لأجل البهائم ينزل الله المطر!
بعد انتهاء عطلة عيد الأضحى، رجعت إلى دمشق، فوصلتها مساء. نزلت من الباص في كراج البولمان، ثمّ استقلّيت سيارة أجرة متّجهاً إلى البيت. وفي الطريق سألني السائق كيف المطر عندكم بعد أن عرف أنني قادم من مدينة حمص؟ فقلت له ليس كثيراً، فهو أقلّ ممّا كان يهطل في العام الماضي، حتّى أنّ الثلج لم يسقط هذا الموسم ، فعندما لا يهطل الثلج، فإنّ الخير يكون قليلا. وعلى أية حال، فقد قلّ هطول الأمطار والثلوج تدريجياً منذ أن تمّ إنشاء جسر بين قريتنا والقرية التي كنا نتعلّم في مدرستها. وقلّ أيضاً بشكل ملحوظ بعد أن تمّ إنشاء سدّ تخزينيّ في أوّل قريتنا. ومنذ ذلك الحين، يعتقد أهل القرية أنّ إنشاءهما كان نذير شؤم عليهم، بعد ما كانت الأمطار والثلوج تهطل بغزارة طوال فصل الشتاء قبل إنشاء ذلك الجسر والسدّ التخزينيّ.
ضحك السائق قائلاً: لا يا أستاذ. السبب هو في قلّة الإيمان بالله. سألته: وما علاقة الله بنزول المطر من عدمه؟ فهل نزل الله على الأرض وذهب مثلاً إلى غوطة دمشق التي كنتم تتغنّون بها وقطع أشجارها وشيّد مكانها بيوتا وفيلات من الأسمنت، وأقام الملاهي والورش والمعامل الصناعية التي أخذت تنفث غازاتها السامّة في الهواء؟ أو هو الذي أمر بإحراق الغابات في اللاذقية وقطع أشجارها أو هو الذي تسبّب في تلك الغيمة السوداء التي تعلو سماء دمشق صيفاً وشتاء .؟؟ رد السائق بانزعاج: معاذ الله أن يكون الله كذلك. وأضاف: نحن الذين قطعنا تلك الأشجار وبنينا وهدمنا وأحرقنا و..و..الخ . قلت له: أنت قلتها. فإنّ تلك الأعمال والنشاطات التي قمنا ومانزال نقوم بها تعتبرمن أهمّ الأسباب التي ساهمت في قلّة سقوط الأمطار عليّ وعليك وعلى الكثير من البشر، ولا علاقة لمشيئة الله بذلك.
نظر إليّ السائق باستغراب مؤكداً: إنّ نزول المطر من عند الله، فهو خالق هذا الكون وما فيه، وهو الذي بقدرته الكلّية يتحكّم في كلّ شيء حتّى في نزول المطر، وإن ذكره على الدوام يفيد في نزول المطر علينا. ثمّ وضع شريط كاسيت في مسجّلة السيارة ليؤكّد أنّ نزول المطر إنّما يتمّ بعون الله وأمره..
خرج صوت داعية من آلة التسجيل سائلاً: هل فكّرت يوما بنعمة نزول المطر قطرات؟ هل تعلم بأنّ ما من قطرة إلّا ومعها ملك ينزل بها من السحاب ويدعها في المكان الذي كتبه لها الله تعالى.؟ ثمّ أضاف: أيّها المؤمنون إنّ من أعظم أسباب نزول الغيث كثرة الاستغفار والتوبة، فإنّ الله جلّ وعلا أمر عباده عند انحباس المطر عنهم أن يستغفروه ويتوبوا إليه. فاتّقوا الله، عباد الله، واعلموا أنّ من أسباب نزول المطر دعاء الله وسؤاله والإلحاح عليه، فإن ربّكم قريب مجيب لا يخلف الميعاد فأحسنوا الظنّ به. وأعظموا الرغبة فيما عنده. أظهروا الفاقة والحاجة والذلّ له والانكسار بين يديه فإنّه جلّ وعلا ابتلاكم بحبس المطر لعلّكم تذكرون فترجعون إليه وتضرعون إليه. وختم الداعية بالقول: إنّ الله لا يسقط على قوم مطرا أبداً، ولكن لأجل البهائم ينزل الله المطر ولو لم تكن هناك بهائم لما أنزله.
فقلت للسائق: كفى. لا أريد أن أسمع المزيد من الهراء.. سنبقى متخلّفين. وسوف يقلّ سقوط المطر علينا طالما أنّنا نعتقد بهذا الهذيان الذي تسمعه. فإذا كانت الحيوانات سبباً في نزول المطر علينا، فلا خير لبشر كانت الحيوانات سبباً في سقوط المطر عليهم. ثم سألته: ألسنا نحن العرب أكثر الناس في هذه المعمورة ذكراً لله؟ فنحن نذكره على مدار اليوم والساعة وحتّى في كلّ ثانية. فلماذا لا ينزل المطر؟ وهل تفسّر لي كيف أنّ هناك شعوبا ينزل المطر عليها مدراراً، مع أنّها أقلّ الشعوب ذكراً لله، كما هو الحال في بلجيكا والدانمرك مثلاً.!؟
وقبل أن أنزل من السيارة، قلت للسائق: إنّ مسألة انحباس المطر وقلّة نزوله وانتشار الجفاف من حولنا هي من المسائل التي لا علاقة لها بذكر الله من عدمه أو بمدى إيمان الإنسان به، بل تتعلّق، في جزء أساسيّ منها، بنشاط الإنسان على هذه الأرض من زيادة في النموّ الصناعي وزيادة الملوّثات التي تقذف بتراكيز عالية في مقومات البيئة الأساسية (الهواء -المياه –التربة)، وكذلك النشاط الزراعي المتمثّل في القطع الجائر للأشجار وزيادة الغابات الإسمنتية على حساب الأراضي الزراعية والمساحات الخضراء والتزايد السكاني.. ممّا انعكس ومازال ينعكس سلبياً بصورة واضحة على دورة المياه في الطبيعة ابتداء من مرحلة تبخّرها من الأرض وانتهاء بعودتها ثانية إليها محمّلة بالملوّثات المختلفة بدل أن تكون نظيفة. فردّ السائق قائلاً:
– الله يهديك.
وانطلق مسرعاً..!
