المسيح يصلب من جديد! طارق عزيزة

مساء يوم الأحد التاسع من تشرين الثاني أتحفتنا قناة الجديد اللبنانيّة بخبر يفيد بوقوع عراك عنيف بالأيدي والأرجل في كنيسة القيامة في القدس القديمة أسفر عن وقوع إصابات عديدة، ممّا استدعى تدخّل عناصر من الشرطة الإسرائيليّة للفصل بين المتعاركين. وكي لا نفاجئ القارئ الكريم، و يذهب به الظنّ بعيداً فيعتقد أنّ طرفيْ العراك مستوطنون إسرائيليّون ومواطنون عرب فلسطينيّون كما هي العادة، نؤكّد أنّ كهنةً ورهباناً من طائفتيْن مسيحيّتيْن كريمتيْن هم أبطال تلك المعركة، والطائفتاْن هما: الروم الأرتودوكس والأرمن.

أمّا سبب تلك المعركة، حسب ما ورد في الخبر، فهو قيام مجموعة من رجال الدين الأفاضل من الأرمن بالاحتفال داخل الكنيسة بمناسبة الذكرى السنويّة للعثور على صليب أثريّ قديم يُعتقد أنّه الصليب الذي استخدم لصلب السيد المسيح قبل ما يقارب ألفيْ عام. وجدير بالذكر أنّ ملكية ذلك الأثر المكتشف موضع خلاف بين الطوائف المشرفة على الأماكن المسيحيّة المقدّسة، حيث إنّ ستّ طوائف مختلفة تتولّى الإشراف على كنيسة القيامة – في الوقت الذي كان يتواجد عند ضريح يسوع المفترض داخل الكنيسة حارس ينتمي لطائفة اليونان الأرثوذكس، الأمر الذي أثار حفيظة الأرمن واحتجاجهم على ذلك، وقيام الكهنة والرهبان من طائفة اليونان الأرثوذكس بالتدخل لتأكيد حقّهم بوجود حارس منهم في المكان.
وتمّ بثّ مشاهد مصوّرة توضّح مهارة الرهبان والكهنة الأشاوس في استخدام فنون القتال المختلفة من الملاكمة والكاراتيه والجودو وانتهاءً بالمصارعة الحرّة حيث ظهر في تلك المشاهد الكثير من الـ (أكشن) الهوليوديّ والرياضيّ، كما بيّنت الصور الاستخدام الفعّال للصلبان والأيقونات التي كانت بأيدي المشاركين، والصعوبة التي واجهتها الشرطة الإسرائيليّة (أحفاد اليهود القدامى الذين صلبوا السيد المسيح) من أجل السيطرة على الموقف وإنهاء العراك والفوضى بين المسيحيّين (أحفاد المسيحيين الأوائل من أتباع المسيح المصلوب). واللافت أنّ التقدّم في السنّ واللّحى الطويلة بأنواعها، السوداء والبيضاء والرمادية والأردية الكهنوتيّة الفضفاضة والمزركشة، لم تمنع الآباء من خوض المعركة وإنْ سبّبت للبعض صعوبةً في الحركة.

بعد نهاية الخبر وبداية ذهول شديد اللّهجة تملّكني تساؤلي: أليست نهارات القتل الطائفيّ المفخّخ والمتنقّل في العراق بين الطوائف الإسلاميّة من شيعة وسنّة بتنويعاتهم الأصوليّة واجتهاداتهم المذهبية وركام القتل اللبنانيّ على الهوية على مدى عقود، أليس كل ذلك كافياً لوقوفٍ جريء ونقديّ أمام ظاهرة الدين ؟ بعيداً عن المحاباة والمجاملة التي أضحت غير مبرّرة بعد كلّ ما أفرزت تلك الظاهرة من عنف ودماء ومآس لا يمكن التكهّن بنهايتها. ألم تدقّ، بعد، ساعة الضمير والعقل الحرّ لتعرية الغول الهائج الذي يحتكر وينسب إلى نفسه حقّ تفسير الكون والبشر والحجر، ويرسم مسارات مستقبلها ويشوّه ماضيها وفق مصلحة المخلصين له من تجّار الكذبة الأقدم، فيلغي ويحارب كلّ فكر أو سلوكٍ لا يوافق مزاجه الممسوس بالرعب من كلّ تفكير نقدي حرّ يمجّد الحياة ويعلي من كرامة الإنسان، ويجعل منه المركز والمنطلق والمنتهى لرسالة الكون. ولا نستثني، هنا، أيّ دين أو طائفة أو مذهب سماويّا كان أو أرضياً، فجميعها يدّعي امتلاك الحقيقة فتستبيح كلّ (مارقٍ) عن تلك الحقائق التي تفبركها. أمّا من قد يتنطّح للدفاع عن الدين وأعوانه ويضرب لنا الأمثلة عن الخيّرين منهم والفضائل التي ينطوي عليها، سنستمع له بكلّ رحابة صدر تقتضيها حرّية الفكر والتعبير والاختلاف – والتي لا يؤمن من يدافَع عنهم بها – يمكننا الردّ عليه منذ الآن أنّ ما سيذكر لن يكون غير الاستثناء الذي يؤكّد القاعدة، والتاريخ يزخر بالسنوات بل القرون الطويلة للحروب الدينية والطائفية. وليس على سبيل الحصر أن نذكر اضطهاد اليهود للمسيحيّين وحروب هؤلاء الصليبيّة ضدّ أصحاب الفتوحات الإسلامية، واتّفاقهم جميعاً على تحريم وإحراق كتب وكتّاب ” الهراطقة” و ” الزنادقة ” و القصاص من ” الملاحدة” و” الكفرة” وما إلى ذلك من قائمة الكراهية الطويلة، و توزيع الألقاب والكرامات من قبيل: أعداء الله وأعداء الدين والمسوخ والقردة والـ… .

وأظنّ أنّ أحداً لم يفته مشاهدة المظاهر الحضاريّة لتعبير المسلمين عن غضبهم ودفاعهم عن نبيّهم محمّد، وبمثل الحضارة كان التعبير عن الاختلاف في الخبر الذي بدأنا به حديثنا، وأمّا ابتزاز اليهود (قتلة الأنبياء) لكلّ من يخالفهم الرأي وسيف معاداة الساميّة الجاهز للتدخّل السريع فأغنى عن التعريف به.

إذا كان ” الله يوجد خارج الكون” و” الإيمان بالله لا يعني غير الإيمان بأنّ للحياة مغزى”، حسب ما جاء في مادّة بعنوان: سؤال الله وإشكالية الأنطولوجية، منشورة على موقع الأوان بتاريخ 7/11/2008، فإنّي أقترح على دعاة الدين / الله، على اختلاف مشاربهم وتجارتهم، أنْ يأخذوا المغزى كاملاً ويتركوا لنا – من فضلهم – متّسعاً من الحياة، حياة بلا اضطهاد للعقل أوتشريع للعنف بعيداً عن ظلامهم المبلّل بالدماء. وليذهبوا – إن شاؤوا – إلى خارج الكون، حيث ينتظرهم الله وحيداً يعاني السأم والضجر في فراديسه وجناته ذات الخمسة نجوم والخلود الأبديّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This