الإثنية المتخفّية ليندا هتشيونLinda Hutcheon ترجمة: صخر الحاج حسين
عندما تغيرت كنيتي من (بورتولوتي) إلى (هتشيون( تغيرت تفاعلاتي الثقافية والسياسية ضمن محيط أنكلو ساكسوني مسيطر. فقط تمّ طمس هويتي الأثنية وأُصمتت، إلا في الأحيان التي كنت أنطقها باختياري. وتعلمت بأنّ هذا درس لا ينسى في بناء المفاهيم الإثنية. ومثلي هناك العديد من مدرّسات الإنكليزية الإيطاليات المتخفيات من أمثال: كاثي (نوتاري)دافيدسون، وماريانا(دي ماركو) تورغوفينتش، وساندرا (مورتارو) غيلبرت. ما لم نكن نشترك به على أي حال هو الجنسية. فجميعهن إيطاليات أمريكيات، أما أنا فإيطالية كندية. ولهذا السبب كانت لي تجربة إثنية (مع تجربة إخفاءها) مختلفة إلى حدّ ما عن تجاربهنّ.
لدى الكنديين، ربما كانوا بريطانيين أو صينيين أو طلياناً أو باكستانيين أو صوماليين، من دون أيديولوجيا جرن الانصهار melting pot ودون هوية قومية تعدّدية تلمّ شملهم، نموذج محدّد رسمياً للتعدّدية الثقافية كانوا يستعينون به لبناء إحساسهم بذواتهم في الأمة. بدأت أدرك وللمرّة الأولى، التداعيات السياسية المختلفة لكلمة ” متعدّد الثقافات” في كندا والولايات المتحدة الأميركية خلال فترة سُميت حروب الثقافة. في الوقت الذي تكرّرت في الولايات المتحدة إدانة التعدّدية الثقافية التي نظر إليها كإعادة ترتيب للهويّة القوميّة نجم عن خسارة ثقافة مفردة مشتركة تمّ إدراكها.
لم يكن دينيش ديسوزا Dinesh D’ Souza الوحيد الذي أقلقته “حملات الهتاف الإثنيّ” المتضمّن في تغييرات مناهجية معيّنة. كما عبّر هنري لويس غاتس ج ر Henry Louis Gates, Jr عن همومه التي تتعلق (بالشوفينية الإثنية) التي احتضنتها الأكاديميّة متعدّدة الثقافات. كما فهم بعض الدارسين سياسات التعدّدية الثقافية فيما بالاختلاف ربّما كانت أسلوبا آخر من الهيمنة البيضاء. ونبّه آخرون إلى مخاوف ذات صلة، بأن ّالاهتمام بالدراسات الإثنية، سيسقط من الحساب الوقائع التاريخية للعرق من خلال استخدام النموذج الأوروبيّ المهاجر، على أنه حكاية الاختلاف الرئيسية.
رغم ذلك، سرعان ما توسّعت في الولايات المتحدة تداعيات مصطلح التعددية الثقافية وخرج من إطار العرق والإثنية ليضمّ مواضيع كالجندر والخيار الجنسيّ وفي بعض الأحيان الطبقة.
خلافاً لذلك لم تكن التعددية الثقافية في كندا مسألة تخصّ سياسات حرم الجامعات أو القانون الكنسيّ ولم تعتبر قضية قانونية تعنى بتحديد الذات القومية. لقد حُدّد إدراك الكنديين لذواتهم في جانب منه بدلالته كمفهوم تعدّديّ أكثر من دلالته كمفهوم مفرد. كما ظهر الاستخدام المبكّر لمصطلح “متعدّد الثقافات” في تقرير اللجنة الملكية لثنائية اللغة الثقافة عام 1970 وجاء تحت عنوان (إسهام المجموعات الإثنية الأخرى الثقافي ). وقصد (بالمجموعات الإثنية الأخرى) كلّ من لم يكن من أهل البلاد الأصليين. ومن هذا التقرير جاء بيان سياسة 1971 على لسان بيير إليوت ترودو رئيس وزراء كندا. وفي عام 1988 صدر مرسوم يقضي بحماية التعددية الثقافية وتعزيزها في كندا. أما الميثاق الكنديّ للحقوق والحريات فقد أكّد على الالتزام بحماية الإرث القوميّ متعدّد الثقافات. ربما كانت هذه التدابير القانونية نموذجية للمجتمع السياسيّ الكنديّ والذي وصفه الفيلسوف السياسيّ الكندي تشارلز تايلور Charles Taylor بأنه” أكثر التزاماً بالتدابير الجماعية مقارنة مع المجتمع الأمريكيّ الذي يعطي الثقل الأكبر للمبادرة الفردية.” ففي الكيبك الفرنسية كما في كندا الإنكليزية متعددة اللغات يوجد” العديد من طرق الانتماء” التي يدعوها تايلور ” التنوّع العميق”. وليس من المصادفة أن ترودو Trudeau، الخصم الفيدراليّ العنيف لانفصال الكيبك، هو من صاغ البيان السياسيّ حول التعددية الثقافية في بداية السبعينات. فتغيير صورة كندا الذاتية من الثنائية الثقافية إلى التعددية الثقافية، هو ببساطة ليس اعترافاً بالواقع الديموغرافي بل هو غرض سياسيّ وفي عيون بعض الناس نتيجة سياسية.
في ليلة الاستفتاء على الاستقلال عام 1995، عبّر رئيس وزراء الكيبك، جاك باريزو عن أساه لتدمير فرصة الكيبك (الفرنسية) باتجاه الاستقلال بما قد أشار إليه “المال والتصويت الإثني”. وليس من قبيل المصادفة أيضاً أنّ سياسات التعددية الثقافية القومية قدمت في الوقت ذاته الذي كانت فيه الكيبك تطوّر من خطابها الهادف إلى إقصاء الاستعمار والذي استمدّ من المنظّرين الفرانكوفونيين من أمثال ألبرت ميمي Albert Memmi وفرانتز فانون Frantz Fanon. بالنسبة للبعض ما تزال هذه السياسات تنشط كعوائق ضمنية للاعتراف بمطالب الكيبك الفرنسية: الاستقلال ومطالبات السكان الأصليين بالأرض ورغبتهم بالحكم الذاتي.
أمّا الروائي نيل بيسونداث Neil Bissondath الذي أعلن عن نفسه بأنه كنديّ مندمج فقد عبّر عن اعتراضات أخرى على التعددية الثقافية كسياسة حكومية رسمية. ففي كتابه: “بيع الأوهام دين التعددية الثقافية في كندا” كتب نيل بأنه لا يشعر وكأنه جزء من المجتمع الترينيدادي في كندا، حتى أنه انتقل من إنديانا الغربية ليبدأ حياة جديدة ويوسع آفاقه ويمضي خارج حدود إرثه الثقافي. مع ذلك لم يصل كل المهاجرين الكنديين بكل هذه الخيارات، والآمال، فلقد عانى الكثير منهم من إحلال الهجرة المفروضة. إنّ سهولة حالة المثاقفة التي اختبرها نيل، يسّرتها السياسة التي هاجمها هو نفسه. فقبل عام 1971 لم تكن كندا ترحب بالمهاجرين، خصوصاً لمن هم من غير البيض. على أيّ حال كان نيل يستجيب ولو جزئياً إلى فكرة تدخل الحكومة في الإثنية والثقافة والتي اعتبرها مسألة شخصية وإلى اختصار الفروقات العرقية والإثنية إلى مجرد فولكلور ممأسس مدعوم كمنحة، أو إلى ما هو أسوأ من ذلك إلى عروض ومهرجانات طعام إثنية.
لقد تآمر التاريخ والجغرافيا من أجل خلق مقاطعات إثنية في كندا. وخلافاً للولايات المتحدة لم تجرّب كندا الدافع باتجاه الغرب انطلاقاً من البداية الأتلانتية، فبدلاً من ذلك وكما عبر كول هاريس Cole Harris تعتبر كندا أرخبيلاً مفككاً أقرّته جماعات أوروبية متنوّعة بوصفه جزيرة واحدة بتقنيات واقتصاديات مختلفة من دون ذكر العادات واللغات. والنتيجة كانت “شبكة كثيفة من عادات محلية متماثلة صهرت عناصر الأسس الإقليمية المختلفة وذلك لتأسيس شعوب في ثقافات فولكلورية مميزة.”
يخشى بعض الكنديين من تشيئ هذه الثقافات وتحويلها إلى رقع هوية نهائية إلزامية وجعل السلالات العائلية أو النزعة البيولوجية -نتيجة للسياسية القومية للتعددية الثقافية – مصطلحات محددة للذاتية. إنّ الإجابة المحتملة الوحيدة على المصالح التي تتعلّق بالتشيئ هي أن جميع معاني الإثنية محكومة بغية ترتيبها بشكل مختلف في مكان جديد ويعود ذلك إلى التغيرات الحتمية التي تأتي بالإحلال، كما يكمن التجلي الخارجي لهذه السيرورة في فقدان التشابه الثقافي الذي تحمله تورونتو “إيطاليا الصغيرة اليوم” لتقدمه إلى إيطاليا الكبرى في أواخر التسعينات. وبمصطلحات مايكل فيشر Michel Fisher تعتبر الإثنية شيئاً” تمت إعادة اكتشافه وتأويله مع كلّ جيل ومن قبل كلّ فرد… والإثنية ليست مجرّد شيء يُمرّر من جيل إلى جيل يُلقّن ويُكتسب، بل هي شيء ديناميكيّ تفشل في الغالب محاولات كبحه أو تجنبه” حتى من قبل الإثنيات المتخفّية التي تظهر محاولاتها على الملأ والتي تسعى لتجنب إثنياتها دون أن يتنبه إليها أحد.
يندب بعض الكنديين غياب أيديولوجيا جرن الانصهار التوفيقية التي تهدف، نظرياً على الأقل، إلى تجاوز الاختلاف باسم الهوية القومية. بدلاً من ذلك تم تدعيم الاختلاف على الصعيد الرسميّ وبقيت هناك معضلة رئيسة تلازم هذا الشكل من التعددية الثقافية تتصل بكيفية احترام الاختلاف من دون أن نؤيد مفاهيم النقاء الإثني والأصالة التي أدت إلى الصراعات المدنية في مناطق أخرى من العالم. إن الحوار المبني على الإقرار المتبادل بالآخر- أي الحوار المبني على إثنية كلّ شخص- ما هو إلا أحد نماذج التعامل مع الصدامات التي يتعذر تجنبها ومع عملية تداخل الحضارات. ففي لقاء الحضارات تحيى الإثنية. بوصفي كندية إيطالية من الجيل الثاني تعيش في مدينة متعددة الأعراق والإثنيات، لست أشعر بأنني واقعة بين تجربة الضياع وبين كوني قد أصبحت شخصاً آخر في شبكة من الخانات الثقافية القديمة والجديدة. فبالنسبة لي، لدى الإثنية الكثير مما تفعله مع سيرورة” المرجعية المشتركة بين إرثين ثقافيين أو أكثر” وليس فقط مع الإرثين اللذين حملت اسميهما. في مقالة غاضبة وصلت إلى حدود النبوءة يجادل سولورس بأنّ تصنيف الكتاب والنقاد كأعضاء في مجموعات إثنية يمكن أن يفهم على أنه ” ميزة منحازة وزائلة وناقصة في أفضل الأحوال”. بدلاً من ذلك وفي دفاعه عن بؤرة ديناميكية ” بين إثنية” مبنية على تعقيدات و تفاعل متعدد الإثنيات” يؤكّد سولورس على مخاطر الاختيار المتردّد في الحديث مع ” سلطة الإثنيين المطّلعين على بواطن الأمور، أكثر مما يؤكّد على مخاطر الحديث مع قرّاء النصوص”. وعندما يصرّح سولورس بأنّ “الأدب (يمكن) أن يفهم كقوّة إنتاجية قادرة على أن تؤمرك وتؤثنن القرّاء” فهو يعني بذلك، أنّ القراء هم ما يقرؤون. ربما كان القرّاء أيضاً كيف يقرؤون. وكما يشير غيتس ” في ظلّ علامة التعدّدية الثقافية، توجّه الرغبة القراءات الأدبية من أجل استنباط، أوّلاً وقبل كلّ شيء مؤشّرات على الخصوصية الإثنية سيما تلك التي تُؤوّل بوصفها معارضة، ومدمّرة وآثمة”. لقد نوقش تأثير الإثنية بحدّة، شأن تأثير العرق والجندر، على فعل التأويل. لكنّه مثل البناء الثقافيّ للقوميّة يمكن أن يكون البناء الثقافي للإثنية أيضاً “شكلاً من أشكال الدمج الاجتماعيّ والنصي” ّللقراء كما للكتاب. منذ أن تمّ تشكيل كلا البنّائين وذلك بوضعهما في نظام الكلمات، واللذين يظهران كوظيفة لعمليات تشفير مختلفة، وبالنسبة للبعض عمليات تشفير متصارعة. تلك التشفيرات التي عانيت من صدامها عندما ارتأيت بوصفي كندية إيطالية أن أصبح قارئة محترفة وكاتبة. وتساءلت إن كان معلّمو اللغة الإنكليزية محكومين بقراءات إنكليزية إثنية. لقد تلقّيت تعليمي قبل أن أتخرج في الدراسات الأدبية الإنكليزية في كندا وبالتالي غصّت في البيئة التطبيعية والاستعراقية لإنسانوية ليفايس Lives . لقد ضمنت هجرة أساتذة اللغة الإنكليزية البريطانيين بأنّ “التقاليد العظيمة لليفايس” ستكون تقاليدي إلى حدّ كبير. بكلمات أخرى تعلّمت أن أفعل ما كان فرانسيس مولهير Francis Mulhern يدعوه “القراءة الإنكليزية.لربما دفعني إدراك هذا الشكل الغادر من الإثنية المتخفّية- الذي أخفيت فيه إنكليزية اللغة الإنكليزية لصالح الكلّيّ- إلى الدراسات الإيطالية ومن ثم استقرّ بي الحال في الأدب المقارن في مرحلة التخرج، حتى أنه أملى عليّ اختياري للنظرية كميدان للبحوث. ذلك أنني أعتقد بأنّ ما بعد المبحث هذا meta discipline وفّر لي على الأقلّ وسيلة فعّالة لتفكيك الكليات. وتنامى إدراكي في الأكاديمية، كما في أسرتي الإيطالية، بأنّ اللغة الإنكليزية تشكّل جماعة إثنية محدّدة ولا تشكّل الثقافة العامّة.
لقد ألفيت في الأدب المقارن الأمل في تعلّم احترام الاختلاف بالإضافة إلى تشجيع الحوار الثقافيّ. ربّما بدا من السخريات الغريبة في الحياة أن أصبح من الإثنيات المتخفّية في الوقت الذي اخترت فيه مجالي وميدان بحوثي. ومع ذلك وجدتني أفقد مؤشّر هويتي الإثنية التي تنعتق تارة وتضيق تارة أخرى. ففي السبعينات كان اسم ” هتشيون” شكلاً من أشكال ترتيب الألوان الوقائي. إذ مكنني ذلك من فرض نفسي كمعلّمة للإنكليزية بالمعنى الإثنيّ- ولكن في التسعينات تبدّلت الأشياء بشكل كبير. والآن أجدني أعيش في ثقافة تمتزج فيها رسمياً- نجد ذلك في القانون وفي معظم المواقف السياسية والاجتماعية- اختلافات القيم وتنوّع وجهات النظر الإثني بالكبرياء أكثر مما تمتزج بالتسامح البسيط. إن التعدّد الثقافي النشط في كندا ليس يوتوبيا بالطبع، فالعرقية والتعصّب لا ينتهيان بسبب السياسات الرسمية. لكن و في العشرين عاماً الماضية، كفّت الإثنية المتخفّية عن لعب دور القناع الواقي لعملية التمثل الذي لعبته في السابق وذلك لأسباب عالمية ومحلية، فعالم التسعينات متعدّد الإثنيات الموزّع يسمح بهويات ما بعد حداثية متعدّدة.
يقدم الرّوائيّ مايكل أو نداتجي Michael Ondaatjeفي روايته ” جلد الأسد” استعارة مرئية مذهلة على الإثنية المتخفّية في مشهد نرى فيه رجلاً كندياً إيطالياً يثير اسمه الإيحاءات. لقد زُجّ به في السجن بتهمة السرقة وهناك يعلم بأنّ اسمه حامل لإثنيته، وجاذب للاحتقار والإهانة. فهم يطلقون عليه dago و wo. وكانت إحدى مهامه في السجن أن يطلي سقف الإصلاحية باللون الأزرق- وبهذا كان يمضي حياته بسخرية لاهثاً وراء مهنته التي تحمل اسمه. يدرك كارافاجيو بطل الحكاية أنه بدأ يفقد إحساسه بالحدود بين السماء الزرقاء والسقف الأزرق أثناء عمله. ومع هذا الإدراك يأتي إحساس بالتحرّر والقدرة. لا يربح السراب المرئيّ للحرية، بل ينجو بنفسه، عندما يقنع أحد زملائه في الإصلاحية وذلك عبر فعل إخفاء ذاتي ذكيّ أن يطليه باللون الأزرق حتى تمّحي الحدود بينه وبين السقف من جهة وبينه وبين السّماء من جهة أخرى.
كانت هناك لحظات انعتاق بالنسبة لي كحاملة لإثنية متخفّية، لحظات تم فيها تحدي الحدود التي تسجن الأفكار الإثنية النقية لمجرد كوني إيطالية بينما يعتقد الآخرون بأنني إنكليزية أو اسكوتلندية. لكن هذه الثنائية وما تمنحه من مباهج تخبّئ حقيقة مثال سولورز التفاعليّ ” بين الإثني”. أعرف من تجربتي اليومية بأنّ الإثنية المتخفّية قد أسّست لتوتّر ديناميكيّ ” صحيّ” في داخلي بين كيفية تعلّمي القراءة وما صرت عليه الآن. والمؤشّر على الإثنية المتخفّية الذي قيّمته فيما مضى كقناع واق، أعتبر أنّه الآن يذكّرني ببناء كلّ أشكال الهوية الإثنية.
-*ليندا هيتشيون: أستاذة الأدب الإنكليزي والأدب المقارن في جامعة تورنتو وسانت جورج كامبوس. أحدث كتبها “حافة السخرية: نظرية وسياسات السخرية” (روتليدج 1995).
-*المادة من منشورات PMLA وهي شهرية أمريكية.
