخطاب الجامعة يرمي إلى أن يرأب الصّدع بإعادة الأمور إلى مجراها الطّبيعيّ مراعيا قدر الإمكان كلّ إحالة على الحدث في التّفسير الّذي يقترحه. فالحبّ على سبيل المثال هو نتاج سلسلة من الاتّفاقات داخل الشّبكة العصبيّة.
ويمكن في هذا المقام أيضا الاستغناء عن موقف الصّوفيّ ( ويقابل عند لاكان موقف الذّهانيّLe psychotique ) الذّي يعزل الحدث من كلّ إمكانات تسميته وترميزه. فهو عنده من قبيل ما لا ينقال ineffable، فلا يمكن أن تأتي عليه العبارة أو أن تعرضه قصّة أو تمثّله صورة. وهذا الموقف قد اتّخذه الفلاسفة والفنّانون من جرائم إبادة اليهود بأوزويتش وغيرها من المعتقلات النّازيّة. فقول أدورنو “لا شعر بعد أوزويتش” يعني أنّ الشّرّ الجذريّ قد بلغ حدّا استحال فيه تمثيله في أيّ خطاب. ولعلّ هذا هو جوهر شريط ” Shoah ” لكلود لنزمانClaude Lanzmann الّذي كتبته شوشانا فلمان Shoshana Felman. فهو شريط يعيد طرح سؤال أدورنو نفسه: أيّ فنّ بعد أوزويتش؟ (5).
وعلى أساس الموقفين الباقيين يمكن أن نعيد توزيع ردود الفعل الّتي اتّخذت من الحدث الكبير “الإرث اليونانيّ قد بلغ أوروبا بواسطة قناة المسلمين”، وردود الفعل الفرنسيّة بصفة خاصّة.
1 ـ موقف المعلّم: ويتمثّل في معرفة الكيفيّة الّتي ينبغي أن نحافظ بها على وفائنا للحدث، وصياغة الإطار الّذي يضمن تحقّق هذا الوفاء واستمراره. وقد تجسّم موقف المعلّم في ردّة فعل الّذين أقرّوا الدَّين واعترفوا به. فقد ” خرج 56 فيلسوفا ومؤرّخا يطالبون برأس الرّجل حيث أمضوا نصّا رافضا لما جاء في الكتاب تحت عنوان “نعم، الغرب المسيحيّ مدين للعالم الإسلاميّ”، نشرته يوميّة ليبيراسيون اليساريّة الفرنسيّة (30/04/2008) ” (6). فهذا الموقف يناهض ويعارض ويرفض في آن كلّ موقف يخون الحدث وينفيه. وضدّ هذه الخيانة ارتفعت أصوات كثيرة لتعيد تسمية الحدث وتعيد تشكيله في الحقل الرّمزيّ. ونعتبر مقال الأستاذ محمّد الحاج سالم ” هـل سـطـعـت شــمس الله عـلـى الـغـرب حـقّـا ” منصبّا في هذا الاتّجاه. فالسّمة الّتي تميّز موقف المعلّم هي بصفة عامّة أن يضمن استمرار الحدث بتسميته بنفس الاسم. وليس الاسم في هذا السّياق سوى الإقرار بالدّين.
2 ـ موقف الهستيريّ: وهو موقف على نقيض موقف المعلّم. فالهستيريّ يشكّ ويضع تسمية المعلّم للحدث موضع السّؤال. فهو باسم وفائه للحدث يلحّ مشدّدا على المسافة الّتي تفصل الحدث عن تسميته وطريقة ترميزه. فسؤال الهستيريّ هو بكلّ بساطة ” لماذا كان هذا الاسمُ اسما للحدث؟ “. وهو بهذا السّؤال يصرّ على أنّ طريقة تسمية الحدث وترميزه خاطئة. ولذلك يردّ الهستيري الفعل على نحو متفاوت العنف على كلّ عمليّة ترميز للحدث. ويبدو أنّ المؤرّخ الفرنسيّ سيلفان غوغنهايم يمثّل هذا الموقف من خلال نفيه لكلّ دَيْن. وهو نفي حتّم عليه إعادة هيكلة الحدث وإخراجه على نحو مختلف بطرق متنوّعة منها. وهذا أنموذج منها. فقد كانت أوروبا في زعمه ” دائمة التّواصل مع العالم اليونانيّ بمعزل عن الوسيط العربيّ الإسلاميّ “الذي كان عاجزا بنيويّا عن هضم التّراث اليونانيّ”، وأنّ الفضل في تواصل أوروبّا مع جذورها اليونانيّة يعود في الحقيقة إلى دور العرب النّصارى من أمثال إسحاق بن حنين (النّصراني النّسطوريّ في ترجمة النّصوص اليونانيّة وخاصّة أعمال أرسطو إلى اللّغة العربيّة)، ثمّ إلى ترجمات جاك البندقيّ (Jacques de Venise) ورهبان دير جبل القدّيس ميشيل (mont saint Michel) في فرنسا لتلك النّصوص من اليونانيّة مباشرة إلى اللاّتينيّة ودون المرور بالنّسخ العربيّة أو المعرّبة، ولا مزيّة في ذلك للمفكّرين العرب المسلمين أو “إسلام الأنوار”، فهذا محض “نسيج من الأكاذيب”. ” (7).
هل ينبغي أن نضيف إلى جانب سيلفان غوغنهايم كلّ من سانده من كتّاب المواقع الإلكترونيّة وبعض الصّحف السّيّارة على غرار روجي بول دروا الّذي كتب مادحا الكتاب في ملحق لوموند “عالم الكتب” بقوله: ” على عكس ما نجترّ منذ الستّينات، لا تدين الثّقافة الأوروبيّة في تاريخها وتطوّرها بالشيء الكثير للإسلام، لا تدين بشيء جوهريّ على كلّ حال. يعيد هذا الكتاب الدّقيق والموثّق الأمور إلى نصابها بكل شجاعة” (8)؟
—
إنّ هذا النّوع من الخطاب، ونعني خطاب الهستيري، هو الّذي يعنينا في المقام الأوّل، وهو خطاب لا نريد أن ننزّله في مدار الإسلاموفوبيا أو الإسلاموفيليا، ولا في مدار الخطابات العرقيّة والعنصريّة والتّمركز الأوروبيّ والهويّات الثّقافيّة أي طراز الخطابات الّتي تريد استعادة الأصل والاستحواذ عليه من جديد بنفي كلّ ما ليس له صلة بالأصل، فما إن تكتشف أنّ الآخر جزء مكوّن لهويّتها وأصلها وفصلها حتّى تعمل على إقصائه مشكّلة بذلك الإقصاء هويّة خاصّة خالصة لا تشوبها شائبة. كذلك لا نريد أن ننزلق بالنّقاش من الكتاب إلى الكاتب فنثير على غرار الأستاذ حميد زناز قضيّة “حرّيّة التّعبير” واستتباعاتها السّياسيّة والدّينيّة والثّقافيّة والحضاريّة (9)، ولا أن نقرأ الكتاب قراءة محكومة بأسلوب نظريّة المؤامرة وتوجيه منها كما فعل الأستاذ محمّد الحاج سالم، رغم أنّنا نجد في المعطيات الواقعيّة ما يبرّر هذه القراءة ويشرّعها، ولا أن نكتب على غرار ما يقترحه الأستاذ مختار الخلفاوي ” نِسابة أخرى للحداثة الغربيّة في علاقتها بالإرث اليونانيّ تضع في المركز منها حلقة تضمّ ذلك الرهط من الغرباء من “فلاسفة الإسلام”. ” (10)، وإنّما نريد أن ننزّل كتاب سيلفان غوغنهايم في نطاق سؤال جديد ظهر تاريخيّا سنة 1989 إثر سقوط حائط برلين وانهيار الاتّحاد السّوفياتي. ولهذا التّاريخ أهمّيّة قصوى. فقد ظلّت أوروبا طيلة الفترة الممتدّة من 1945-1989 رهينة قوّتين عظيمتين كان مدار صراعهما في أوروبا وعلى اقتسام أوروبا. وما إن خفّت وطأة الصّراع حتّى بدأ التّفكير في وجه جديد للقارّة القديمة يتعلّق بأسلوب وجود أوروبا والأوروبيّين في العالم. ومن ثمّة نشأ خطاب جديد موضوعه “عودة أوروبا”. وقد نجم هذا الخطاب بصفة خاصّة في ألمانيا وكذلك بفرنسا والنّمسا وأوروبا الشّرقيّة. غير أنّ كتّاب هذه المنطقة من روس وبولونيّين وتشيكيّين قد فهموا “عودة أوروبا” على أنّها “عودة إلى أوروبا”. ولتحديد ملامح هذه العودة انعقدت ندوات شارك فيها فلاسفة ومفكّرون أوروبيّون كالنّدوة الّتي انعقدت بطورين Turin في ماي 1990 بعنوان “الهويّة الثّقافيّة الأوروبيّة” وكان من أبرز نصوصها المنشورة المحاضرة الّتي ألقاها جاك دريدا يوم 20 ماي 1990 وصدرت في كتاب “الرّأس الآخرL’autre cap “. ومن ثمّة توالت المساهمات المفكّرة في هذه العودة لعلّ أبرزها البرنامج الكبير الّذي اختطّه إدغار موران Edgar Morin في كتابه “التّفكير في أوروبا Penser l’Europe” وكتاب جاك عتّاليJacques Attali ” أوروبا(ت) Europe(s)” وكتاب الفيلسوف الفرنسي ريمي براق Rémi Brague “أوروبا: السّبيل الرّومانيّة Europe: la voie romaine”أو مقالته: “أوروبا: كلّ الطّرق تمرّ من روما Europe: tous les chemins passent par Rome”، ودراسة جون كريستوف روفانJean-Christophe Rufin “الإمبراطوريّة والبرابرة الجدد L’Empire et les nouveaux barbares” وكتاب الفيلسوف الألمانيّ بيتر سلوترداك Peter Sloterdijk “لو استيقظت أوروباSi l’Europe s’éveille ” وكتاب الفيلسوف والمحلّل النّفسي السّلوفيني تشيتجاك i~ek} Slavoj “ماذا تريد أوروبا؟Que veut l’Europe?” وغيرها من الكتابات حتّى لا نذكر إلاّ ما صدر فحسب باللّسان الفرنسيّ. ولعلّ مدار جميع هذه الكتابات هو البحث عن صيغة جديدة لوجود الإنسان الأوروبيّ اليوم في العالم. هل ينبغي أن يوجد فيه كما كان من قبل، أي على نحو إمبرياليّ، أم ينبغي أن يبحث عن صيغة جديدة مختلفة عن صورة أوروبا القديمة؟ إنّ قول المؤرّخ الفرنسيّ جاك لوقوف Jacques Le Goff في مقالته “أوروبا القديمة وأوروبانا La vielle Europe et la nôtre” يلخّص برنامج هذه البحوث والكتابات فهو يقول “ينبغي أن تَبتدع أوربا اليوم شكلا آخر من الوحدة غير شكل الإمبراطوريّة”.
في خضمّ هذه العودة ننزّل محاولة سيلفان غوغنهايم في كتاب “أرسطو في جبل سان ميشيل. الجذور اليونانيّة لأوروبّا المسيحيّة”. غير أنّ محاولته قد ظلّت محكومة بالشّكل الإمبراطوريّ القديم الّذي ميّز الرّوح الأوروبيّة الإمبرياليّة. ولمّا كان هذا الشّكل الإمبراطوريّ يعارض خطاب “عودة أوروبا” فإنّنا نعتبر تبنّي شكل الإمبراطوريّة والتّفكير على نحو إمبرياليّ هو الّذي جعل موقف سيلفان غوغنهايم ممثّلا لموقف الهستيريّ، وجعل كتابه، في نظرنا، أنموذجا لبنية خطاب الهستيري الّذي يريد أن يُعمِّد أشياء التّاريخ بأسماء أوروبيّة مستمدّة من أرشيفها اليونانيّ الرّومانيّ المسيحيّ. ولهذا الخطاب أصول تنظّر للإنسان الأوروبيّ أو للرّوح الأوروبيّة. يكفي أن نستحضر في هذا المقام تعريف بول فاليري Paul Valéry لهذا الإنسان ولتلك الرّوح حتّى نتأكّد أنّ ما كتبه سيلفان غوغنهايم يندرج في جنيالوجيا كاملة.
ففي مقالة “أزمة الرّوح La crise de l’esprit” الّّتي ينطلق منها الكثير من المفكّرين للإجابة عن سؤال “من هو الأوربيّ؟” أو “ما هي أوروبا؟” يقول بول فاليري ما يلي: ” على ذلك النّحو تجلّت لي الشّروط الجوهريّة الثّلاثة الّتي بدت لي أنّها تعرّف الأوروبيّ الحقّ، الإنسان الّذي يمكن أن تحلّ فيه الرّوح الأوروبيّة بامتلائها. فأنّى كان لأسماء قيصر César وكايوس Caius وطرجانtrajan وفرجيل Virgile، وأينما كان لإسمي موسي MoWse والقدّيس بولس saint Paul، وحيثما كان لأسماء أرسطو Aristote وأفلاطون Platon وإقليدس Euclide دلالة وسلطة في آن واحد فثمّة تكون أوروبا. فكلّ عرق وكلّ أرض قد أضحى تباعا رومانيّا فمسيحيّ وخاضعا، من ناحية الرّوح، لانضباط الإغريق إنّما هو أوروبيّ” (11). أفليس إخضاع العرق والأرض والرّوح، ويمكن أن نضيف التّاريخ، للتّسمية الأوروبيّة هو ما نفّذه سيلفان غوغنهايم في كتابه”أرسطو في جبل سان ميشيل. الجذور اليونانيّة لأوروبّا المسيحيّة”؟ أليس إخضاع الأشياء للكلمات الأوروبيّة هو من صميم الخطاب الهستيريّ؟ فأيّ موقف نتّخذه، (نحن؟) اليوم، منه؟ إنّنا نرجو من هذا السّؤال أن يتجاوز الجدل الدّائر بين الإسلام وأوروبا مرحلة الانفعال الّذي تثيره الهجمات المتتابعة الّتي تلاحق الإسلام والمسلمين، ونساهم بدورنا، نحن سكّان الجهة الجنوبيّة، أو الرّأس الآخرL’autre cap ، في الإجابة عن سؤال “من هو الأوروبيّ اليوم؟” حتّى نفهم لم نُظر إلينا ويُنظر إلينا وسيُنظر إلينا على ذلك النّحو؟
الهوامش:
1- انظر: Gouguenheim, Sylvain: (2008) Aristote au Mont- Saint-Michel. Les racines grecques de l’Europe chrétienne, Paris, éd. Seuil.
2- انظر مقال محمّد الحاج سالم: هـل سـطـعـت شــمس الله عـلـى الـغـرب حـقّـا ؟ نشر بموقع الأوان، بتاريخ: 5 ديسمبر 2008.
3- انظر مقالة الأستاذ محمّد زناز هل يدين الغرب المسيحيّ للشرق الإسلاميّ بشيء؟ نشر بموقع الأوان، بتاريخ: 20 نوفمبر 2008.
4- أوردها تشيتجاك في كتابه: }i~ek, Slavoj: (1999-2007) Le sujet qui fâche. Le centre absent de l’ontologie politique. Traduit de l’anglais par Stathis Kouvélakis. Flammarion, p222.
5- انظر: Kristeva, Julia: (2005) La haine et le pardon. Fayard, p.p119-128.
6- انظر مقال حميد زناز: هل يدين الغرب المسيحيّ للشرق الإسلاميّ بشيء؟ قد سبق ذكره.
7- لقد اختصرها الأستاذ محمّد الحاج سالم في مقاله الشّيّق (هـل سـطـعـت شــمس الله عـلـى الـغـرب حـقّـا ؟ قد سبق ذكره) معظم الحجج الّتي استند إليها هذا الموقف.
8- انظر مقال حميد زناز: هل يدين الغرب المسيحيّ للشرق الإسلاميّ بشيء؟ قد سبق ذكره.
9- انظر مقال حميد زناز: حول كتاب (أرسطو في جبل سان ميشال) (3) لماذا غربت شمس العرب وأشرقت شمس الغرب؟ نشر بموقع الأوان، بتاريخ: 13 ديسمبر 2008، حيث يقول بالحرف الواحد: “لم يكن المقال يهدف إلى عرض أطروحة الكاتب ومناقشتها بقدرما كان يهدف إلى الحديث عن قضيّة حريّة التّعبير في فرنسا وعلاقتها بما يسمّى ‘إسلاموفوبيا’ والمدّ الأصوليّ في فرنسا ومحاولة الأصوليّين للوقوف أمام أدنى نقد يوجه للإسلام في بلاد الحرّيّة “.
10- هذا ما يقترحه الأستاذ مختار الخلفاوي في مقاله مَنْ تمنْطَقَ تَزَنْدق: عــــــــن الفتنـــــــة اليونـــانيّـــــة في دار الإسلام ! نشر بموقع الأوان، بتاريخ: 14 ديسمبر 2008. ويقدّم في مساهمته هذه تدقيقا أساسيّا في شأن مساهمة الإسلام في تكوّن الحضارة الأوروبيّة حيث يقول: ” يبدو القول بالجذور اليونانيّة المباشرة لأوروبّا المسيحيّة ونفي الحلقة التي تمثّلها تلك العقول وأولئك الروّاد الذين عاشوا ” في الإسلام ” بعبارة شاهد التصدير، قولا لا يوازيه في الضبابيّة والإطلاق والتعميم إلاّ القولُ بأنّ الحداثة الغربيّة مدينة، بانتقال التراث اليونانيّ، للإسلام دون بيان أهو الإسلام الدين (islam ) أم هو الإسلام الحضارة ( Islam ). إنّ الإسلام أسهم في تكوّن الحضارة الأوروبّية، ولكن باعتباره حضارة لا دينا.” والإبراز إبرازنا.
11- انظر: Valéry, Paul: (1924-1967) Variété I, éd Gallimard, p53.
