مائويّة كلود لفي-ستروس (2) “هنديّ أحمر” في القرن- أود لانسلين -Aude Lancelin
سيبلغ الأب الوصيّ للبنيويّة، الفيلسوف وعالم الأعراق البشريّة، كاتب ” المداران الحزينان” المائة من العمر قريبا، ونشرت له مكتبة “الثريّا” les pléiades. وهو صاحب مؤلّفات محترمة صارت في متناول العالمين.
إنّها مائة عام من العزلة عبر عصر حديث لم يحبّه كثيرا. مائة عام من حياة هادئة متكتّمة ولا مبالية تجاه مشاريع استقطابها، سابحة في تيّار معاكس لكلّ الموضات. وإذا كان ليفي ستروسّ قد أثّر في عصره تأثيرا عميقا، فإنّ هذا العصر لم يتلقّ قطّ أدنى مديح من عالم الأعراق الكبير، بل ظلّ على الدوام يخيّر عليه معاشرة أساطير قبائل البورورو les bororos، وأوبّرا فاغنر، ونثر القرن الثامن عشر لجان جاك روسّو، أي المعلّم ـ المفكّر الوحيد الذي يجد نفسه فيه، إذا استثنينا، ربّما، صاحب”مذكّرات من وراء القبر”[شاتوبريان ــ chateaubriand ـ المترجم].
لقد كتب يقول في كتابه ” المداران الحزينان “1955والذي استُقبِل بترحاب فيه إجماع :جورج باطاي، آرون، وبلانشو، وقدّمه إلى الجمهور العريض: “لم يعد هناك ما يمكن فعله: فالحضارة لم تعد تلك الزهرة الغضّة التي كنّا نحافظ عليها، فالإنسانية تركد الآن في الثقافة الواحدة المتشابهة، إنّها تتهيّأ لإنتاج الحضارة بالجملة، مثلما يُنتجُ اللفتُ السكّريّ”.
هيمنة شاملة للإنسان على طبيعة مسحوقة، وتدمير متزايد لكلّ تنوّع ثقافيّ عبر المعمورة، هكذا خاب أمل الباحث في إنقاذ العالم، فتخلّى عنه وهو الذي لم يفكّر قطّ بشكل جدّيّ في تغييره سياسيا. وعند صدور الجزء الثاني من كتابه”أسطوريات” Mythologiesسنة 1967صرّح بالقول” أنا لا أناضل من أجل تأبيد هذا التنوّع، وإنّما كي أخلّد ذكراه”. إبقاء الذاكرة رهيفة تجاه رقصةِ نامبيكوارا أو يدٍ تُوقِدُ نارا، ضدَّ بربريّةٍ تقنيّة تاجرةٍ في طريقها إلى أن تفرضَ في كلِّ مكانٍ سلامها الأبيضَ، وإلى أن تُعقّمَ كلّ بذرةٍ من الخلق الروحيّ مستقبلا، هكذا صمّم ليفي ستروسّ عمله بكلّ تواضعٍ. وإنّها لوضعيةٌ غريبةٌ من هذا المنظور لعلماء الأعراق، أولئك الذين لا يدينون بوجود اختصاصهم إلاّ لاستعمارٍ مُخرّبٍ لـ”كلّ ما نرى فيه قيمة” كما قال في درسه الأوّل في الكوليج دي فرانس سنة 1959.
اختار الشابّ المبرّز في الفلسفة هذا الطريق بنصيحة من بول نيزان، باعتباره مخرَجا مناسبا لتجنّب مهنة التدريس. فوجد نفسه سنة 1935 وهو في الخامسة والعشرين من عمره في البرازيل، مستكشفا حياة ً من” الاستنزاف المادّيّ والمعنويّ المستمرّ” لعالِم الأعراق الميدانيّ. كما أنّ نوعا من الإطلاقيّة كان يقوده أيضا. فمع الفلسفة الغربية كان يمكن أن يكون له انطباع بأنه “يقف في منتصف الطريق” كما قال فيما بعد، وأن يكتفي بالانطواء في الحُرُمِ العقلية التي شادتها بلاد اليونان وروما، تجاه هذه الحضارة التي هي في آن متأخّرة وشديدة الانكماش في الفضاء الذي، وطيلة آلاف السنين، استعمل هذا الفكر المُسمّى “بدائيّا” مثلما يُستعملُ الحصير. أمّا مع علم الأعراق، فعلى العكس، كان يطمح إلى أن يضُمّ جملة الخبرات الإنسانيّة، المعروفة أو الممكنةِ، وهكذا” يسير إلى التخوم القصوى لما كان الهدف الأساس للفلسفة “.
إلى هذه الدونكشوتية المنشودة، يضيف ليفي ستروس ذي المحتد اليهوديّ من أصول ألزاصية تفسيرا آخر يهمهم به أحيانا من أطراف شفتيه، فمثل الكثيرين غيره ابتُلي حفيد حبر فرساي بمعاداة السامية في الثلاثينات” خاطبوني بعبارة ‘يهوديّ متّسخ’ منذ المدرسة الابتدائيّة “، وفي المعهد الثانويّ كان يجيب باللكمات..أن يكتشف شابّ فجأة أنّه محلّ احتجاج الجماعة التي كان يعتقد أنّه جزء لا يتجزّأ منها فهذا كان يمكن أن يقود عقله إلى وضع مسافة تجاه حقيقة مجتمعية مضطرّا وأن يدفع إلى أن يعتبر نفسه، في آن معا، داخلَ ما يشعر به وخارج ما يوضعُ فيه …إنّه وضع، وإن جرجره بشكل ما إلى ” نظرة متباعدة” لعالم الأعراق، فإنّه لن يقوده قطعا إلى لفظ هويّة فرنسية ظلّ ليفي ستروسّ على الدوام مطالبا بها “كاملة وبشكل حصريّ”. “أشعر أنّي معنيّ بمصير إسرائيل، بالطريقة نفسها التي يحسّ بها باريسيّ يعي أصوله البريتونية عندما يهتمّ بما يحدث في ايرلندا: إنّهم أبناء عمّه الأباعد” كما قال بعد أعوام..ومع عودته من البرازيل لم يضع الباحث الشابّ في الاعتبار الخطر الهتلريّ، بل كان ينتوي بجدّية في سبتمبر 1940 أن يشغل المنصب الذي عُيّن فيه في معهد هنري الرابع ،” وحذّره الموظّف المكلّف بملفّه :مع الاسم الذي تحمله، هل تنوي فعلا التوجّه إلى باريس، ألا تفكرّ في ذلك؟ فكان الإبحار على متن باخرة قديمة نحو نيويورك مستفيدا من خطة إنقاذ العلماء الأوروبيين المهدّدين من النازية والذي وضعته مؤسسة روكفيلر وبالوصول إلى هناك، كان اسمه يثير إشكالا جديدا ولكن هذه المرة لتشابهه مع اسم سراويل ” الجينز ” الشهيرة. بل إنّ هناك من نصحه بتغيير الاسم، وإلاّ فإنّ الطلبة سيجدونه مسلّيا“would find it funny “ . ودون تأخير أُسند إليه درس في علم الاجتماع المعاصر لأمريكا الجنوبية، وقد كان تقريبا خالي الذهن من هذا الموضوع.
ستكون هذه السنوات النيويوركية ذات خصوبة استثنائية. فهناك سينهمك في تحرير كتاب ” البنى الأساسية للقرابة “منقبا في السلالات العرقية للعالم بأسره، وهناك أيضا عاشر السرياليين، من بريطون إلى آرنست وكذلك دي شامب، فمكّنوه من ذائقة الربط المفاجئ وغير المنتظر، وهو المعطى الجماليّ الذي حوّله ستروس إلى منهج للتحليل ” جعلتني أمسياتنا أفكّر، مع الاحتفاظ بالتنسيب، في الغاليات لموليير les precieuses[أو في l’hôtel de Rambouillet[كاترين دي فيفون :المركيزة دي رامبويي ـ المترجم]كما قال في 1985 مع صدور كتابه” الخزّافة الغيور” la potière jalousie .
وفي نيويورك أثناء تلك الحرب كان له اللقاء الثقافي الحاسم، اللقاء بعالم اللغة رومان ياكبسون ” كنت قبلها أمارس البنيوية دون أن أدري؛ وياكبسون كشف لي وجود مذهب سبق أن تشكّل”. كان ذلك بمثابة إلهام؛ فبعد عشر سنوات من عودته إلى فرنسا1945 أضحى ليفي ستروس الوجه الرمزيّ لهذه الحركة التي مازالت إلى اليوم مفهومة فهما سيئا ..
“البنيوية ” هي – كي نقول الأشياء ببساطة – قبل كل شيء طريقة كي لا يترك المرء نفسه مستغفَلا بشعور الهوية الذاتية. فـعلى عكس الوجودية السارترية، خاض ليفي شتراوس حربا ضدّ ” الموضوع” هذا الطفل المدلّل الذي لا يُحتمل والذي طالما احتلّ المشهد الفلسفيّ، وأعاق كلّ عمل جادّ بمطالبته باهتمام حصريّ، وهكذا تموضع إلى جانب ” عقلانية دون موضوع” ضدّ المدافعين عن “موضوع دون عقلانيّة” وقد اقتبس من الماركسية فكرةَ أنّ كلّ وعي اجتماعيّ هو مخادع، وأنّ الوجود العمليّ للناس يؤثّر على إنتاجاتهم النفسانية. ومن الفرويدية فكرة أنّ تعبيرات العقل حتّى تلك التي تبدو ظاهريا الأكثر اعتباطية أو ربما عبثية، يمكن أن تكون قابلة كي تُحلّ شفرتها. وهكذا عكف ستروس على تفكيك لا يكلّ للثوابت والمسارات الملزمة والمتوارية خلف ما يظهر من لا نهائية الأساطير وغيرها من الأعمال الثقافية.
في العمق ” ربما كنت كانطيًّا فجّا ” كما كان يحبّ أن يقول صاحب ” ميثولوجيات ” عندما يسعى البعض إلى اعتباره ” البابا ” لنوع من البدعة الباريسيّة الشكلانيّة، إلى جانب ” بارط ” و”لاكان”. أمّا هو فكان يصعد بأصول نظريته إلى الفلسفة الطبيعية لـ ” غوته ” والى ألسنية “هامبلودت ” . غير قابل بإخوة سلاح حقيقيين في فرنسا غير “بنفنيست ” و”دوميزيل”. فهناك من أراد أن يجعل من البنيوية أحد أعراض ” فكر 68 ” ويعلق ستروس متظرّفا ” مع أنّ الأمر كان العكس تماما “، فما يُزعمُ أنّه “موضة” بنيوية ما، كان سيكفّن سريعا بفعل التيّارات التحرّرية، دون أن نتحدّث عن العودة الفكرية لـ ” الموضوع ” خلال الثمانينات. وهي ظاهرة ظلامية تماما في رأيه.
وسيسعى اليسار المثقّف إلى أن ينسب إليه ليفي ستروس وإذا غضضنا الطرف عن انخراطه وهو شاب في sfio [الفرع الفرنسي للعالميّة العمالية، سلف الحزب الاشتراكيّ الفرنسي ـ المترجم] فإنّه لم ” يلتزم ” قطّ ولم يُمْضِ أدنى عريضة. وعندما هبّ كلّ أبناء جيله في إحدى لحظات حرب الجزائر، كان محتجبا في عمل علميّ شاقّ، وكانت تلك نهاية إعلان رفض جارحة وجّهها إلى سارتر في الصفحات الأخيرة من كتابه ” الفكر الوحشيّ “. ومهما يكن دَيْنُهُ النظريّ لماركس، فإنّ فكره عموما كان رافضا للثورية ” لا يمكن البتّة إنشاء مجتمع انطلاقا من نظام. فالمجتمع، أيّ مجتمع، هو أساسا صنيعة ماضيه وأخلاقه وسلوكيّاته، أي جملة من العوامل غير العقلانية التي تستثير ضدّها الأفكار النظرية “
كما رغب اليمين أيضا في استلحاق ليفي ستروس، تقديرا لمواقفه التي اعتبرت محافظة حول الجامعة وحول الفنّ المعاصر لكاتب” نظرة مبتعدة “. ولكنّ اليمين فشل أيضا في ذلك. وإذا كان تخوّف ليفي ستروس واحترازاته تجاه “سذاجات معاداة العنصرية”، أو الجمل القاسية التي صاغها ضدّ الإسلام في (مداران حزينان ) مازالت اليوم تلقى إعجاب البعض من المتمسّكين بمعجزة الغرب، فإنّهم لن يدركوا أبدا ماذا يصنعون بجوهر فكر عالم الأعراق؛ فهو فكرٌ يرى في اكتشاف العالم الجديد، والمجازرِ التي انجرّت عنه وما ترتّب عنه من استعباد السود، محنةً تقطّع القلب إلى حدّ أنّ ” الإنسانية لن تعرف أبدا شبيها لها ” هذا فكرٌ يجعل من الحضارة الغربية مجرّد إجابة ممكنة بين إجابات مختلفة للوضع الإنسانيّ، ولكنّها ليست بالضرورة الإجابة الأجدر بالاحترام. وتوسُّعُ هذه الحضارة غير القابل للصدّ هو كارثة انثروبولوجية .
وتفسيرا لعزوفه السياسيّ قال ستروس :”كلّما أوغل المرء في تكريس نفسه لعلم الأعراق ازدادت المسافة التي ينظر من خلالها إلى تاريخ المجتمع الذي ينتمي إليه، وتنبّه إلى أنّ الأشياء الأساسية والمأساويّة في الحاضر، لن تكون لها قيمة كبيرة في أفق بضعة قرون قادمة ” وقد كان هذا دون شكّ السّبب في أن ينال بحثه الصّلد جزاءه منذ زمن طويل: ذلك أنّه عرف كيف يلامس نقاطا تهاوت فيها صراعات الزمن إلى اللاجدوى في حضرة رقّة شعب أمازونيّ تمّ تفقيره أو أبيات قليلة للشاعر ” أبولينير”، أو الجمال الأزليّ لنشيد من الباكستان الشرقية.
الكاتب: أود لانسلين Aude Lancelin
نشر المقال بمجلّة “لو نوفال أبسرفاتور”عدد 1 ماي 2008
