الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة (4) قوة الرقابة ومقاومة الإبداع

{{لوحة لـ”ميشال أوجيي” MICHEL OGIER}}

{بعنوان “الرقابة la censure”}

لا يحيى الفكر ولا يظهر الإبداع إلا في حضن علائق قوّة. إنهما دوما مقاومة تقف ضدّ مقاومات تتّخذ أشكالا متعدّدة. وهي مقاومة مدينة، بمعنى ما، لأشكال الرقابة التي تحاصرها. فالرقابة هي التي تولّد مقاومتها. هناك أشكال من المقاومة لأنّ هناك أشكالا من الرقابة.

ليست آلة الرقيب “آلة” عمياء، وليست إمكانيات الإبداع إمكانيات متناهية الاحتمالات محدودة الآفاق. الإبداع حركة لا تنفكّ تنفلت من ذاتها، وبالأحرى ممّن وممّا يحاول ملاحقتها، لكنّ الرقابة أيضا سلطة لا تنفكّ تعدّل أدواتها وتغيّر أساليبها وتجدّد صورها.

يكون الفكر “بريئا” حينما يتصوّر كلّ أشكال اللافكر على أنها مقاومات متصلّبة بليدة، مثلما تكون آلة الرقابة واهمة إن هي تصوّرت نفسها باسطة نفوذها محيطة “بكلّ شاذّة وفادة”، راسمة للفكر آفاقه وللإبداع حدوده. ففي الرقابة نفسها ما ينفلت من الرقابة. صحيح أنها قد “تضبط” الفكر وتحاصره وتحدّ من حريته وتعيق حركته، إلا أنها تظلّ، على رغم ذلك، عاجزة عن ملاحقته، فهو لا يفتأ يتخطّى الحدود المرسومة، ولا ينفكّ يجرّ الرّقابة إلى ميادين مجهولة تستعصي على الضبط وإن بكيفية مؤقتة.

تلاحق الرّقابة ما لا يمكن ملاحقته، وهي “تضبط” ما لا ينفكّ عن الانفلات. فبينما تسعى إلى إقصاء بُعد الممكن، فإنّ الفكر ما ينفكّ يعمل على إتاحة الفرصة للممكن كي يضفي النسبية على الإطلاق، والتغيّر على الثبات، والشكّ على اليقين.

لا تفتأ الرقابة تعمل على تحنيط الفكر و”تخشيب” اللغة وجعلها رتيبة تجترّ المكرور وتكرّس التقليد، إلا أنّ الإبداع يسعى جاهدا لفتح اللغة على آفاق يطبعها الانفصال: فينسجها زمانيا ضدّ الماضي الجاثم، وسيكولوجيا ضدّ التكرار والاجترار، واجتماعيا ضدّ الرتابة والروتين، وإيديولوجيا ضدّ الدوكسا وبادئ الرأي، وانطلوجيا ضدّ الوحدة والتطابق.

وهكذا نلفي أنفسنا في نهاية الأمر أمام آليتين: آلية لتكريس التطابق، وأخرى لإبداع الاختلاف. وقد تسكن الآليتان النقطة ذاتها. فليست علاقة الآليتين ببعضهما دوما علاقة داخل بخارج، أو ذات بموضوع. فكلّ إبداع تغلّفه رقابة ذاتية، شعورية أو لاشعورية. وكلّ ترحال تشدّه روابط تجرّه نحو الحلّ و الاستقرار، وكلّ تجديد تعلق به رواسب تقليد، وكلّ تغيير يشوبه حنين إلى الاستكانة، إلا أنّ تلك الروابط وهذا الحنين لا يعملان في النهاية إلا على إنعاش الفكر وتوليد الأسئلة وبعث الاختلاف.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This