في الروائيّ والميتاروائيّ

 

                                      1

    هل طرق فنّ الرواية كلّ أبواب التجديد وجاس ممكناته ليبلغ نقطة العود الأبديّ على الذات حيث تواجهه لعبة المرايا المشروخة المتعاكسة التي تحيله لا نهائيا إلى تاريخه وصيرورته في مراوحة مضنية بين قول الذات ونفيها، بين مطلق الانهدام ومطلق الانبناء؟

                                      2

    سؤال الميتاروائيّ: هل إنّ انثناء النصّ الروائيّ على ذاته واحتفاءه المفرط، بل وسكره بها، يعكس نضوب الرواية من حيث هي جنس أدبيّ أم تحقّقها الفعليّ باعتبارها فنّا هو الأقدر على قول ما لا ينقال؟

                                      3

    هل أدركت الكتابة الروائيّة من تاريخها ما أدركته الفلسفة إبان اللحظة الكانطية: لا إمكان لأيّ قول فلسفيّ إلا بما هو ارتداد نقديّ من العقل على ذاته ليعيد اكتشافها وليؤثّث بيته الخاصّ عبر تنظيم العلاقات بين ملكاته ووضع الحدود التي عليه ألاّ يتجاوزها حتى لا ينخدع في حقيقة قدراته؟

                                      4

    أم إنّها لحظة هيغلية: ماتت الرواية يومَ، من أحشائها، انبجس الميتاروائيّ. يوم لم يعد للنصّ الروائيّ إمكان إلا بما هو سؤال عن ذاته وبها وفيها…قياسا على “مات الفن يوم ولدت الإستيتيقا” = مات التعبير الجميل عن الفكر لحظة بلغ الفكر من مغامرة وعيه بذاته اللحظة التي لم يعد يمكنه فيها أن ينقال على الحقيقة إلا بعنصر من صميمه الحميم: المفهوم؟

                                      5  

    الميتاروائيّ: قياسا على الميتالغويّ، الميتا-لغة، اللغة البعدية (قياسا أيضا على الميتاقيزيقا بما هي في الأصل العنوان الذي جُمعت تحته كتابات أرسطو التي جاءت بعد كتاب الطبيعة لتشير في ما بعد إلى “العلم” الذي يختصّ بالنظر في الكائنات اللامادية)…خطاب من الدرجة الثانية لا يسمّي الأشياء ولا يصف الوقائع (بما هي علاقات الأشياء فيما بينها) بل يسمّي الأسماء ويصف القضايا التي تقول الوقائع (باعتبار القضايا علاقات بين الأسماء). لكنّ كلّ ميتا-لغة تستدعي ميتا-لغة تقول ما لا يمكن للأولى قوله من داخلها. وهذه بدورها تتطلّب أخرى تقول ما لا يمكن لها قولها عن ذاتها…ذاك ما يفضي إلى اللاتناهي. واللاتناهي يصبّ ضرورة في الصمت: في نهر هيرقليطس أو في ذهول المتصوّف. ” كل ما يمكن قوله يمكن أن يقال بكامل الوضوح. أما ما لا يمكن قوله فينبغي السكوت دونه”. هل هي لحظة فيتغنشتاينية إذن؟

                                      6

    الميتاروائيّ مثل الميتالغويّ متعدّد الأصناف والأشكال وكيفيات الحضور: خطابات اللسانيّ والمنطقيّ وفيلسوف اللغة خطابات ميتالغوية بالضرورة. فهي تهتمّ بالدال والمدلول والعلامة والبنية والمرجع والمعنى والمغزى والحقيقة والحدّ…فهي لا تسمّي الموضوعات بل أسماءها ولا تصف الظواهر لتحديد قوانينها بل تحلّل العبارات لتظهر قواعد ترابطاتها.

    القاموس: خطاب ميتالغويّ بامتياز. القاموس: شبكة لا متناهية من الإحالات الداخلية. لا يحيل القاموس إلى خارجه إلا عرضا (عبر الرسوم التوضيحية أو الشواهد مثلا). لا يمكن لكلمة ما أن ترد في القاموس أقلّ من مرتين.

                                      7  

    حلم روائيّ مجنون: كتابة رواية أو “ميتارواية” على شاكلة القاموس أو القاموس المضادّ. التحرّر نهائيا من حدود الزمان والمكان. من التاريخ. من الحرص على مشابهة حقيقة مفترضة أو مفروضة. إبداع عالم مكتف بذاته محتفل بها. إنشاء موسيقى كونية عارمة مرعبة لا تحيل إلا على مفرداتها الخاصة.

                                      8

    في الخفّة اللامحتملة للكائن حاول ميلان كونديرا أن ينجز جزءا من هذا الحلم. في الفصل الخامس المعنون “الكلمات التي لم تفهم” يصوغ الراوي أو المؤلّف (الذي يتدخل مرارا بصفته تلك) نوعا من المعجم المختصر. لكنّ التعريفات الواردة فيه قائمة لا على توحيد المختلف كما هو الشأن في المعاجم بل على زرع الفرق والتنافر وسوء التفاهم فيما يبدو منسجما وموحّدا. فكلّ من فرانز وسابينا يستحضر صورا ويعيش انفعالات متنافرة كليا لدى استحضار كلّ منهما لكلمات مثل “المرأة” أو”الخيانة” أو “الموسيقى” أو “الضوء والعتمة” (يغمض الاثنان عينيهما أثناء المضاجعة لكنّ فرانز يفعل ذلك لأنّ الظلمة خالصة وكلية، لا صور فيها ولا رؤى، “الظلمة هي اللانهائيّ الذي يحمله كلّ منّا في ذاته”. أما سابينا فتغمض عينيها أيضا، ولكن لأنّ مشهد فرانز يضاجعها مغمض العينين يصيبها بالقرف!).

    المعجم الروائيّ: شكل أقصى من حضور الميتاروائيّ. يرتدّ النصّ على ذاته ويحيل عليها ليحدّد مفرداته واستعمالاتها وعلاقاتها. السياق السرديّ في تطلّعه إلى مغايرة اللغة الطبيعية مغايرة جذرية. القاموس الميتاروائيّ نظيرا أو ضديدا للقاموس، للميتالغويّ بامتياز.

                                      9     

    في بروموسبور لحسن بن عثمان يُستعمَلُ لفظا “بروموسبور” و”روبافيكا” أو”فريب” بدلالات أوسع بكثير من التي لهما في اللغة المعتادة وإن كان الاستعمال الميتاروائيّ ينطلق من الاستعمال اليوميّ. تتجاوز “بروموسبور” مدلولها الأصلي (الرهان الرياضيّ) لتشمل الحظّ (السعيد أو العاثر) والمقامرة والصدفة والمعجزة والقدر. نهيق الحمار الذي ينقذ طفلا من براثن مغتصبه في اللحظة الحرجة بروموسبور. عود الكبريت الذي يسحبه نفس الطفل في إطار القرعة التي تنتخبه من بين بقية الإخوة ليعيش في العاصمة مع خاله العقيم بروموسبور أيضا. وأخيرا فإنّ فعل الكتابة هو ذاته ضرب من البروموسبور: مقامرة بالذات جسدا ومعنى. وهكذا ينزلق اللفظ من تيمة روائيّة إلى انعكاس ميتاروائيّ للنصّ على ذاته.

    كذلك الأمر بالنسبة إلى “روبافيكا” أو “فريب” إذ يشمل الأدباش والتقنيات والعلوم ومظاهر السلوك والأسماء والأفكار والمعايير والحروب وأساليب الكتابة وأجناسها ومنها الرواية ورواية بروموسبور ذاتها التي تعي جيّدا وبشكل مأساويّ “فريبيَتها”. تعيها بما هي رواية عربية أي مكتوبة بلسان غير ذاك الذي ولدت ونشأت ونضجت فيه الرواية جنسا أدبيا. وتعيها بما هي رواية تونسية أي مولودة في بلد عربيّ غير ذاك الذي تحقّقت فيه تراكمات ومن ثمّة تجديدات مبدعة في فنّ الرواية (مصر).

    وهكذا يرتدّ العمودان اللذان عليهما ارتفع بناء الرواية شكلين من تفكيرها في ذاتها. أو هكذا ينقلب الروائيّ ميتاروائيّا. وهذا ما يعلنه عباس ومن ورائه سيسي الكاتب (ومن وراء هذا الأخير ضعفه أو صنوه أو ضديده أو ظله أو مثاله حسن بن عثمان): ” هذا هو الجزء الثاني من رواية لسيسي الكاتب، صاحبي، الذي سبق أن ذكرت لك اسمه، دون أن أتوسّع في حياته. إنها رواية يعمل على كتابتها (التشديد من عندنا)، وقد اختار لها عنوانا غريبا بروموسبور وموضوعها عن عقلية الرهان والروبافيكا، وتتضمّن دسائس ثقافية ومكائد اجتماعية في هوامشها، تدور أحداثها بين ثلاث شخصيات رئيسية هم أنا وأنت وهو”.

                                       10

    نصّ متاروائيّ بامتياز: Marelle للأرجنتينيّ خوليو كورتثار. منذ البدء يعلن النصّ لعبته السرديّة المركبة: “هذا الكتاب على طريقته جملة من الكتب. ولكنّه على وجه التخصيص كتابان. والقارئ مدعوّ إلى الاختيار بين الإمكانيتين التالي ذكرهما: يقرأ الكتاب الأول كما تقرأ الكتب عادة وهو ينتهي عند الفصل 56 حيث تعوَض ثلاث نجمات صغيرة وجميلة كلمة “النهاية”. بعد ذلك يمكن للقارئ أن يترك الباقي دون أيّ ندم. أما الكتاب الثاني فيقرأ بداية من الفصل 73 مع مواصلة القراءة حسب الترتيب المؤشّر عليه مع نهاية كلّ فصل”

    داخل النصّ المتكثّر والمتشظّي يبدع كورتثار صنوه أو ضعفه أو مثاله أو ضديده (ويسمّيه “مورلَي” مشتقّا إيّاه هكذا من اسم اللعبة التي تُعَنْوٍنُ الكتابَ وهي اللعبة التي تسمّيها الفتيات الصغيرات عندنا “الزيستة” أو لعبة “الحجلة” ويدفعن فيها حجرا عبر مربّعات متلاصقة مرسومة بالفحم أو الطباشير حتى يتمّ إيصالها إلى الدائرة النهائية أي يتمّ تحجيجها بمعنى إيصالها إلى الحجّ) ليزرعه في خلايا الرواية سمّا لغويا زعافا، فيروسا شيطانيا ماكرا يقضم المعاني ويفتّتها، يعبث بالشخوص ويستسلم لعبثهم به. ويعبث خصوصا بالقرّاء إذ يستلّ من تحت أعينهم الناعسة ومخيّلاتهم الكسولة تلك الوسادة التي خملوا على نعومتها السردية قرونا: الحكاية.

                                       11

    لا يستقيم أمر الرواية إلا بما هي متّكئة على حكاية. ولا تستقيم الميتارواية بما هي مُضيّ بالفنّ الروائيّ إلى أقاصيه الممتنعة، إلى ما لا ينقال منها وفيها، إلا عبر العبث بالحكاية، تدميرها لتكون لا-حكاية تحيل الكتابة إلى محو أو إلى لا-كتابة (حسب ما نادى به ألان روب-غرييه في تنظيره للرواية الجديدة).

                                       12

    يلعن مورلي (ومن ورائه كورتثار) ما يسمّيه القارئ-المرأة. ليس ذلك طبعا موقفا ميزوجينيا استنقاصيا للأنوثة لصالح الذكورة (أغلب الشخصيات المضيئة والجذابة نسائية) وإنما هو مجاز بيولوجيّ صرف: إنه يلعن القارئ الذي هو تقبُّلِيّة محضة يفتح خياله الخامل للنصّ-القضيب نشدانا للذة سالبة لا فعل فيها ولا حركة. إنه القارئ الذي كونته الرواية التقليدية بحكاياتها وعقدتها، بانضباطها العسكريّ لمحددات الزمان والمكان. بمنافستها “للحالة المدنية” (بلزاك) وبهوسها بالتصوير والوصف وبالتحليل على الصعيدين السوسيولوجيّ والسيكولوجيّ: الرواية المكتملة، الرواية كما يمقتها أندريه بروتون وزمرته الذين أعلنوا البيان السورياليّ: كم هائل من الزوائد اللاإبداعية يختنق تحت ركامها قبس الإبداع الحقّ.

    يصاب مورلي في حادث مرور وينقل إلى المستشفى فيتوجّه إليه شخوص روايته، مجموعة من شباب الستينات الذين هبطوا باريس من كافة الأمصار والثورات والأسئلة والانكسارات والأحلام. أمام عينيه نصف المغمضتين يخوضون نقاشا حادّا وساخرا وصاخبا حول مورلي نفسه وحول أسلوبه في الكتابة وتقنياته واسئلته الإيتيقية والأنطولوجية. إنه امّحاء الحدود بين المؤلّف والراوي والشخصية والقارئ: الميتاروائيّ في أعلى درجات تحقّقه.

                                       13

    مرافئ الجليد لمحمد الجابَلي: “إنّ هذا النص يشبه ما كنت أريد ولكنه ليس ما أردت، وهو في شتّى حالاته مهدى إلى الجحيم”. قال لي ناقد أدبيّ عتيق (وكان جادّا): إذا كان الجابلي يهدي كتابه إلى الجحيم فلماذا بحقّ الله أقدم على نشره؟ ولم أستطع أن أجيبه أنّ النشر تحديدا هو في منطق نصّ الجابلي جحيم. لم يعد الكاتب في حاجة إلى أن يوصي أحدا ما بحرق كتبه إن لقي حتفه دون أن يفعل ذلك بنفسه (مثلما فعل كافكا مع ماكس برود الذي غدر الوصية في نهاية الأمر). لقد تضافرت كلّ العوامل ليحترق النصّ ذاتيا: السلطات الغبية مادية كانت أم رمزية والقراءات العاجزة أو العجولة وتصاريف القرية الكونية التي تدمّر كلّ فرادة وكل اختلاف. وقبل ذلك كله وعي النصّ (ولا فقط كاتبه) بذلك كله.

    في الفصل المعنون (على سبيل السخرية طبعا) “البداية” يخاطبك الراوي أو الكاتب أو كلاهما أو ضدّ هذا أو ذاك منهما فلا تدري بأيّ صفة حولك (على طريقة ميشيل بيتور في التحوير) إلى هذا الـ”أنت” اللعين: هل استباحك قناعا لذاته أم لأحد شخوصه أم لذاتك أنت أيها القارئ المسكين، لصورة القارئ كما يريدها ويفرضها عليك نصّه؟ “أنت هادئ ومتّزن وتكره الاضطراب، لكنك تقف قرب نافذتك العريضة وتتطلّع عبر بلورها الصافي إلى حركة الرياح العاتية…تنظر إلى قفل نافذتك فتزداد طمأنينة ورضا…”. وفي نهاية ذات الفصل: “تئزّ مفاصل نافذتك فتطمئنّ إلى أنّها محكمة القفل وتتطلّع فترى الآخر يجلس فوق صخرة فيصيبك العجب وقد تعتقد أنه ممن يعانون لوثة عقلية أو أزمة عاطفية وتطيل النظر وتراه لا يحوّل بصره عن الأفق البعيد ولا ينظر إلى نافذتك فتطمئن إذ لا شيء يتعلق بزوجتك أو بإحدى جاراتك فتعاود النظر إلى قفل النافذة وتستمتع بدفء الشتاء في حين يجلس هو على حافّة شائكة يستحثّ الروح”.

    تلك هي سخرية البداية التي لا يمكن للناقد العتيق فهم أبعادها. تحذير واضح للقارئ: لا يتعلّق الأمر هنا بحكاية للتسلية أو للموعظة. كما أنّه من غير الممكن البحث في هذا النصّ-المتاهة عن بداية أو وسط أو نهاية (وحتى إن وجد ذلك كله فعلى نحو عرضيّ تماما). هو إذن إبرام (من جهة واحدة طبعا) لعقد قراءة جحيمية لا تتحقّق إلا بما هي كتابة أيضا أو لا-كتابة مشتركة: إذا كنت تتمسّك برضاك وبطمأنينتك الهادئة فنهاية هذا الفصل هي في الوقت ذاته نهاية العلاقة بيننا. إذا لم تكن تريد الجلوس على حافّة شائكة لتستحثّ روحك على ما لا تدريه فيحسن بك الانصراف عن النصّ عند هذه النقطة.

    هي إذن ليست “مرافئ” بل إطلالة مرعبة على دواخل الذات التي يغلّفها اليوميّ بوسطيته واطمئنانه. لكنّ الإطلالة ليست فقط على الصعيد التاريخيّ والسياسيّ والوجوديّ الميتافيزيقيّ. إنها بالأساس تهمّ النصّ ذاته إذ يدعو قارئه إلى محنة الإبداع، إلى الدواخل المرعبة في تفكّكها وفي جموحها وفي امتناعها الأصليّ عن كلّ يقين ممكن. يتحوّل النص إلى مسابقة مضمارها جبال متداخلة من الجليد الحارق، مسابقة في كتابة الرواية عبر قراءتها. وكما يحدث في كلّ مسابقات المكابدة يسقط الكثير في الطريق ولا يصمد إلا القلّة. لكن من الفائز حقّا؟ أهو الذي رفض الانخراط في اللعبة تاركا صاحب اللوثة للوثته أم الذي قامر بروحه فيها؟ “إذا وصلت أيها القارئ إلى هذه السطور فأنت شجاع حقّا لأنّك فتحت نافذتك بل أشرعتها على عواصف شتّى”. “أنت شجاع حقّّا” تلك هي الجائزة التي يسندها النص لقرَائه-متسابقيه المثابرين!

                                       14

    تعوّد النقاد أن يتحدّثوا بصدد بعض كتابات يوسف القعيد وخصوصا روايتيه شكاوى المصري الفصيح ويحدث في مصر الآن عما يسمّونه بتقنية “الرواية داخل الرواية”. غير أنّ الأمر متعلق في الحقيقة بحضور الميتاروائيّ داخل نصوص القعيد الروائيّة. ففي شكاوى المصري الفصيح يعلن المؤلّف منذ البداية أنه لا فائدة من البحث عن اختلاف بين المؤلف الداخليّ وبين ذلك الذي يوجد اسمه على الغلاف. كما أنّ الرواية التي يحملها إلى صديقته الناقدة (التي تبدي تجاهها نوعا من التحفّظ) هي ذاتها التي نكون بصدد قراءتها. أما في يحدث في مصر الآن فإنّ القعيد شخصيا يسفر عن صوته ويعلن لقارئه تحت عنوان “بدلا من المقدمة المثيرة”: “بمجرد أن تقع عيناك على أوّل هذا السطر، وحتى تصل إلى كلمة النهاية في ذيل الصفحة الأخيرة، تكون قد قامت بيننا علاقة تدور حول رواية نقوم بخلقها معا”. لا يتعلق الأمر إذن برواية داخل الرواية، لأنّ هذه الأخيرة، إن وجدت، ليست شيئا آخر غير ما نقرأه بدءا من وقوع أعيننا على السطر الأول من كتاب القعيد. يتعلّق الأمر بعقد “قراءة كاتبة” يتمّ التأكيد عليه منذ البداية ويتمّ تجديده أو التذكير بمقتضياته مع بداية كل فصل. “مقدمة الرواية كانت عادية. بعدها يأتي دور أساليب تجار الرواية في زماننا وهي كثيرة. لكي أضمن شدّ القارئ إلى روايتي وجريه وراء الكلمات حتى تنقطع أنفاسه [ لنتذكّر ما يسمّيه كورتثار “القارئ-المرأة”] يجب أن أعتمد على هذه الأدوات. محتفظا بإحدى المفاجآت المذهلة في ركن ما لما قبل النهاية. لكني –لأسباب كثيرة- أعلن تنازلي عن أسلحة كتاب الرواية القديمة والحديثة على السواء”. هذه الأسباب الكثيرة التي لا يصرح القعيد بأيّ منها هي التي بتحديد بعضها على الأقلّ يمكننا أن نفهم دلالات واستتباعات حضور الميتاروائيّ في الكتابة الروائيّة الأوروبية من جهة والعربية من جهة ثانية.

                                       15

    لا يستقيم أمر الرواية إلا بما هي متّكئة على حكاية. ولا تستقيم الكتابة الميتروائيّة، بما هي مضيّ بالفنّ الروائيّ نحو أقاصيه الممتنعة المرعبة، إلا عبر العبث بالحكاية، هدمها وتدميرها لتكون لا-حكاية تحيل الكتابة ذاتها إلى محو أو لا-كتابة.

                                       16

    يقول كونديرا في الوصايا المغدورة: “اعتاد المجتمع الأوروبيّ تقديم نفسه على أنه مجتمع حقوق الإنسان. لكن قبل أن يتمكن الإنسان من أن تكون له حقوق فإنه كان ينبغي أن يتشكّل فردا. وما كان له أن ينظر إلى نفسه إليه وأن يُنظر إليه باعتباره كذلك من قبل الآخرين إلا عبر فعل طويل للفنون الأوروبية ولا سيما الرواية”. هذا الفن الروائيّ الذي في رحمه تشكلت الهوية الأوروبية وتعرّفت على ذاتها، يقسّم كونديرا تاريخه إلى ثلاثة أزمان تتوازى إن لم أقل تتطابق مع الأحقاب الثلاث التي درج المؤرخون ومؤرخو الفكر على النظر من خلالها إلى التاريخ الأوروبيّ (بعد الوسيط): النهضة (بداية اكتشاف الذات عبر استعادة الجذور اليونانية) والحداثة (تنظيم الذات عبر إخضاعها في علاقاتها بذاتها وبالطبيعة على مبادئ العقل الكلية) وأخيرا المعاصرة أو ما بعد الحداثة (العودة على الحداثة بالنقد ومراجعة الأسس عبر اكتشاف الآخر في تعدده وثرائه بما يضفي على الذات طابع النسبية).

    أما الأزمان الثلاثة التي يوزع عليها كونديرا تاريخ الرواية فهي أولا زمن البدايات السعيدة المرحة، زمن اكتشاف هذه القارّة اللغوية والنطّ في تضاريسها بنشوة غامرة نزقة وقطف ثمارها الوافرة الجنيّة والتهامها بلا مخافة تخمة: زمن رابليه وسرفانتيس. ثانيا، زمن النضج والصرامة. زمن البوليس (Polis) السرديّ الذي تحوّل فيه الروائيّ إلى ما يشبه المهندس المعماريّ. يبني النص بناء شديد الدقة إذ يحرص حرصا يكاد يكون مَرَضيا على مشابهة الحقيقة والواقع طالما لم يتمكن من مطابقتهما (لأنه لا وجود لهما في حقيقة الأمر): زمن بلزاك وزولا ودوستويفسكي. الزمن الذي يمقته بروتون وزمرته السوريالية. وأخيرا الزمن الثالث. زمن استعادة البدايات السعيدة على خلفية زمن النضج والصرامة. الزمن الذي يؤلف بين الانطلاقة المتحرّرة لمن لم يعرف بعد القيود والضوابط الفنية وبين الصناعة المحكمة التي تكاد تقتبس النظام الهندسيّ الإقليديّ روائيّا. الزمن الثالث، زمن النظام الصارم الذي يتقدم إلينا على نحو عابث، والعبث الذي يتخفّى السرديّ فيه وراء النظام الصارم. الزمن الثالث، حرثت أرضه نصوص كافكا وجويس وموزيل وبروست وما زال يزرعها كونديرا وكورتثار وفوينتس وسولرز ورشدي…هل أضيف…والقعيد والغيطاني والخراط وصنع الله وحيدر والكوني وشكري والكافي وآيت ميهوب والتابعي والعش والجابلي وبن عثمان؟

    ولكن هل تحقّقت في اللسان الذي به يكتب هؤلاء جميعا تراكمات من الزمنين الأول والثاني حتى يمكننا الحديث عن ثالث؟ هل نقول مع بعض النقاد إنّ محفوظ قد اختزل بمفرده الزمن الثاني حتى أطلق عليه تمجيدا حينا وتنسيبا آخر “بلزاك الرواية العربية”؟ ولكنّ أهمّ ما كتبه محفوظ فنيا – اللص والكلاب و ثرثرة فوق النيل…– ينتمي إلى الزمن الثالث. ولكن ماذا عن الزمن الأول، عن الولادة واكتساب الهوية؟ هل نبحث عما يناظره في التراث الحكائيّ والشفويّ، في ألف ليلة وليلة الذي أحرق في الساحة العامة؟! أم نستند إلى الزمن الأول الأوروبيّ على اعتبار أنه كفّ عن يكون أوروبيا حصرا ليتحوّل إلى زمن كونيّ ينخرط فيه الروائيّ بدءا من أول حرف يخطّه في أوّل رواية يكتبها مهما كان لسانه؟

    حتى هذه الأسئلة المُمضّة تجد في مرافئ الجليد وفي بروموسبور سبيلا لطرحها. ومن هنا جاءت أهمية الميتاروائيّ فيهما. بن عثمان: تاريخنا (نحن العرب، ولكن أيضا وبالخصوص نحن الروائيّين العرب) روبافيكا، استعادة متأخّرة لتاريخ كتب قبلنا وكتبه غيرنا. الجابلي: “عندما يكثر الادّعاء عند مختلف الأفراد ومن مختلف الفئات بأنّ لهم ما يحكون وأنّ تجاربهم قد تصلح للآخرين عندها تصبح الكتابة تعبيرا عن إحباط إنسانيّ أكثر منه تراكما لخبرات أو لتجارب أو لأوضاع وتكون تعبيرا عن أزمة تواصل حقيقية في المنظور الإنسانيّ توجّهها الرغبة في انعكاس لا زمانيّ”. نكتب لنكرّر ما كتب بعد أو نكتب لنقول امتناع الكتابة. لنقول خروجنا من التاريخ (أو بقاءنا فيه بعد أن غادره الجميع من منظور فوكوياما). والرواية التي نكتب لا يمكنها أن تتحقق إلا بما هي ميتارواية الرواية التي لم نكتبها والتي قد لا نكتبها مطلقا. هل هذا واحد من الأسباب التي لم يعلنها القعيد وهو يبرم عقد الكتابة مع قارئه المفترض؟

                                       17

    لأنّه انثناء من النص على ذاته ومساءلة حارقة له فإنّه ما كان يمكن للميتاروائيّ أن ينزرع في خلايا الروائيّ إلا خلال الزمن الثالث من تاريخ هذا الفنّ. الزمن الأوّل كان فيه النص مشغولا بثمار الجنّة السردية البكر التي تجري من تحتها المعاني والصّور خصبة ساحرة. والزمن الثاني كان من الصرامة والجدية بحيث ما كان يمكنه قبول الانزلاق في هذا العبث الخطير بالمعاني والتقنيات. بهذا يكون الميتاروائيّ خصيصة للزمن الثالث وحيلة لتلقيح كلّ من الزمنين الأول والثالث بعناصر من الآخر.

    لكن ماذا لو نظرنا في الأمر مجدّدا وعلى نحو أكثر تدقيقا. في النصّ الأعظم للزمن الأوّل (ولتاريخ الرواية بإطلاق) ـ دون كيشوت ـ وفي بداية الجزء الثاني تحديدا، يوجّه سرفانتيس خطابا إلى القارئ يحدّثه فيه بسخرية ساخطة عن أفلانيدا الكاتب الدعيّ والفاشل الذي سطا على شخصيته وألّف لها جزءا ثانيا مزعوما غير متورّع في الأثناء عن إشباع المؤلّف الحقيقيّ سبابا وشتائم هابطة. وفي الفصل الثاني من ذات هذا الجزء الثاني، وقبل أن يشرع دون كيشوت وسانشو بانسا في الاستعداد لرحلة جديدة، يتحرّق المعلّم لمعرفة بعض أصداء بطولاته وكيفية نضاله من أجل القيم والخصال التي يحملها في جسده المهدود. لإشباع هذا الفضول المشروع يرسل تابعه الثرثار لتلقّط الأخبار وتنسّم الأصداء. ويعود سانشو قائلا إنّ الناس بخاصّتهم وعامّتهم يشيدون كثيرا بشجاعة “الفارس ذي السحنة الحزينة” ونبله وشهامته سواء في ساحات الوغى أو لحظات التولّه والهوى. لكنّه يقف عند نقطة مثيرة ومحيّرة: صدور كتاب تحت عنوان الفارس الهمام دون كيشوت دي لا مانش. ويقول التابع لمعلّمه مذهولا: “وقد أكّد لي الطالب شمشون كراسكو أنّ اسمي أنا أيضا، سانشو بانسا، يرد في هذا الكتاب وكذلك أميرة قلبكم دولسيني دي توبوزو، ناهيك عن أشياء كثيرة جرت بيني وبينك فقط. وقد هالني الأمر وتساءلت: كيف أمكن لمن كتب كلّ ذلك أن يطلع على تلك الأمور السرّية؟”.

    لكنّ دون كيشوت يجيبه مقتنعا: ” ثق يا سانشو أنّ كاتب حكايتنا لا يمكن أن يكون إلا ساحرا. ولا شيء يخفى على هذا الرهط من البشر إذا تعلّقت همّة الواحد منهم بالكتابة عنه”. ولمزيد توضيح ما لا يقدر سانشو على فهمه، يرسله معلّمه لإحضار شمشون كراسكو الذي يؤيّد ما قاله التابع مضيفا أنّ الكاتب المعني هو سيّد حامد بن انجلي وقد ألّف كتابه بالعربية ثم ترجم إلى عديد الألسنة. هنا يظهر في كلام دون كيشوت نوع من التوجّس وتظهر خصوصا بعض المخاوف المتعلّقة بمدى وفاء الكاتب لحقيقة سيرته وخصوصا لحبّه النقيّ لأميرة قلبه. إذ لا يستبعد من عربيّ مثله أن يشوّه الوقائع وأن يرى التهتّك والإباحية حيث لم يكن هناك سوى النبل والشهامة والتسامي.

    وخلال كامل هذا الفصل يتراوح حديث سانشو ومعلّمه عن الكاتب المفترض متراوحا بين التمجيد والاعتراف بالجميل من ناحية ( فهو قد نقل للناس وللأجيال القادمة سيرة فريدة للتمعّن والاعتبار وأسهم بالتالي في تخليد قيم الفروسية التي خوفا من تلاشيها شهر دون كيشوت سيفه على العالم) وبين الازدراء والنقمة من ناحية ثانية بسبب الخلط والخطل الذين يميزان أسلوبه في الكتابة والفوضى التي تسم أفكاره. وفي إحدى سورات غضبه عليه يشبّهه دون كيشوت بأوربانيخا الرسام الفاشل الذي كان عندما يسأله الناس عما هو بصدد رسمه يجيب غير آبه “ما اتفق أن يكون” والذي كانت رسومه على درجة من الرداءة وقلة الإتقان بحيث أنه كان يحتاج أن يكتب تحت صورة الديك الذي يرسمه: “هذا ديك”!

    في الأثناء لا يرى سرفانتيس غضاضة في التدخّل من حين لآخر، بصفته مترجم الرواية، ليبدي شكوكه وتحفّظاته على بعض ما يرد في حديث الشخصيتين وخصوصا عندما ينطق سانشو بانسا بحكم وآراء لا تتناسب بالمرة مع ثقافته العامية الوضيعة بل المنعدمة أصلا. وهو ما يجعل المترجم المزعوم يميل إلى الرأي القائل بأنّ الكتاب المعنيّ منحول وأنّ كاتبه دجّال.

    هذا الحوار وهذه التدخّلات تكشف بوضوح قدرة سرفانتيس، المنتمي إلى ما يسميه كونديرا، الزمن الأول أو زمن الفوضى الجميلة، على التفضية بما هي مباعدة واعية بين النص وكاتبه. والتفضية واحدة من مقوّمات الخطاب الميتاروائيّ ومظهر من مظاهره.

    أوَ لم يجعل حسن بن عثمان من سيسي الكاتب كائنا شيطانيا قادرا على التسلل إلى فراش الإمام سعدون الخشب وخصائه عبر الوسوسة له بأنّه مصرانة بول وبأنّ صاحبته مرحاض؟ أوَ لم ينقلب راوي الجابلي على مؤلفه مدبّرا له مكيدة خسيسة أدّت به إلى إلقاء حاسوبه ونصّه فيه ليتهشّم في الحديقة؟ تلك قساوة الميتاروائيّ حين يتسلّل إلى نسيج النص فيهلكه لينشئه خلقا جديدا. أفلا يمكن القول والحال تلك أنّ الميتاروائيّ ملازم للروائيّ في ماهيته ذاتها؟

                                       18

    “هذا ديك” يكتب أوربانيخا أسفل الصورة التي يرسمها كما اتّفق. “هذا ليس غليونا” يكتب ماغريت أسفل رسم يكاد من فرط وفائه يكون صورة فوتوغرافية لغليون. ونجد نفس العبارة السالبة في رسم آخر نرى فيه غليونين أحدهما متضمّن في لوحة داخلية (اللوحة داخل اللوحة) والآخر خارجها. في هذه السلسلة من اللوحات التي توحّدها العبارة السالبة “هذا ليس غليونا” والتي انبهر بها فوكو وكتب عنها واحدا من أجمل نصوصه، يمحو فوكو المسافات الوهمية الفاصلة بين الرسم والأدب والتفكير الفلسفيّ في اللغة: الميتا-لغة.

    يضع أمامنا ماغريت العلاقة الشائكة بين الشيء والاسم الذي نستحضره به، بين “اللغة-الموضوع” والميتا-لغة. اللغة التي نسمّي بها الأشياء وتلك التي نرتدّ بها على اللغة ذاتها لندرك عبرها كيفيات وتخوم علاقاتنا المعقدة بذواتنا وبالعالم معا. تكفّ صورة الغليون عن أن تكون صورة للغليون (لأنه لا وجود لهذا الأخير في الواقع، ما يوجد هو هذا الغليون وذاك الغليون، غليون ماغريت أو غليون “ماغري”…) كما تكفّ كلمة “غليون” عن الدلالة على الموضوع الذي تحيل إليه في اللغة المعتادة. تمّحي صورة الغليون ويمّحي لفظ “الغليون” ولا يبقى سوى فعل الرسم وفعل التسمية. لا ترسم لوحات ماغريت سوى فعل الرسم، فعل الإبداع ذاته بما هو التحقّق الأقصى للإنسانيّ في المبدع، للإبداعيّ في الإنسانيّ. ولهذا فإنّ القرابة التي لوحظت بينه وبين فيتغنشتاين، فيلسوف الصمت والميتا-لغة، ليست أمرا جزافا. ينتهي مؤلف فيتغنشتاين الأساسيّ الرسالة المنطقية الفلسفية إلى التأكيد على أنّ الطريقة الوحيدة لفهمه هي إلغاؤه والقفز عليه، استعماله كسلّم للارتقاء إلى لحظة الصمت الأصليّ الذي يؤشّر عليه دون توصّل إلى قوله (لأنّه “ما لا ينقال”)، ثم إلقاؤه جانبا.

    مؤلف فيتغنشتاين فاقد للمعنى لأنّه ذو طبيعة ميتالغوية، لكنّ فقدانه للمعنى هو الذي يعطيه قيمته الأساسية بما هو تأشير على هذا اللامعنى الثاوي في اللغة. وسلسلة لوحات ماغريت ترتكب التناقض بين الرسم والتسمية لتؤشّر على وحدتهما الماهوية في فعل الإبداع.

    يحتضن سيسي الكاتب نفسه ويدخل في سبات شتويّ بعد أن يقتل بجرّة قلم شخوصه ولا يترك سوى عباس، العقيم بإرادته، وصيا وحيدا على نصّه المنذور لشتى أصناف الخيانات الممكنة. ويضع الكاتب عند الجابلي عددا لا يحصى من النهايات الممكنة لروايته ويمزقها الواحدة تلو الأخرى لأنه لا نهاية لما قد انتهى بعد أو لما لم يبدأ على الإطلاق. ويذهل أوليفيرا بسحر سقطته من أعلى طابق في المصحة العقلية في “الحجلة” التي رسمها المرضى بالساحة. الصمت النهائيّ بما هو أقصى القول وأقساه: ذاك قدر الرواية التي تسلل إليها سؤالها الميتاروائيّ عن ذاتها.

    في لوحة أخرى، “الإطار الفارغ” يذهل ماغريت المتلقّي ويقسو عليه حدّ الوحشية إذ يضعه وجها لوجه مع إطار فارغ لا يظهر داخله سوى الآجر الأحمر للجدار الذي شدّ إليه. نفس الجدار خارج الإطار (إطار الإطار) يبدو بلون رماديّ كما يظهر جزء من خزانة صفراء أسفل الإطار. يكف الطين الأحمر الحائل إلى الرماديّ عن وظيفته النفعية باعتباره جدارا يهيكل وينمط ويوزع الفضاء الطبيعيّ المفتوح إلى داخل وخارج ليعود إلى الطين الأصليّ، إلى فوضى البدء، إلى هيولاه الإبداعية الخالصة. يغدو إمكانا للوحة، لأثر فنيّ، للاتناهي من الآثار الفنية الممكنة التي يقع على المتلقي وحده وزر خلقها أو إعادة خلقها.

    يتحوّل أوربانيخا، الرسام الفاشل، اللارسام عند سرفانتيس، إلى النموذج الأعلى للرسام عند ماغريت. ذلك أن دون كيشوت نفسه مكتوب على طريقة “ما اتفق أن يكون”: يفقد فارسنا كل أسنانه أكثر من عشر مرات، يسوق سانشو حماره الذي كان قد سرق منه قبل صفحات، تدقّ عظام دون كيشوت حتى يعجز تماما عن الحركة لكنه بعد دقائق قليلة ينخرط في معركة شرسة من معاركه المثيرة والمضحكة في آن…وهكذا. لكن لا شيء من ذلك ينقص من فتنة النص أو يفتّ في عضد افتنانه بذاته. يتصايح القراء من داخل النصّ: نريد المزيد. فليحارب دون كيشوت قطعان خرفانه وطواحين هوائه، خيالاته وخيالاتنا، إلى ما لا نهاية له. وليتكلم سانشو بلا انقطاع عن جزيرته الموعودة التي لا تريدها “حرمه المصون” دون أن تنسى توصيته بأن يدرب ابنهما سانشيكو على حكمها منذ الصغر. يسخر دون كيشوت من أوربانيخا ومن سيد حامد بن انجلي أم العكس؟ أم إنّ سرفانتيس(المترجم المزعوم) يسخر من سخرية بطله من الرسام الفاشل ومن الكاتب المزعوم؟ أم هي أخيرا رواية الزمن الأول تسخر قبليا –بإرادة أو دون إرادة كاتبها- من روايات الزمن الثاني في نضجها وفي جديتها الصارمة وربما من بعض روايات الزمن الثالث نفسه ومن دعاوى ومن ادعاءات التجديد الشكليّ والمضمونيّ الذي لا تسنده رؤية متينة للطابع اللعبيّ الأخّاذ لعلاقة النص بذاته. ألا يسخر المعرّي والجاحظ والنفزاوي من عدم قدرتنا على كتابة جزء بالمائة مما تجرؤوا على ملامسته؟ من المحرّمات التي نقف دونها بفعل السلطات الغبيّة التي تسرّبت حتى إلى المسافة الفاصلة بين أقلامنا وأوراقنا (أو بين أطراف أناملنا وأقراص حواسيبنا)؟ ألا يسخر منا الطبري ذاته إذ لم يمنعه وقار المؤرّخ وورع مدوّن الأحاديث النبوية من ارتكاب ما سيهدر من أجله دم كاتب بريطانيّ من أصل هنديّ بعد مئات القرون ( “الآيات الشيطانية”)؟

                                       19

    بن عثمان: ” أفلست نظم الحكم في دول العرب فلم تعد تقدر على شراء ذمم الكتاب والمثقفين، بل هي لم تعد في حاجة إليهم أصلا”. يقامر سيسي الكاتب بجسده وروحه ويؤلف بروموسبور لغرض مادّيّ بحت: الفوز بجائزة البنك التونسيّ. ويغشّ بالمناسبة قراءه من الجماهير الرياضية ومن الطامعين بالفوز في الرهان الرياضيّ من خلال العنوان الفرعيّ الذي يضعه لها. لكنه مقتنع أشدّ الاقتناع بأنّ حظّه في الإثراء من ورقة بروموسبور حقيقية أكبر بكثير من ذاك الذي قد تحقّقه له ورقات بروموسبور المغشوشة. لماذا؟ لأنّ الجائزة الأدبية المذكورة “يشرف على اختيار نصوصها المتوّجة أكاديميون وكتاب محلّيون يتضايقون من الكتابات الهوجاء المستهترة ومن النصوص الصلبة، ومن التجريب، ومن الخروج عن المعتاد، وباختصار من كلّ ما من شأنه أن يمتّ بصلة إلى الإبداع الحقيقيّ، شأنهم شأن أغلب الجوائز الرسمية أو شبه الجوائز الرسمية في الدنيا جمعاء”. إفلاس السلطات (السياسية منها والثقافية) وغربة النص الإبداعيّ “الحقيقيّ” تجعل الرواية التي تقدّم نفسها على أنها هوجاء ومستهترة وصلبة وتجريبية وخارجة عن المعتاد تعود على ذاتها لتقد من لحمها الخاص نقادها وقراءها. إنها أزمة الاعتراف التي تفسّر تراوح الخطاب عن الكتابة وعن الكاتب والمبدع عموما بين التعظيم وبين التحقير، بين اللعنة وبين التأليه.

                                       20

    الجابلي: ” ما دامت النصوص المقدسة تتّخذ قداسة من القدم والغموض ومن الإحباط فيحقّ لكل شخص أن يصبح كاتبا ويحقّ لكل كاتب أن يصنع أملا كأن يقذف بسهم في المجهول هناك في الأشجار الكثيفة لغابة المجتمع ويحقّ له الادعاء أنّ سهمه بلا شكّ قد أصاب فريسة مجهولة هناك تقرأ كتابه بنهم وتتحمس لأفكاره وتبشّر بها…” (والجابلي يستعير هنا ويحوّر صورة نيتشوية معروفة عن الفيلسوف المبدع الذي ترمي به الطبيعة، في لحظات خارقة للزمان، سهما باتجاه الأدغال الكثيفة عساه يعلق بأحد الأغصان…). تنتهي مغامرة جون براون الجاسوسية المزيّفة بسرعة، يتعطّل النص كليا لتقتحم فضاءه شخوص لا تاريخ لها في الرواية بل إنها في الغالب دون ملامح ودون أسماء. وينخرط الجميع فيما يشبه المسرح الكبير الذي يؤدون فيه عددا من الـ”وان-مان-شوات” على قاعدة نص واحد يرتجلونه في الأثناء. ويعاود النص ذاته عبر القنوط من فعل الكتابة. ينعكس على ذاته مرآويا فيتحطم ذاتيا ليتركنا بمواجهة الصمت الكونيّ المرعب، صمت لحظة الإبداع المطلقة. ولكنه يستحضر أيضا على نحو دراماتيكيّ مسألة الاعتراف. يستحضرها بحرقة وقد تشيطن الراوي فيها فأفسد على الكاتب نصّه الذي ارتبك بحيث لم يعد يمكنه أن يجد القارئ الذي يمكنه أن يتابع تلك الشطحات المفككة (إلا إذا كان قارئا موسوسا على قدر وسوسة الكاتب)”. حتى هذا الإفساد الشيطانيّ لا يتحقق إلا باستحضار السلطة النقدية، سلطة الاعتراف القصوى بالنسبة للكتاب التونسيين على اختلاف الأجناس التي يكتبون فيها (شيخهم): توفيق بكار. ” فتمثل له وجه في الظلال ظنّ للحظات أنه وجه الأستاذ بكار فانفرجت أساريره واقترب أكثر فإذا بالوجه يختفي وإذا بصوت كالصدى دافئ يتردد ببطء: ما كان يجب أن تكتب رواية مفضوحة، متشائمة بهذا الشكل”.

                                      21

    السلطة النقدية، الاعتراف، ما ينشده الجابلي وبن عثمان وغيرهما من الكتاب التونسيين (يعنْونُ لسعد بن حسين إحدى قصصه “سأكتبها، سيقرؤها” يحلم فيها بلحظة الاعتراف ويهديها إلى توفيق بكار). لكأنّ النص وهو ينكتب آبقا عصيّا مجدّدا وهو يحفر في أسئلته الإستيتيقية والأنظولوجية، يشقى بوعيه الحادّ بمشاكل النشر وانعدام التوزيع والانتشار وبالتالي شبه غياب القراءة والإنصات. يلحق الجابلي نصّا نقديا تقريظيا لكمال الزغباني، ويؤثث بن عثمان الصفحات الأولى من كتابه بنصوص مدحية لعدد من الكتاب والصحفيين من أصدقائه نصّبهم لجنة قراءة رعوانية بعد أن جعل من نفسه ناشرا (وهي تقريبا نفس وظيفة عباس في بروموسبور – وعباس هو السؤال الذي يشقّ، كالظلّ أو كالشيطان أو كالفيروس نصوص بن عثمان الإبداعية عموما). ينصّب إذن أولئك القراء المصطفين ويمنحهم إمكانية جعله يخون اللعبة الروائيّة الميتاروائيّة التي لا تستقيم إلا بجعل النص يتقدم عاريا إلى جحيم قرائه المفترضين-الغائبين أو إلى صقيع الصمت القاتل.

    يدرك الكاتب التونسيّ (والعربيّ عموما، إلا في ما قلّ وندر) هذه الصحراء الرهيبة من الصمت، هذا الجليد الجحيميّ الذي ينذر له نصّه. يعيه ويعكسه في النصّ ذاته. يدمّره هذا الوعي وهذا التضاعف الانعكاسيّ ويخلقه خلقا جديدا.

                                        22

    إذا كان حضور الميتاروائيّ ولأقل الميتا-إبداعيّ، أي انعكاس الأثر الإبداعيّ على ذاته، خصيصة كلّ أثر مهما كان الفن الذي ينتمي إليه ( نراه في الرسم مع ماغريت وفيلاسكواز وفي المسرح مع بيرانديلو وفي السينما مع تورناتوري وشاهين والنوري بوزيد وغيرهم) فإنه يأخذ في النصوص الروائيّة التونسية عند الجابلي وبن عثمان وغيرهما طابعا دراماتيكيا متأتيا من هذا الإحساس بأزمة التلقي لا فقط بفعل الاختيارات السياسية التي تنبذ في صحارى الصمت كل ما هو مختلف وكل ما يدعو إلى مناهضة السائد وتحطيم أصنام المسلمات، ولكن أيضا بفعل تركيبتنا الديموغرافية وكينونتنا التاريخية والسوسيو-بسيكولوجية. فنحن “شعب” صغير ولكننا مسكونون، بدرجات متفاوتة، بجنون العظمة، بهوس الألوهة وبالإحساس المضني بلا جدوى ألوهتنا. عائلة صغيرة من الآلهة نحن، عائلة يعرف فيها الجميعُ الجميعَ ويتطلّع فيها كل إلى أن ينشر أجنحة ألوهته على عدد لا متناه من ال…آلهة!              

                 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This