حكمة التنوير

{{الفصل بين الدولة والكنيسة}}

{كاريكاتور نشرته جريدة le rire بتاريخ 20 /5/ 1905}

ليس هناك أخطر من التطرّف الديني غير التطرّف “الفكريّ” الذي إضافة إلى العنف اللفظيّ وإصدار الأحكام المطلقة والقطعية فهو يتمترس وراء “فكر التنوير”…

وفي الواقع، إذا كان هذا التطّرف الفكريّ التنويريّ المزعوم يؤكّد –كشعار- على بعض عناصر فكر التنوير( العقلانية والتقدم مثلا)، فهو –كمضمون وسياق ودعوة- يبقى بعيدا عمّا ما يمكن أن نسمّيه تحديدا ب”حكمة التنوير”.
ومن هنا اتّسام مضمون هذا الفكر التنويريّ المتطرّف بالسطحية،وانعزال ونخبوية سياق تبلوره وسقوط دعوته حدّ العدمية. وعليه، لا ينبغي أن نستغرب إذا جاءت النتائج عكسية تماما لما يرومه أصلا هؤلاء الذين نسميهم بـ”السوبر- تنويريين” (ونحن لا نشكّ البتة في إخلاصهم وصدق نواياهم) من تقدّم فكر التنوير وإشاعة قيمه.

إنّ التنوير هو فكر وفلسفة وعقيدة ومنهج في الرؤية والسلوك ولكنّه أيضا وبالخصوص حكمة… حكمة التنوير.
ونحن نقصد أساسا بحكمة التنوير ما يلي: النظر إلى الوقائع والأشياء باعتبار إرادة تغييرها والتأثير فيها نحو الأفضل ولكن أيضا وبالخصوص باعتبار سنن الواقع (= الموضوعية) ومنطق التاريخ (= المرحلية) وموازين القوى (= خصوصية ونسبية الفعل والممارسة).ولا يلزم أن يعني هذا الاعتبار الثاني براغماتية فجّة أو توفيقية تلفيقية أو تقدّمية رخيصة وصورية كما لا يلزم أن يعني الاعتبار الأوّل مثالية خارقة أو دون كيخوطية متنطّعة.

إنّ التنوير حدث في أوروبا (وهي البوتقة التي انصهرت فيها عناصر “التنوير القادم من الشرق” الأولية مع معطيات الرأسمالية “الغربية” الظافرة) لأنه –أوّلا- كان هناك تنويريون أقحاح وشجعان خاضوا معركة التنوير بمنطق مقارعة الواقع وليس القفز عليه، والتأثير في حركة التاريخ العامّة وليس تجاهلها أو “ليّ عنقها”، والمراهنة على إيجابية الفعل والممارسة المجتمعيين في خصوصيتهما ونسبيتهما وليس من داخل مطلقات “الحرية” و”العقلانية” و”التقدم”.

إن معركة التنوير في أوروبا كسبت ليس بمنطق “كلّ شيء أو لاشيء” أو بانتظار ظهور “مهديّ التنوير الذي سيملأ الأرض نورا بعد أن ملئت ظلاما”، ولكنّ المعركة كسبت في مواقعها الأساسية (المعركة ما تزال في بعض المواقع التابعة مستمرة إلى يومنا هذا!) لأنها بالضبط خيضت بروح الحرب طويلة الأمد والنفس ، وبمنطق المواقع التي يلزم أن تتساقط واحدا واحدا.

وكان الموقع الأوّل الذي يتحتم إسقاطه هو الفكر الكنسيّ الظلاميّ.

وقد بدأت المعركة “التنويرية” الأولى ضدّ الفكر الكنسيّ الظلاميّ مع “الرشديين اللاتين” (هؤلاء الذين تمثلوا رسالة الفيلسوف المسلم ابن رشد العقلانية ونقلوها إلى بيئتهم المسيحية ابتداء من القرن الثالث عشر) ،واستمرّت مع طلائع “النهضة” (إراسموس 1468-1536 الذي ألّف كتابا بعنوان “مديح الحماقة” يسخر فيه من التديّن الزائف والأخرق)،وترسّخت معركة “التنوير” مع عقلانية ديكارت (1596-1650) التي فتحت الطريق واسعا أمام سبينوزا (1632-1677) الذي دشّن حركة نقد النصوص المقدّسة بكتابه رسالة في السياسة واللاهوت وما تلاه من “نقود” مماثلة: ريشار سيمون الفرنسي، ريماروس الألماني، “الربوبيون” الإنكليز…)،وجاءت الفلسفة الكانطية العظيمة لتنصّب العقل حكما وحاكما وحيدا على نفسه وبالتالي بلوغ الإنسان مرحلة الرشد العقليّ الذي هو مضمون فكر التنوير بامتياز. فكان هذا انتصارا حاسما في حرب طويلة وعسيرة سبقت القرن الثامن عشر المسمّى عادة “قرن الأنوار” واستمرّت بعده لتتوّج –أخيرا- بمكسب فرض فصل الدين عن السياسة وتحوّل الدين (أيّ دين) إلى شأن روحيّ وأخلاقيّ فرديّ أو جماعيّ.

وعليه، أنا أقولها صراحة كمغربيّ مسلم: إنّ معركة التنوير الأساسية راهنا في العالم الإسلاميّ هي عزل الإسلام كتراث روحيّ وأخلاقيّ عظيم وانتزاع الوصاية عليه من أيدي كهنوت إسلاميّ نصّب نفسه بهذه الصفة إرهابا وتواطؤا مع حكام مستبدّين وفاسدين.وهذه هي معركة “تنوير الإسلام” الراهنة والحاسمة التي لن نربحها بمنطق “السوبر-تنوير” ولكن بمنطق “حكمة التنوير”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This