مائويّة كلود لفي-ستروس (14) كلود ليفي ستروس والإسلام




قلنا سابقا بان كلود ليفي ستروس يكره الأديان التوحيدية عموما والإسلام على وجه الخصوص. وقد آن الأوان لكي نشرح موقفه هذا بقدر المستطاع. ينبغي العلم أولا بأنه ملحد بشكل  مطلق وكامل. وقد أزعج إلحاده مفكرا يهوديا كبيرا مجايلا له هو: ايمانويل ليفيناس، تلميذ هوسيرل وهيدغر. يقول عنه هذا الأخير ما يلي: “إن الإلحاد الحديث ليس نفي الله وإنما اللامبالاة المطلقة بوجوده. وهي تتجلى أكثر ما تتجلّى في كتاب كلود ليفي ستروس: “المداران الحزينان”. أعتقد أنّه الكتاب الأكثر إلحادا في كلّ عصرنا، الكتاب الأكثر ضلالا وإضلالا..”


لماذا كلّ هذا الهجوم؟ لأنّ ليفيناس فيلسوف وجوديّ مؤمن ومتبحّر بالدين اليهوديّ ومتعلّق به. في حين انّ كلود ليفي ستروس لم يبد طيلة حياته أيّ اهتمام باليهودية كدين. وعندما سأله أحدهم: ألم يخطر الدين على بالك ولو للحظة واحدة فإنّه أجاب: إذا كنت تقصد بالدين الشعور بعلاقة حميمة مع إلاه شخصيّ فإنّي لم أشعر بالحاجة إلى ذلك قطّ. هذا أمر لا يعنيني إطلاقا. وبالتالي فلا مكانة للدين في حياتي.

هذا الكلام يرعب المفكرين المؤمنين هذا ناهيك عن الناس العاديين.. نقول ذلك خاصّة أنّه صادر عن حفيد أحد الحاخامات الفرنسيين الكبار! ولكن ألم يكن نيتشه أكبر ملحدٍ في التاريخ وهو سليل القساوسة البروتستانتيين أبا عن جد منذ عشرات السنين؟ أحيانا ينقلب أبناء رجال الدين على الدين أكثر بكثير من أولئك الذين لم يتلقّوا أيّ تربية دينية في طفولتهم ولم يسمعوا بالدين إلا من بعيد ولم يتعرّضوا لقمعه وإرهابه. وذلك على عكس أولئك الذين تربّوا تربية دينية صارمة في طفولتهم. فهؤلاء قد ينقلبون على الدين ويكرهونه أكثر بكثير لأنّهم كانوا قد عانوا كثيرا من التربية القمعية للدين لرجال الدين. ثم لأنّهم يعرفون جيّدا معنى التعصّب الدينيّ لأنّهم تربّوا على كره الآخر وعلى الخرافات الدينية وكلّ أنواع النفاق والازدواجية وبقية العاهات المرتبطة بالمشائخ والكهنة عادة خاصّة في عصور الانحطاط. و ينقلبون بالتالي على كلّ ذلك ويصبحون ملاحدة كردّ فعل على هذا القمع الرهيب، ثم من أجل أن يتنفّسوا بحرية. وقد وصل الأمر بنيتشه حدّ قول ما معناه: إذا حصل أن سلّمت على أحد رجال الدين بالصدفة فاغسل يدك بالصابون عشر مرات على الأقلّ..

ولكن لا توجد قاعدة عامة بهذا الخصوص. فقد تصبح متديّنا جدّا لأنّك تربّيت في بيئة دينية. وبالتالي فحذار من التعميم. وليس كل المتدينين أصوليين متعصّبين مكشّرين عن أنيابهم..فهناك أناس روحانيون ومتصوّفون كبار لا يفرضون الدين عليك فرضا ولا يقمعون أحدا. ثم إنّ والد ليفي ستروس كان رساما لا رجل دين. ولا أعرف ما إذا كان جدّه الحاخام قد أثّر عليه في طفولته أم لا.

أيا يكن من أمر فإنّ ليفي ستروس يعتبر التصوّرات الدينية من جنّة ونار وثواب وعقاب ووحي ورسل وملائكة وشياطين وحوريات وعقائد وطقوس وسوى ذلك بمثابة تصوّرات تجريدية أو مجانية مثلها في ذلك مثل أية أساطير أو تصوّرات خيالية كان يدرسها لدى الشعوب البدائية، لا أكثر ولا أقلّ. إنّها تشكّل عزاء للناس عن الموت لأنّهم يخشون الفناء الأبديّ إلى أقصى حدّ ممكن. الناس لا يريدون أن يموتوا في نهاية المطاف. وبالتالي فإنّهم يتعلّقون بها ويحلمون بحياة أخرى بعد الموت ويخترعون كلّ هذه القصص والتصوّرات المسلّية والمطمئنة لعامّة الناس..هذا هو رأي ليفي ستروس.

والآن نطرح هذا السؤال:

هل هو عدميّ يا ترى؟ بدون أدنى شك ولكن بالمعنى الايجابيّ الخلاّق لا السلبيّ الهدّام. والدليل على ذلك أنّه صرّح عام 1993 في إحدى مقابلاته الصحفية قائلا: يوجد في أعماق أعماقي مبدأ أقصى يقول لي إنّه لا يوجد شيء له معنى على هذه الأرض. كل شيء سيندثر ويزول. وبالتالي فلا معنى لوجودنا. ولكن بالطبع فأنت مضطرّ للتصرّف والعمل والإنتاج وكأن للأشياء معنى وإلا فإنّك لا تستطيع أن تستمرّ على قيد الحياة ولا أن تفكّر ولا أن تبحث ولا أن تنتج.. ولكن في نهاية المطاف كلّنا عابرون وزائلون بما في ذلك المعنى ذاته..حتى المعنى يفقد معناه ويتفكك وينهار..والفراغ هو الذي ينتصر في النهاية أو العدم المطلق.

ويرى كلود ليفي ستروس أنّ جميع الحقائق عابرة ومؤقّتة. ولهذا السبب فإنهم يصنّفونه في خانة المفكّرين الشكّاكين أو الارتيابيين على طريقة مونتيني، الفيلسوف الفرنسي الذي عاش في القرن السادس عشر.

مثل هذا التصوّر للأمور يرعبنا ويجمّد الدم في عروقنا وأنا شخصيا ضدّه وإن كنت لا أستطيع نقضه. ولكن المسيو ليفي ستروس لا يرعبه أيّ شيء على ما يبدو..

لكن مشكلته مع الأديان التوحيدية تعود إلى نقطة أخرى أشدّ خطورة. فهي على عكس الأديان التعددية المشركة التي يحبّها من يابانية وهندوسية وسواها تعتقد بامتلاك الحقيقة الإلهية المطلقة. وهنا تبتدئ المشاكل. فإذا كنت أعتقد أنّي أمتلك الحقيقة الإلهية المقدسة المتعالية فإنّه يحقّ لي أن أقتلك إذا كنت لا تنتمي إلى ديني أو مذهبي، إذا كنت ترفض الدين الوحيد الحقّ. هذا ما يفعله الأصوليون عموما خاصة في الإسلام على حدّ رأيه. من هنا موقفه العنيف ضدّ الإسلام والذي عبّر عنه مطولا في كتاب المدارات الحزينة ثم كرّره لاحقا في عدّة مقالات أو مقابلات. فمشكلة الإسلام في رأيه هي أنه لا يقبل بوجود الآخر كآخر له اعتقاده المختلف. انه لا يطيق ذلك على الإطلاق. ومن هنا ينتج التعصب الذي يسود المجتمعات الإسلامية عموما. يقول بالحرف الواحد:

“غنّ الإسلام دين كبير لا يرتكز على بداهة الوحي بقدر ما يرتكز على عجزه عن إقامة علاقات طبيعية مع الخارج. ففي مواجهة الطيبة الكونية للبوذية، وفي مواجهة الرغبة المسيحية في الحوار، نلاحظ أنّ التعصّب الإسلاميّ يتّخذ صيغة لاواعية لدى أتباعه. أقصد بذلك أنّهم إذا كانوا لا يحاولون دائما وبشكل عنيف  إجبار الآخرين على اعتناق دينهم أو حقيقتهم إلا أنّهم، وهذا أخطر، يبدون عاجزين عن تحمّل وجود الآخر كآخر. بمعنى آخر فإنّ وجود البوذي أو اليهودي أو المسيحي أو الهندوسي الخ..يشكّل فضيحة بالنسبة لهم. والواقع أنّ الطريقة الوحيدة لكي يضعوا أنفسهم بمنأى عن الشك والإذلال تكمن في إعدام الآخر. لماذا؟ لأنّ مجرّد وجوده يعتبر دلالة على إمكانية وجود إيمان آخر أو اعتقاد وسلوك آخر في الحياة. وهذا شيء يصعب عليهم أن يطيقوه. انه أكبر من قدرتهم على التحمّل. وهنا تكمن مشكلتنا مع الإسلام والعالم الإسلامي. ينبغي العلم أن الأخوّة الإسلامية هي عبارة عن رفض مطلق للآخر، أي لغير المؤمنين بالإسلام. ولكنه رفض ضمني لا يصرح بذاته حقيقة لأنّه إذا ما صرح به فان ذلك يعني انه يعترف بالآخرين كأشخاص موجودين على الأقلّ.”

ما الذي نستنتجه من هذا الكلام؟ نستنتج أن ليفي ستروس يعمم الوضع الحالي حيث يسيطر التأويل الانحطاطي إن لم أقل السلفي الظلامي للإسلام على كل تاريخ الإسلام! وهذا خطأ ما كان ينبغي لعالم كبير مثله ان يقع فيه لان الإسلام في عصوره الزاهرة لم يكن منغلقا ونافيا للآخر كما حصل لاحقا في عصر الانحطاط ثم في عصرنا الراهن أيضا. يضاف إلى ذلك انه في العصور الوسطى كان أكثر تسامحا من المسيحية مع أتباع الأديان الأخرى. هذه نقطة. أما النقطة الثانية، وهي الأخطر، فإنّ كلامه يوهم بان  الإسلام كان هكذا وسيبقى هكذا إلى أبد الآبدين! بمعنى آخر فإنه ينفي إمكانية حصول التنوير العربي الإسلامي يوما ما. وبالتالي فهو يطلق أحكاما جوهرانية وأكاد أقول عنصرية على الإسلام والمسلمين لأنّه ينفي عنهم إمكانية التطور والاستنارة مستقبلا. وهنا يكمن احتقاره للتاريخ وعلم التاريخ بصفته بنيويا ثبوتيا ذا نظرة جمودية. وليس صحيحا قوله بأن المسيحية كانت دين الحوار على مدار التاريخ. على العكس كانت تزعم امتلاكها للحقيقة الإلهية المطلقة طيلة ألفي سنة تقريبا: أي حتى انعقاد المجمع الكنسي المشهور باسم الفاتيكان الثاني عامي 1962.1965. عندئذ جددت لاهوتها وتصالحت مع فلسفة التنوير وتراجعت عن مقولتها الشهيرة التي كانت ترددها على مدار العصور والأجيال: خارج الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية المقدسة لا خلاص للإنسان ولا مرضاة عند الله. وبالتالي فأديان التوحيد كلّها سواء من هذه الناحية: كلها تحتكر الحقيقة المطلقة وتكفّر الآخر. ويكفي أن نتحدّث خمس دقائق فقط مع أيّ أصوليّ يهوديّ أو مسيحيّ أو مسلم كي نتأكد من ذلك. وللأسف فإنّ أفكار ليفي ستروس القطعية الارتجالية اللامسؤولة عن الإسلام أصبحت تستخدم حاليا من قبل اليمين المتطرف الفرنسي واليمين الصهيوني أيضا لملاحقة أبناء الجاليات العربية والإسلامية في فرنسا وعموم الغرب وبخاصة بعد 11 سبتمبر. وبالتالي فالاعتراف بمكانته كمفكر كبير في مجالات معينة لا يعني أنّه معصوم عن الخطأ او الزلل. فهو أحيانا يطلق أحكاما ارتجالية عجيبة. ولكن هذا لا يقلل من أهميته بالطبع في مجالات أخرى عديدة.

في الواقع كي نكون منصفين معه، ينبغي أن نخفّف من حكمنا السابق عليه ونأخذ بعين الاعتبار تصريحاته الأخرى. فهو يقول مثلا هذه العبارة التي قد تبدو غريبة الشكل وتناقضية من حيث الظاهر:

إن الإسلام الذي كان مخترع التسامح في الشرق الأوسط لا يغفر الآن لغير المسلمين عدم التخلي عن أديانهم من أجل اعتناقه فورا. وذلك لأنّه يتفوق على جميع الأديان الأخرى بخاصية واحدة: هي انه يعترف بها كلها.

كيف نفهم هذه العبارة؟ أعتقد انه يقصد بها أن الإسلام كان متسامحا في الماضي إبان العصر الذهبي ثم تخلف وتدهورت أموره وأصبح متعصبا في الوقت الحاضر. يضاف إلى ذلك أنه الدين الوحيد الذي يعترف ببقية أديان الكتاب الأخرى كاليهودية والمسيحية هذا في حين أن هذه الأديان لا تعترف به ولا بنبيه ولا بقرآنه.

وبالتالي فالرجل يبدو موضوعيا هنا. ولكنه يفاجئنا بعبارة أخرى صرح بها عام 2000 لمجلة النوفيل اوبسرفاتور. وفيها يقول: إن الاحتكاكات القليلة التي حصلت لي مع العالم العربي تركت في نفسي اشمئزازا لا يمحى!

مثل هذه التصريحات تصدمنا جدا ونستغرب صدورها عن عالم كبير مثله. فهل بقيت في أعماقه بقايا عنصرية قديمة كما صرح لي بذلك بيير بورديو يوما ما؟ ربما. وهذا من غر ائب الأمور. فالرجل الذي فكّك العرقية المركزية الأوروبية وأثنى على ثقافات الشعوب المستعمرة وهاجم العنصرية في اليونيسكو بخطاب شهير لم يستطع التخلّص كليا من هذه الأحكام العنصرية بالذات!

ولكن من جهة أخرى يقول البعض إنه قلق على العلمانية الفرنسية من وجود جاليات إسلامية ضخمة في الغرب وبخاصة في فرنسا. ففي السابق ما كان احد يحاكم من يهاجمون الأديان أو المعتقدات عموما. انظر ما حصل للروائي ميشيل ويلبيك الذي جرته المنظمات الإسلامية إلى المحكمة بعد أن هاجم الإسلام علنا مدعيا أنه دين الأغبياء أو البلهاء.. وما كان أحد ينتقد العلمانية أو يدعو إلى توسيعها وتدريس تاريخ الأديان في المدارس..وما كان أحد يدعو إلى التقى والورع وحشمة النساء وعدم انتقاد الأديان أو الأنبياء او المقدسات الخ..أما الآن فقد أصبح ذلك شائعا. وفي رأيه انه لولا تواجد الجاليات الإسلامية في المجتمعات الأوروبية لما حصل كل هذا. فهي التي تشد إلى الخلف، إلى التدين وممارسة الشعائر والطقوس في عالم معلمن بالكامل، عالم خلا منها كليا تقريبا. وبالتالي فهو يخشى من حصول تقهقر او تراجع حضاري في فرنسا وعموم أوروبا من جراء ذلك. كما يعتقد أنّ هناك أخطارا تحيق بالعلمانية الفرنسية وينبغي أن ننتبه إلى الأمر وندافع عنها بقوة. فهي مكتسب كبير لا يمكن التراجع عنه بأي شكل. من هذه الناحية قد يكون معه بعض الحق. ولكن الإحصائيات أثبتت أن أغلبية الجالية تشبه المجتمع الفرنسي ولم تعد متعلقة بالطقوس والشعائر. وحتما لو تحسنت أوضاعها المادية لأصبحت أقل تعاطفا مع نعيق الغربان والأصوليين. وبالتالي فتقع على كاهل الدولة الفرنسية مسؤولية كبيرة في هذا المجال. هل يمكن القول إنّ كلامه المتشنج تجاه كل ما هو عربي أو مسلم يدخل في خانة ما يدعى الآن بصدام الحضارات؟ البعض يعتقد ذلك..

ففي تصريحاته الفجة والمفاجئة الكثير من الظلم للجاليات العربية والإسلامية. فأغلبيتها كما قلنا لا تنتمي إلى التيار الأصولي المتزمت وإنما إلى التيار المنفتح والمتفاعل مع الحداثة. ومعظمها لا يبحث عن المشاكل إطلاقا وإنما عن لقمة العيش الشريفة وتربية اطفاله كبقية البشر. وليسمح لنا كلود ليفي ستروس وكلّ اليمين الفرنسي الذي التحق به مؤخرا بعد أن كان ذا ميول اشتراكية في بداية شبابه إذا ما قلنا له إنّ هذه الجالية الضخمة هي حظّ لفرنسا مثلما أنّ فرنسا الديمقراطية الحرة الحديثة العلمانية هي حظّ لها.. 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This