الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة (6) الرّقابةُ اليوم… بين منع الكلام وحرمة الجسد
توجد في الرّقابة سمة تنفرد بها هي ارتباطها الوثيق بوظيفة الرّقيب. وعندما نتفحّص المحاولات الّتي حاولت التّعريف بالرّقيب في مختلف العصور والمجتمعات الّتي برزت فيها هذه الوظيفة نجدها تحيل بوجه أو بآخر على الرّقيب الرّوماني. فنشوء الرّقابة هو حدث يرجعه مؤرّخو القانون القديم إلى سنة 311 من تاريخ تأسيس روما (443 ق.م). ومعلوم أنّ لفظ (Censura – Censure ) أي الرّقابة بمعناها الأخلاقيّ المعروف قد نشأ من لفظ Censor الّذي يعني الحاكم وهو لفظ مشتقّ من الفعل Censeo الّذي نجد من معانيه قدّر estimer وقضى وحكم Juger وعرض أمره وبيّن رأيه. أمّا Census فهو عمليّة فنّيّة تتمثّل في تقدير الثّروة وتثمينها وتصنيف الرّعايا وتنزيلهم منازلهم.
لقد كان دور الحاكم الّذي يسمّى Censor هو إحصاء النّاس. ويستمدّ لفظ Censor معناه الكامل من لفظ ( Census – Cens) أي أحصى. ومن مهامّ Censor مراقبة الأخلاق، وردع كلّ تطرّف ومعاقبة كلّ شذوذ من أي نوع كان كخرق القانون الأخلاقيّ أو البذخ المفرط. أضف إلى ذلك كلّه أنّه مكلّف بأن يضع في مناقصة أو في مزايدة علنيّة جباية الضّرائب والأشغال العامّة وتسوية العلاقات بين الّذين رسا عليهم المزاد والدّولة. وترتبط هذه الوظائف المتنوّعة كلّها بوظيفة Censor الأساسيّة: الإحصاء ـ Le cens وترتيب النّاس وتصنيفهم.
بيد أنّ وظيفة الرّقيب قد تغيّرت في الأزمنة الحديثة خصوصا مع ظهور المطبعة. ولا نرى فائدة كبيرة في استعراض ما طرأ على صورة الرّقيب من تغيّر مقارنة بأصله الرّوماني. ولكن يتّفق أغلب من درس الرّقابة والرّقيب خاصّة في العصر الحديث على طابع هذه الوظيفة الاعتباطيّ لما يتمتّع به الرّقيب من صلاحيات واسعة وسلطان عظيم يجعله يقدّر بمفرده ما هو صالح مفيد لكافّة النّاس. ويرجع ذلك إلى أنّ الرّقيب يمثّل حقّ الحكومة في مراقبة كلّ ما ينشر، والتّدخّل فيه خارج عمل المحاكم. وهو تدخّل يضحي فيه الفكر معروضا مبذولا على نحو عموميّ بواسطة هذا “القارئ” الّذي يصحّح ويصوّب ويتصرّف في النّصّ. فبواسطة الرّقيب لا تمارس الحكومة حقّها في توزيع إجازات النّشر فحسب، وإنّما تبيح لنفسها التّدخّل في عمليّة الإبداع ذاتها. وهذا التّدخّل ينجز بواسطة الرّقيب ذاته الّذي يشارك المؤلّف في صناعة الأثر. هذا هو المستوى أو العتبة الّتي تتكلّم منها الرّقابة، وحقّها الأوّليّ الّذي يخصّصها. بيد أنّه ينبغي تمييز هذا الحقّ عن القانون والمحاكمات الّتي ترمي من عملها إلى الحمل على احترام جملة من الإكراهات القانونيّة الّتي لها صلة وثيقة بأساس النّظام الاجتماعيّ والسّياسيّ. فحقّ الرّقابة الأوّلي يتعلّق بالشّروط الخاصّة بالإبداع، أي الواجبات المرتبطة بوظيفة الكلام، وأشكال التّعبير المختلفة. فكثيرا ما ننسى أنّ الرّقابة لا تتدخّل إلاّ في أشكال التّعبير. فمشغلها الأوّل والأخير إنّما هو من نسق رمزيّ. غير أنّه منذ الحركات التّحرّريّة على الأقلّ لم يعد يوكل إلى الرّقابة أن تعلمنا بما ينبغي قوله أو عدم قوله، فلهذا الشّأن سنّت القوانين الجنائيّة الّتي تمنع المساس بـ”المقدّسات” كرئيس الدّولة أو الهيئات الدّستوريّة… فالرّقابة لا تقول بدقّة ما الّذي ينبغي قوله، بل هي لا تتجشّم عناء تحديد الانتهاكات الّتي ينبغي تجنّبها، ولا تلزم نفسها حتّى بإبراز دوافع المنع الّذي تجريه على الأعمال والآثار. ولا فائدة ترجى من البحث في النّصوص القانونيّة الّتي تنظّم الرّقابة الصّحفيّة أو الأدبيّة أو السّينمائيّة… فما يميّزها عن القانون، هو تركها المؤلّف دون علم بالمبادئ الّتي يتعيّن عليه احترامها. فهذا المسكوت عنه، هذا الصّمت السّاكن في ثنايا القانون، هو ما تظهره الرّقابة وتبيّنه لأنّه يمثّل حقّها الأوّليّ. ومن المفروض أن يكون المراقَب (بفتح القاف) على علم به. وإذا كانت الرّقابة لا تُعنى في النّصوص بتحديد أسباب تدخّلها فإنّ الدّوافع الّتي تستعملها والموانع الّتي تصرّح بها يمكن العثور عليها بيسر في مستوى الممارسة. فهي موانع تدور بصفة عامّة على الثّالوث المحرّم: الدّين والسّياسة والجنس (أو الأخلاق). وعلى هذا النّحو إن لم يكن للرّقابة صورة واضحة في النّصوص الّتي تنظّمها فإنّ صورتها الحقيقيّة تتجلّى عند الممارسة. وأهمّ ما يميّزها هو أنّها لا تبيّن ما ينبغي عدم قوله ولا تصرّح بما يمكن أن يمثّل الدّوافع الّتي تحرّكها.
ينبغي كذلك أن نفرّق بين تدخّل القاضي وتدخّل الرّقيب. فتصرّف القاضي محدود بدائرة الانتهاكات الّتي لا ينبغي اقترافها، وينصّ على عقوبتها القانون، بينما الرّقيب لا يتقيّد بالقانون. فحين يمسك بمخطوط لا شيء يصدّه حين يمارس عمل الرّقابة. فنوع القانون المكلّف بحمايته مرتبط بخطاب مّا، ومحكوم بطريقة معيّنة في إدراك الأشياء، وموجّه برؤية خاصّة للعالم، وهي جميعا تشتغل مثل سَنَن، أو شفرة هائلة تحدّد السّلوك الّذي بواسطته يمكن أن يبرّر تدخّل الرّقيب. فهو لا يحدّد بدقّة الممنوع المحظور مثل القاضي، ولا يمنع باسم هذه القاعدة ويبيح بتلك، إنّما هو يبحث عن مناخ، عن طريقة في النّظر عن إحساس أو عقيدة، أي كلّ ما يفسّر النّصّ بما يتجاوز النّصّ، وكلّ ما من شأنه أن يجعلنا نفهم كينونة المؤلّف والكلمات، إذ منها يمكن للرّقابة أن تبرّر صنيعها. فعندما يتدخّل الرّقيب فإنّه لا يتدخّل ليفسّر القانون وإنّما ليشرح النّصّ الّذي يفحصه، وليفضح حقيقة هذا النّصّ، وفي هذه الحالة يتكلّم الرّقيب دائما على لسان المراقب. فالرّقيب بهذا الصّنيع يفكّك الفوضى الّتي أحدثها المراقَب، أمّا القاضي فيشيّد نظاما هو نظام القانون (1).
يمكن أن نتساءل الآن: هل الرّقابة تشتغل اليوم كما بالأمس بالتّدخّل في أشكال التّعبير فقط؟ نقترح لهذا السّؤال إجابتين:
إن كانت الرّقابة تشتغل كما يشتغل “شيطان مكسوال Le démon de Maxwell” فإنّ عملها يقتصر على فرز الكلام المباح من الكلام المحظور.
أمّا إذا تجاوز عملها الكلام ليشمل أجساد المتكلّمين منتهكا حرمتها إمّا بالاعتداء على حقوقها أو بنفيها أو باغتيالها أو بإهدار دمها، فإنّنا نتساءل إن لم يكن من الممكن تقريب هذا النّوع من عمل الرّقابة من أطروحة ” الإنسان المقدّس ـ Homo sacer ” الّتي صاغها الفيلسوف الإيطالي جيورجيو آغمبن Giorgio Agamben مستندا فيها إلى فرضيّة “سياسة الحياة” Bio-politique تلك الفرضيّة الّتي صاغها فوكو في كتابه “إرادة المعرفة”.
2 ـ في الحالة الأولى نرى أنّ كلّ القرائن الّتي وصفت الرّقابة تشير إلى أنّ عملها يشبه عمل “شيطان مكسوال”. وهذا الشّيطان في واقع الأمر صورة استعملها عالم الفيزياء الأسكتلندي جامس كلارك مكسوال James Clerk Maxwell (1831-1879)) ليجعلنا نفهم كيف يمكن إبطال نجاعة القانون الثّاني من الدّيناميكا الحراريّة thermodynamique La. فقد تخيّل مكسوال شيطانا كان يفرز من الجزئيّات المتحرّكة الّتي بلغته أسرعها، فيرسلها في وعاء، فترتفع حرارته، ويرسل أبطأ الجزئيّات في وعاء آخر فتنخفض حرارته. وبهذا الصّنيع، أي بعمل الفرز، كان يحافظ على الفارق، أو على النّظام الّذي كان يميل إلى التّلاشي والزّوال.
يشتغل نظام الرّقابة تقريبا على نحو شبيه بعمل “شيطان مكسوال”. فهي تقوم بعمليّة فرز محافظة بذلك الصّنيع على نظام العبارة، أو نظام الخطاب الموجود سابقا. فهي تحافظ على الفارق الموجود بين أنواع الكلام المباح والمحظور بواسطة مجموعة من عمليّات الانتخاب والتّصفية، ولكنّها لا تقضي تماما على الكلام المراقب، وإنّما تحافظ عليه مانعة دورانه فقط في خضمّ المبادلات اللّسانيّة، وحاجزة إيّاه حتّى لا يروج في السّوق اللّساني، أو سوق الثّروات الرّمزيّة. والغريب في الأمر أنّ الرّقيب وهو يحافظ على هذه البضائع المحظورة يصنع أرشيفا، أو مقرّا تودع فيه هذه الوثائق الممنوعة.
قد يبدو الأمر من قبيل المبالغات، إذ كيف يعقل أن يحافظ الرّقيب على وجود ما يمنع ظهوره على نحو علنيّ؟ ورغم ذلك فقد وجدنا لهذا الأرشيف صورة روائيّة ساخرة صاغها الكاتب الصّيني الفرنسيّ داي سيجي Dai Sijie في بعض الصّفحات من روايته الشّيّقة ” عقدة “دي” Le complexe de Di “2). وهي رواية بطلها محلّل نفسي يدعى “ميو” Muo، عاد إلى الصّين بعد سنوات طويلة قضّاها في المنفى بفرنسا. وقد دفعته الأحداث إلى أن يخوض مغامرة في أعماق الصّين لا شيء يدفعه سوى رغبته في تخليص خطيبته السّجينة بسبب نشرها لصور محظورة. وكان لا بدّ لتحقيق هذه الغاية أن يستعين بالقاضي الرّهيب “دي” الّذي كان يعاني من عقدة رهيبة. وقد قادته المصادفات المتتالية إلى أن يجد نفسه في مقرّ لجنة الرّقابة الّتي يديرها ويخدمها شخص واحد يدعى البجعة. وما إن فتحت الأبواب حتّى اندلف “ميو” في قاعات خال نفسه فيها أنّه يتجوّل في مكتبة مهملة. خصّصت القاعة الأولى للمنشورات المضادّة للحكم السّريّة، منها مذكّرات طبيب ماو الخاصّ. وقد وجد في جناح الكتب السّياسيّة شهادات أو تحليلات تتعلّق بأحداث ساحة تيان أنمان Tian’anmen سنة 1989، ووثائق عن الصّراعات الضّارية من أجل السّلطة دارت رحاها في قلب إدارة الحزب، ووثائق أخرى عن موت لين بياو Lin Biao المريب، أو عن الشّخصيّة الحقيقيّة لشو أنلاي Zhou Enlai، وأرشيف كامل عن مجاعات 1960، وتقتيل المثقّفين، ومعتقلات إعادة التّأهيل، والافتراسيّة cannibalisme الثّوريّة. بعد هذا الجناج وجد “ميو” نفسه يسبح في متاهة أخرى من الكتب والرّوايات الإيروسيّة والآثار الّتي أجازها الرّهبان المتحرّرون كلّ ذلك وسط أعمال المركيز دو ساد، والكتب الّتي أعيد طبعها سرّا والتّصاوير البرنغرافيّة المنقوشة منذ عائلة مينغ Ming الملكيّة، ومختلف نسخ الكماسترا الصّينيّة… أمّا القاعة الثّانية فقد خصّصت للأشرطة وعلب الأفلام الّتي كانت متراصّة بالعشرات والمئات والألوف. وفي القاعة الثّالثة اكتشف “ميو” وثائق جمّدت الدّم في عروقه تتضمّن أنواعا مختلفة من رسائل الوشايات أُودع جميعها في خزانات، اختصّت كلّ خزانة بنوع من الوشاية. فالخزانة الأولى تضمّنت وشاية الآباء والأبناء، والثّانية احتوت وشاية الأزواج والزّوجات، والثّالثة امتلأت بوشايات الجيران، والرّابعة تضمّنت وشايات زملاء العمل… داخل كلّ خزانة صنّفت الرّسائل حسب مواضيعها، كلّ موضوع أودع في ملفّ ملوّن. فالملفّ الأحمر مخصّص للمواضيع السّياسيّة، والأصفر للشّؤون الماليّة، والأزرق للعلاقات الجنسيّة خارج الزّواج، والبنفسجيّ للعلاقات الجنسيّة المثليّة، والأخضر للسّرقات والسّطو. أمّا الخزانة السّابعة فقد امتلأت برسائل الوشاية الذّاتيّة، يعود تاريخ معظمها إلى أيّام الثّورة الثّقافيّة.
يؤكّد هذا المثال الرّوائيّ أمرين. أوّلهما أنّ الرّقيب قد تحوّل بعمل التّجميع هذا إلى شخص من هواة الجمعCollectionneur كجمع الطّوابع البريديّة أو الأشياء النّادرة. وهو بهذا الصّنيع لا يخضع في عمله لقاعدة ” ما لا ينبغي قوله، أو قراءته، وما لا ينبغي مشاهدته “، وإنّما يقصي تماما من الفضاء العموميّ كلّ ما من شأنه أن يعطّل دورة الإنتاج، أو ينتهك بنود العقد الاجتماعيّ. وهو لا يُعدم هذا المقصيّ، وإنّما يضعه في مستودع، (أو مكتبة مهملة) كما توضع النّفايات. فكلّ ما يجمعه الرّقيب ينفلب إلى نفاية، فيجرّده من حقّ الوجود على نحو عموميّ. ولعلّ هذا الصّنيع هو الّذي يبرّر تشبيهنا عمل الرّقابة بعمل “شيطان مكسوال”. فهي تقضي على ما تعتبره فوضى تهدّد نظام الخطاب أو نظام العبارة الموجود.
أمّا الأمر الثّاني فهو أنّ ما يقصيه حقّا الرّقيب ليس البضائع الرّمزيّة من كتب وأشرطة ونصوص… وإنّما نوع من العلاقات الاجتماعيّة غير مرغوب فيها، ولا يحقّ لها الظّهور على وجه علنيّ أو رسميّ. ولا يمكن أن نفهم فكرة إقصاء بعض العلاقات من خلال منع دوران البضائع الرّمزيّة في الفضاء العموميّ إلاّ إذا استحضرنا متصوّر الفيتيشيّة عند ماركس. فالعلاقات المباشرة بين النّاس تتوسّطها العلاقات بين الأشياء (البضائع). ومعنى ذلك أنّ الأعوان الاجتماعيّين يتصوّرون (على خطإ) علاقاتهم الاجتماعيّة على شاكلة علاقات بين الأشياء. وليس الكون الفيتيشيّ سوى هذا التّعويض (النّاس بالأشياء)، أو هذا الانتقال، أي انتقال علاقات الأفراد الأشدّ حميميّة إلى “علاقات بين الأشياء”. ولا تظهر الفيتيشيّة في ما يعتقد الرّقيب أنّه بصدد القيام به (كتقديره ما هو صالح مفيد لكافّة النّاس أو تمثيله حقّ الحكومة في مراقبة كلّ ما ينشر، والتّدخّل فيه…) وإنّما في نشاطه الاجتماعيّ ذاته، أي حين ينظر إلى البضائع الرّمزيّة على أنّها ليست مجرّد كتب أو أفلام أو نصوص روايات ومسرحيّات ومقالات… وإنّما هي أشياء مشحونة بقوى خاصّة وعقائد تيولوجيّة وأهواء سياسيّة. إنّ حظر هذه البضائع الرّمزيّة الّتي تمنعها المراقبة إنّما هو في الواقع حظر لبعض العلاقات الّتي تمثّلها تلك الأشياء. وحينئذ لا يصادر الرّقيب كتابا أو شريطا وإنّما علاقات تقع خارج طائلة القانون ونصوصه.
ولكن ما الّذي يحصل حين تفلت هذه البضائع من قبضة الرّقيب، وتنشر في الفضاء العموميّ وتروج في أسواق الأدب والفنّ والفكر؟ إذا كان الكتاب بضاعة تمنعها الرّقابة فلأنّه يمثّل شخص المؤلّف، ولكن إذا راج الكتاب وانتشر وانفلت من عيون الرّقابة فإنّ المؤلّف هو الّذي يصفّى أو يعاقب لأنّه يمثّل الكتاب. هذه الحالة الّتي يجرّد فيها جسد المؤلّف من كلّ حرمة وحقوق تجعله في وضع قريب من وضع ” الإنسان المقدّس ـ Homo sacer ” في أطروحة آقمبن. ولعلّ هذا الوضع ينقلنا إلى مدار الجواب الثّاني وهو أنّ الرّقابة قد يتجاوز عملها رقابة الكلام إلى انتهاك حرمة الأجساد.
3 ـ لا تعوزنا الأمثلة عن هذه الانتهاكات. فالقائمة طويلة: سلمان رشدي الّذي أهدر دمه بفتوى دينيّة، نجيب محفوظ الّذي نجا من الاغتيال، وفرج فودة الّذي اغتيل، ويوسف شاهين وغيره من الموضوعين في قائمة المغتالين، ونصر حامد أبو زيد الّذي طلّق من زوجته بقرار من الأزهر لا برغبة من الزّوجين، وحيدر حيدر الّذي تذكّرت الرّقابة روايته “وليمة لأعشاب البحر” بعد مرور سنوات طويلة من صدورها، وتسنيمة نسرين… حتّى لا ننسى أنّ الرّقابة لا تستثني أحدا الرّجال والنّساء على حدّ السّواء. فالقائمة لا تضيق ولكنّها تزداد طولا يوما بعد يوم لتنبئنا بأنّ عودة دواوين التّفتيش قريبة جدّا كلّما ازدادت موجات التّعصّب عتوّا. وهي عودة تنذر بأنّ هامش الحرّيات بدأ يتقلّص لأسباب يطول شرحها، ويقلب دور الرّقابة والرّقيب جذريّا حين يفقد المؤلّف أو المبدع حرمة الجسد بعد أن حرم من حرّيّة القول. فحين يغدو رهان الرّقابة حياة المؤلّف ذاتها فإنّ تجريد هذه الحياة من كلّ الحقوق الّتي كانت تحميها بمجرّد إهدار دمها أو التّهديد باغتيالها… يحملنا على اعتبار هذه الحياة المنذورة للموت قريبة من أطروحة آقمبن عن “الحياة عارية”، «La vie nue » (zôé)، وهي أيضا حياة “الإنسان المقدّس Homo sacer” المُهرق دمه (3) الّذي بُذل جسمه البيولوجيّ على نحو سافر، دون أدنى وساطة، لقوّة التّأديب وقسوة العزل وقساوة الموت. فـ”الإنسان المقدّس” في القانون الرّوماني القديم إنّما هو الإنسان الّذي يمكن قتله دون أن نقترف بقتله أيّ جرم، ولكنّه أيضا الإنسان الّذي لا يمكن التّضحية بقتله في أيّ شكل من أشكال القتل الطّقوسيّة، كطقوس الأضحية. إنّ هذه الحياة غير القابلة للتّضحية، والمعرّضة في نفس الوقت للموت هي ما أعاد آقمبن قراءته ليفكّك ألغاز الفاشية والنّازية بوصفها أنظمة قد جعلت من الحياة رهان السّياسة، بل حوّلت السّياسة ذاتها إلى “سياسة حياة” biopolitique. ولمّا كان منوال السّياسة الغربيّة اليوم لم يعد ناهضا على العبارة كما كان من قبل وإنّما على منوال المعتقل أضحى “تسييس الحياة العارية” «politisation de la vie nue » يمثّل أنموذج السّلطان le pouvoirالعاديَّ المعهود الجاري به اليوم. فبنية السّياسة الغربيّة عند آقمبن لا تقوم على العبارة وإنّما على العزل والإقصاء وإسقاط الحقوق المدنيّة Le ban. أليس هذا صنيع الرّقابة اليوم حين تتخلّى عن وظيفتها الأساسية وهي مراقبة أشكال التّعبير، فيصبح موضوعها الجديد في سياق “سياسة حياة” متمثّلا في تحويل الذّوات المبدعة إلى نسخ متكاثرة يوميّا من “الإنسان المقدّس”؟
{العادل خضر: أستاذ جامعي وباحث بكلّية الآداب والفنون والإنسانيات بمنّوبة، تونس.}
الشواهد:
1 – معظم معلوماتنا عن الرّقابة استقيناها من كتاب: Dury , Maxime : (1995) La censure. La prédication silencieuse. Éditions Publisud.
2- انظر: Sijie, Dai: (2003-2005) Le complexe de Di, collection folio, p.p279-284.
3- انظر كتاب: Agamben, Giorgio: (1997) Homo sacer, le pouvoir souverain et la vie nue. L’ordre philosophique, Seuil.
