الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة (3) كيف خنقت حرية الفكر في أرض الاسلام؟

لا يمكن طرح موضوع الرقابة دون طرح مسألة حرية التعبير. فهما مسألتان متلازمتان وأكاد أقول مسألة واحدة. فالرقابة تمارس على الأفكار بالدرجة الأولى وتقيّد حرية التعبير بالضرورة. وهي تزداد قمعا في البلدان الأصولية والديكتاتورية وتخفّ كثيرا في البلدان الديمقراطية والليبرالية حتى تنعدم تقريبا. ولا معنى لقول بعضهم بأنّ المعسكر الغربيّ هو الآخر يفرض قيودا على حرية التعبير وليس فقط نحن. وبالتالي فلا أحد أحسن من أحد.. من يقول ذلك يحتجّ بمثال واحد ويتيم هو: المحرقة اليهودية. ثم يقارنون بينها وبين غضب العالم الإسلاميّ على الصور الكاريكاتورية للنبيّ محمد ويقولون: ما الفرق بيننا وبين الغرب؟ هو أيضا له مقدساته ويفرض قيودا على حرية التعبير وليس فقط نحن المتهمين باحتقار هذه الحرية تماما. والدليل على ذلك انّه يمنع منعا باتّا الاقتراب من موضوع المحرقة مثلما نمنع نحن كل من تسوّل له نفسه أن يقترب من شخصية النبي محمد أو ينتقدها بأي شكل كان..سوف أعود إلى هذه المسألة الشائكة لاحقا لمعرفة فيما إذا كانت المقارنة مشروعة أم لا.. ولكن قبل أن أنتقل إلى الموضوع الأساسي سوف أقول ما يلي: أخشى ما أخشاه هو أن تكون هذه المحاجّة بمثابة كلمة حقّ أريد بها باطل. بمعنى أنهم يستخدمون خطيئة واحدة ارتكبها الغرب مؤخّرا بحقّ حرية التعبير من اجل نقض هذه الحرية من أساسها أو تقييدها إلى أقصى حدّ وتحجيمها. وهذا تكتيك يبرع به القومجيون والأصوليون عندنا عادة بل ويستمتعون به كلّ الاستمتاع  من أجل تسفيه الحضارة الغربية والحط من شأنها آو النيل منها وتصغيرها بأي شكل كان. ثم إنهم يفعلون ذلك لضرب فكرة التقدم والتنوير والتسامح الديني والديمقراطية السياسية والتعددية الروحية والفكرية وعموما كل المنجزات الايجابية الرائعة للحداثة.

ما معنى حرية التعبير؟

لننطلق منذ البدايات إذن ولنطرح هذا السؤال: ما معنى حرية التعبير؟

أوّلا ينبغي القول بأنه لا معنى لها بالنسبة للعصور القديمة السابقة على انتصار الحداثة في أوروبا. فهي قد وجدت أوّلا في العالم الغربي. إنها جزء لا يتجزأ من التراث العلمانيّ الجمهوري الديمقراطي الذي ابتدأ ينبثق ويتشكل لأول مرة في نهايات القرن الثامن عشر: أي عصر التنوير العظيم الذي حسم الأمور لصالح الفلاسفة ضد الأصوليين المسيحيين بعد معارك فكرية شرسة ومرهقة. أما قبل ذلك فلا يوجد شيء اسمه حرية تعبير لان الكنيسة كانت تقول الحقيقة المطلقة عن الله والإنسان والعالم والوجود والخير والشر وكل شيء. وما علينا ألاّ نتبعها إلى أبد الآبدين ونتقيد بكلام رجال الدين حرفيا. وبالتالي فما حاجتنا إلى حرية التعبير عندئذ؟ إنها بدعة تقودنا، لا سمح الله، إلى الانحراف عن الخط المستقيم الذي رسمه الله لنا والذي يعلمنا إياه الكهنة والمطارنة والخوارنة الذين كان ينبهر بهم الشعب الجاهل الفقير ويرى فيهم الناطقين الرسميين باسم الله وملائكته ورسله..وهذه هي حالة العالم الإسلامي حتى الآن. فالشيخ يوسف القرضاوي مثلا يعرف كل شيء عن الحلال والحرام والحق والباطل والفرقة الناجية والفرق الضالة المنحرفة وما علينا بالتالي إلا أن نتبعه في كل شيء وننسى هذه العادة السيئة: حرية التعبير، أي الجرأة على أن نستخدم عقولنا ونفكر بأنفسنا. ولو كنت مكانه لخجلت من نفسي وتواضعت أكثر. فهذه الفرقة الناجية التي يفتخر بها هي التي قتلت العلماء والفلاسفة منذ عصر السلاجقة في القرن الحادي عشر وهي التي قضت على ذلك الفاصل البويهي القصير الذي ازدهرت فيه النزعة العقلانية والإنسانية العربية بشكل مدهش حقا وأضاءت على العالم بأنوارها. وهي التي أطاحت بالحضارة العربية الإسلامية حتى أصبحنا في مؤخرة الأمم ولم تقم لنا قائمة منذ ألف سنة وحتى اليوم. برافو للفرقة الناجية التي أنجبت مؤخرا بن لادن والزرقاوي والظواهري وعشرات الآخرين وجعلتنا أضحوكة للشعوب أو فزاعة بين الأمم!

في العهد القديم في فرنسا كانت حرية التعبير محصورة بالسلطات الملكية والطبقة الإقطاعية الارستقراطية وطبقة رجال الدين. هؤلاء وحدهم هم الذين كان يحق لهم أن يفتحوا فمهم ويتكلموا ويعبروا عما يجول في خاطرهم نيابة عن الشعب كله. وإذا ما خطر على بال واحد من الأقلية البروتستانتية مثلا أن يفتح فمه ويقول شيئا ما سدوه له فورا وقمعوه قائلين: ومن سمح لك بالكلام أيها الهرطيق الزنديق؟ وهل يحقّ لواحد كافر مثلك أن يكون له رأي؟ أنت تسمع وتطيع وتخرس لأنّ وجودك بحد ذاته يشكل استفزازا للفرقة الناجية: أي مذهب الأغلبية الكاثوليكي البابوي الروماني. ذلك أنّه خارج الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية المقدّسة لا نجاة للإنسان في الدار الآخرة ولا مرضاة عند الله، كما تقول العبارة اللاهوتية الشهيرة.

كلّ هذا اللاهوت الدينيّ القروسطيّ سقط بعد التنوير والثورة الفرنسية، أي بعد حصول القطيعة الفكرية والسياسية الكبرى التي شطرت تاريخ الغرب، والبشرية كلها، إلى قسمين: ما قبلها وما بعدها. بهذا المعنى فإنّ التنوير يجبّ ما قبله ويلغيه معرفيا وسياسيا. وعندئذ نصَّ الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن لأوّل مرة على حرية التعبير. تقول المادة الحادية عشرة من الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن الصادر عن الثورة الفرنسية عام 1789: إنّ التوصيل الحرّ للأفكار والآراء هو أحد الحقوق الأكثر قيمة للإنسان. كل مواطن يحقّ له أن يتكلم ويكتب وينشر بحرية بشرط ألا يسرف وألا يتجاوز الحدود المنصوص عليها من قبل القانون.

كلّ مواطن إذن يحقّ له أن يتكلم ويعبّر عن رأيه وليس فقط ابن الفرقة الناجية الكاثوليكية التي تمثل أغلبية الشعب الفرنسيّ. كلّ مواطن يحقّ له أن يفتح فمه وليس كل مؤمن مسيحيّ كما كان سائدا في العهد القديم السابق على الثورة. كل مواطن سواء أكان مؤمنا بالعقائد المسيحية ام لا، متديّنا يؤدّي الطقوس أم لا، له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات. هنا تكمن القطيعة الابستمولوجية الكبرى مع كلّ التاريخ المسيحيّ السابق لفرنسا. كلمة مواطن هنا لها معنى رهيب، قويّ، محسوس، مترجم واقعا على الأرض، وليست مجرد كلام يلقى جزافا في الهواء. الملحد أيضا مواطن ضمن هذا المنظور ويحق له أن يدلي بدلوه بين الدلاء ويعطي رأيه في القضايا العامة للمجتمع.

هذا الشيء يمثل حتى الآن ما يدعوه علماء الابستمولوجيا باللامفكر فيه بالنسبة للفكر العربي المعاصر الذي تهيمن عليه المسلمات الدينية القروسطية: أي عقلية القرضاوي وكلّ شيوخ الإسلام دون استثناء شيعة كانوا أم سنة. على هذا المستوى لا يوجد أي فرق بين المذاهب الإسلامية ولا حتى المذاهب المسيحية الشرقية العربية ولكن ليس الأوروبية. هنا تمارس الرقابة دورها القمعيّ الرهيب على العقول. كل الحداثة اللاهوتية والعلمية والفلسفية والسياسية والاجتماعية والحريات الفردية والجنسية للمرأة والرجل تعتبر بدعة مقيتة بالنسبة للفكر العربيّ الإسلاميّ المعاصر. وبالتالي فهي مدانة حتما وينبغي أن يطالها مقصّ الرقيب. انظر بهذا الصدد كتاب محمد أركون الصادر بالانكليزية تحت عنوان: اللامفكر فيه في الفكر الإسلامي المعاصر. منشورات دار الساقي. لندن. 2002. المقصود بالعنوان: كل ما هو ممنوع التفكير فيه أو التعبير عنه من قبل المسلم لأنّه إذا ما فكر فيه أو كتبه فانه يخرج عن أمة الإسلام ويصبح كافرا زنديقا يحلّ دمه. مثلا أطروحة خلق القرآن التي قال بها المعتزلة في ظلّ المأمون تعتبر الآن لامفكرا فيه أو مستحيلا التفكير فيه في أي جامعة عربية وليس فقط في كليات الشريعة والمعاهد الدينية التقليدية. إنها تخرجك فورا من الاعتقاد الإسلاميّ وتعرضك للعقاب الأعظم مثلما حصل للمعتزلة أيام القادر بالله عندما أصدر الاعتقاد القادري الذي قرئ على رؤوس الأشهاد في كل جوامع بغداد. بعدئذ انتهت حرية الفكر والتعبير في ارض الإسلام وقضي عليها قضاء مبرما من قبل الفرقة الناجية التي يفتخر بها الشيخ القرضاوي بكل عجرفة واستعلاء وجهل لا يكاد يصدق. وفيه ترد هذه العبارة الرهيبة: ومن قال انه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه.

كل علماء الإسلاميات في الشرق والغرب يقولون لك إن حرية التفكير أغلقت تماما بانتصار الحنابلة على المعتزلة مع ظهور نص القادر بالله هذا وأخمدت كل الأصوات والمذاهب الإسلامية الأخرى وفرض مذهب واحد على جميع المسلمين وأغلق باب النقاش نهائيا حتى اليوم. وألان لم يعد أي مفكر عربي أو مسلم بقادر على فتح هذا الملف الحساس من جديد خشية أن يكفّر ويقتل أيضا كما قتل فقهاء المعتزلة من قبل اذا لم يتراجعوا او يعفى عنهم بعد التراجع والتوبة. ولكن الكارثة ابتدأت قبل القادر في الواقع بزمن طويل. إنهم يؤرخون لها بردّ الفعل السنيّ للمتوكل الذي توفي قبل القادر بمائتي سنة تقريبا. المتوكل مات عام 247ه والقادر بالله عام 422ه. وهو ردّ فعل ضد السياسة المعتزلية التي سار عليها والده المعتصم على اثر المأمون والواثق. هو ارتد عليها بعد استلامه للحكم بفترة قصيرة وتقرب من الحنابلة ولاحق أقطاب المعتزلة.

وإذن فالجميع يؤرخون لجمود الإسلام بردّ فعل المتوكل على سياسة المأمون المعتزلية وتراجعه عنها وانتصاره لأهل السنة والجماعة ضد التيارات العقلانية في الإسلام. ثم سار على خطّه بقية الخلفاء العباسيين حتى وصلنا إلى القادر بالله هذا الذي أطلق رصاصة الرحمة على التعددية المذهبية والفكرية بنصه الشهير. وعلى هذا النحو حدد ما ينبغي على المسلمين ان يؤمنوا به وما لا ينبغي أن يؤمنوا إلى قيام الساعة. والشيخ القرضاوي هو نتيجة كل ذلك. وكل من ينحرف عن ذلك قيد شعرة يكفر ويباح دمه. ولا يزال شيوخ الإسلام يسيرون على نهجه حتى هذه اللحظة. والشيخ القرضاوي هو نتيجة كل ذلك. من هنا عنجهيته واستعلاؤه وثقته بنفسه. وقد استشرت بعض مواقع شيوخ الحنبلية على الانترنيت كالشيخ سفر الحوالي وسواه ورأيتهم على العهد باقين وللمعتزلة شاتمين ومكفّرين. فكلهم يعتبرون نص الاعتقاد القادري وكأنه معصوم لا يناقش وانه يحدد ما هو الإسلام الصحيح وما هو إسلام البدع والأهواء والفرق الضالة المنحرفة لعنها الله. وبعد أن قضوا على المعتزلة وكلامهم العقلاني في الدين وبعد أن كفروا الفلاسفة كالفارابي وابن سينا وكذلك الروافض أي الشيعة الإمامية والباطنية أي الشيعة الاسماعيلية بل ونالوا حتى من بعض المذاهب السنية العقلانية، أقول بعد كل ذلك راحوا يكفرون أهل الكتاب ويذلونهم اكثر فأكثر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

وكان في أيام المتوكل قد عزّ الإسلام حتى ألزم أهل الكتاب بالشروط العمرية وألزموا الصغار.

ولما ألزم أهل الكتاب بشروط عمر الفاروق استفتى علماء وقته في هدم الكنائس والبيع فأجابوه فبعث بأجوبتهم إلى الإمام احمد فأجابه بهدم كنائس سواد العراق.

ثم أمر المتوكل أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في لباسهم وعمائمهم وثيابهم وألا يستعملوا في شيء من الدواوين التي يكون لهم فيها حكم على مسلم وأمر بتخريب كنائسهم المحدثة وأمر بتسوية قبورهم بالأرض وكتب بذلك إلى سائر الأقاليم والآفاق.

انتهى كلام شيخ الإسلام احمد ابن تيمية الذي يمثل المرجعية الكبرى لجميع الحركات الأصولية السنية قاطبة.

برافو الفرقة الناجية! ما أشبه الليلة بالبارحة، لم يتغير شيء ولم يتبدل على مدار ألف سنة أو يزيد..ماذا تفعل القاعدة الآن بالمسيحيين في الموصل؟ إنها تطبق شرع الله في الكفار!..نحن لا نزال هنا نرواح مكاننا في هذه النقطة بالذات منذ الف وخمس سنوات بالضبط لان القادر مات عام 422 ه ونحن الآن عام 1429ه…. وبن لادن يمتلك مشروعية تاريخية لا تنكر وكذلك شيخ “الوسطية المعتدل” يوسف القرضاوي..ولكن هل كلام القادر بالله منزل ومعصوم؟ هل نصه وحي وقرآن؟ هذا السؤال لم يخطر على بال شيوخنا الاجلاّء أن يطرحوه حتى الآن. فالقرآن لا يقول بقتل المسيحيين حتى في أشد آياته حربية وهجومية على أهل الكتاب..انه يفرق بينهم وبين المشركين.

ماذا بقي لحرية التفكير في مثل هذا الجو؟ لا شيء، لأنّ هذا كلام معصوم واعتقاد الهي أو معتبر كذلك من قبل العامة والغوغائيين وشيوخ عصر الانحطاط…فمن يستطيع أن يناقش “الاعتقاد الإلهي” الذي كتبه الخليفة القادر بالله بخطّ يده وصدق عليه ابن تيمية لاحقا؟ نقول ذلك رغم  أن بعض العلماء المحققين يقولون إنّ هذا الاعتقاد من تأليف أبي احمد الكرجي الغازي المجاهد المعروف بالقصاب لكثرة من قتل من الكفار في مغازيه..

ما ذا نستخلص من كل ذلك؟

نستنتج أنّ إخماد أطروحة المعتزلة بقوة الحديد والنار عن خلق القرآن خلق انسدادا تاريخيا لا يزال الإسلام يعاني منه حتى اليوم. بل وانه يعاني منه اليوم أكثر من أيّ وقت مضى. فلو أنّ أطروحتهم انتصرت لكنا استطعنا أن نقدم تفسيرا تاريخيا لنص القرآن ولكنا تخلصنا من التفسير الحرفي الحنبلي الذي يحدث تناقضا صارخا بين القرآن والعلم الحديث ويصيب المسلمين بالشيزوفرينيا أو انفصام الشخصية. فالحدود البدنية مثلا كالجلد والرجم وقطع الأيدي والأرجل من خلاف وشرب الخمرة وسوى ذلك لا يمكن تأويله لأنّه واضح وضوح الشمس وبالتالي فينبغي أن نأخذه بحرفيته ونطبقه حتى ولو أشعلنا علينا غضب البشرية كلها. فالله هو الذي قال ذلك حرفيا لأنه كان يتكلم العربية ويتقنها جيدا. وكل ما جاء في القرآن من آيات قتال شديدة اللهجة ضد الآخرين ومن اتهامات عنيفة ضد أهل الكتاب ينبغي أيضا أن نأخذه على حرفيته ونطبقه حتى قيام الساعة لأنّ الله شخصيا هو الذي قاله بحرفه وليس بمضمونه أو باستلهامه كما هو عليه الحال بالنسبة للتوراة والإنجيل..مستحيل أن يحصل فهم حقيقيّ للقرآن كنصّ لغويّ ظهر في القرن السابع الميلاديّ وفي مكان محدد هو شبه الجزيرة العربية في مثل هذا الجوّ. مستحيل أن نطبق عليه المنهجية التاريخية- النقدية كما فعل المسيحيون واليهود مع كتابهم المقدس الإنجيل والتوراة ونتحرّر بالتالي من كل لاهوت القرون الوسطى أو فقهها القديم.

قبل أن اختتم هذا المقال وكيلا تشتعل الحرائق الطائفية في سوريا والمنطقة العربية بأسرها أكثر مما هي مشتعلة أودّ أن أضيف ما يلي: لا أقصد إطلاقا النيل من الإسلام السنّيّ ككلّ وذلك لأنّه لا يمكن اختزاله إلى التيار الحنبلي فقط. وإنما فيه تيارات أخرى عقلانية تأخذ بالرأي والقياس وتحكّم العقل إلى حدّ ما كالتيّار الحنفي مثلا او الشافعي أو المالكي الخ..يضاف إلى ذلك أنّي أعتبره جزءا لا يتجزأ من تراثي الروحي والأخلاقي والثقافي. فأنا بشكل من الأشكال شيعيّ وسنيّ في آن معا. في البيت تربية شيعية وفي المدرسة تربية دينية سنية. وقد أحببت كلتيهما في طفولتي ولا أجد أيّ مشكلة في الجمع بينهما. أقول ذلك رغم  أنّي انقلبت عليهما لاحقا ولم أحتفظ منهما إلا بالقيم الأخلاقية والروحية الكبرى. وهي ليست قليلة. وبعيد عني الاستهانة بجوهر الرسالة القرآنية والإسلامية. قلت الجوهر ولم اقل القشور.. ولا أقصد إلى إحلال المذهب الشيعيّ محلّ المذهب السنيّ فهذا أيضا لا معنى له لأنّ كليهما مصاب الآن بالجمود التاريخيّ. وتفكيك انغلاقاتهما المزمنة المكرورة المجترة على مدار القرون أصبح شرعا واجبا. وهذا ما أفعله من خلال أركون أو سواه. يكفي أن نلقي نظرة على خطابات شيوخ الشيعة وشيوخ السنة لكي ندرك ذلك. ويكفي أن نقارن بينها وبين ما يقوله علماء اللاهوت المسيحيون في أوروبا لكي نشعر بالخجل الشديد. فاللاهوتي الألماني هانز كونغ مثلا مطلع على كل الفلسفة الحديثة في حين انه قد لا يوجد شيخ مسلم قرأ كتابا واحدا في الفلسفة. معاذ الله! وما حاجته إلى الفلسفة إذا كان يملك بين يديه كتاب الله وسنة رسوله؟ إنا لست ضد الكتاب والسنة، معاذ الله أيضا! ولكني مع تسليط الأضواء الفلسفية عليهما كما كانت تفعل المعتزلة أو كبار الفلاسفة. أنا لست مع الإيمان الأعمى وإنما المستنير بنور العقل والمساير للتطور وحركة الفكر. وعلى هذا النحو وفق المعتزلة والفلاسفة الذين طردوا من الفرقة الناجية التي يفتخر بها الشيخ القرضاوي، أقول وفقوا بين الإيمان والعقل أو بين الدين الإسلامي والفلسفة. انظر كتاب ابن رشد: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال..ولكن ابن رشد لم يعد مرجعية بالنسبة لشيخنا الجليل أو لبقية شيوخ الإسلام. وحده ابن تيمية هو المرجعية.. بل وحتى بابا روما يعرف كل تاريخ الفلسفة من اليونان إلى كانط وفيخته وهيغل.. و بالتالي فينبغي الخروج من التسنّن والتشيع على حد سواء. ينبغي أخذ أفضل ما فيهما وطرح ما تبقى. يلزمنا فهم آخر للإسلام يكون امتدادا ليس للتسنن والتشيع والتمذهب الأعمى ورفض الآخر وإنما امتداد لخط المعتزلة والفلاسفة وكبار المتصوفة كابن عربي مثلا. هذا هو الإسلام الذي أحبه الان. ولكن حتى هذا لم يعد كافيا إلا إذا أضفنا إليه كل التنوير الفلسفي الذي جاءت به الحضارة الأوروبية الحديثة. ينبغي ان يصبح الإيمان حرا بشكل مطلق لكي يكون فعلا إيمانا حقيقيا نابعا من الأعماق لا مفروضا عليك من الخارج فرضا وإكراها. وأخيرا كرد على الشيخ يوسف القرضاوي وافتخاره بالفرقة الناجية واحتقاره للآخرين لا أجد أفضل من هذه الأبيات الرائعة لابن عربي:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي

إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

وقد صار قلبي قابلا كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني

وبالتالي فان الفرقة الناجية يا شيخنا الكريم الذي أحبه وأحترمه أكثر مما قد يوحي به هذا المقال الهجومي هي تلك التي تخترق كل المذاهب والطوائف وتجمع بين الأخيار الذين حسنت نياتهم وصلحت أعمالهم. والباقي تفاصيل..وهذه هي عقيدة الفلاسفة من الفارابي إلى المعري إلى سبينوزا إلى جان جاك روسو إلى كانط..وهي عقيدتي. إنها الفرقة الناجية الوحيدة التي أعترف بها. فقلوب أبنائها مفعمة بالحب: حب الآخر أيا يكن، وحب الخير للبشرية المعذبة أيا تكن..

في المقال القادم سوف أتناول موضوع المحرقة اليهودية ومعنى الرقابة القمعية المخجلة الذي تشكله على الفكر في ارض الفكر والحرية..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This