على درجات المئذنة
أغضبني أنّ الصائمين يُميَّزون بالجلوس إلى المائدة الرئيسية بينما المفطرون الأطفال ينتظرون أن يفرغ الصائمون ليأكلوا، وكنت أحسّ حين أجلس إلى المائدة وأبدأ بالطعام كالقطّة التي تنبش في حاوية الزبالة لتأكل ما يتيسّر لها من بقايا، فكنت أتذمّر وكثيراً ماتركت المائدة حردانة، ولكنّ عنادي هذا لم يُجْدِ. استمرّت أمّي في زعمها أنّ المفطرين من الأطفال أقلّ شأناً من الصائمين الكبار، وظلّ طعامنا بقايا فطور الصائمين، إلى أن قرّرت أن أحوز مرتبة الصائم وأجلس عند رأس المائدة ولو أنّي في السادسة.
نادتني في الثانية ليلاً، أيقظتني أوّل أفراد العائلة. كانت ضاحكة ومستبشرة بالبنت التي ستفتح باب الجنة وربما ينوب أمها التي ربّتها جزء من الثواب. تركتُ فراشي ميّتة من النعاس، تظاهرتُ بالعزم ومضيت إلى سفرة السحور العامرة بالأطباق نظيفة الحواف، لم يلمسها أحد بعد. راحت أمي تدللني كما لم تفعل مع زوجها أبي سيد البيت، راحت تأخذ مني الخبز المقضوم وتأكله، وتناولني الصحيح، وتتباهى أمام اخوتي الكبار وأبي بتلك الصغيرة إذ نفعت التربية فيها.
تسحّرت بلا شهية، كنت أودّ أن أرجع إلى النوم، ولكنّ أمّي أمرتني ببشاشة:
ـ ستصلّين الصباح ثم تنامين، حتى تنالي ثواب النهار كاملاً.
جلست على حافة الكرسي بجانبها، أحلم بالملك والملكة على البطارية، وهي تقرأ القرآن وأنا أنتظر الأذان، وحين قال المؤذّن: يا أمة خبر الأنام أمسكوا عن الطعام.. هرول الجميع يغبّ الماء، أشعل أبي سيجارته الأخيرة واختفى أخي في غرفته ليدخّن أيضاً سيجارته الأخيرة. شربت الماء وجلست أنتظر الفجر موعد صلاة الصبح. أدّيت ما طلبت مني أمي، فرضاً وسنة. ورجعت إلى سريري صائمة. حاولت النوم، عبثاً، كنت مشغولة الفكر بأني صائمة وبأنه عليّ ألا آكل ولا أشرب.
جلستُ أنتظر أن يصحو أحد وأسأل عن الأمر، ولكن كان الكل نياماً، وأمي الحنونة التي يمكن أن تجيبني دون سخرية، نائمة وأبي في غرفة نومهما، التي لا يحقّ لأحد أن يدخل أو يقرع الباب إلا للأمور الشديدة. ماذا أفعل؟
قررت أن أدخل إلى التواليت ولا أخبر أحداً.
أخذت خرجية مضاعفة من أمي، وقالت ضاحكة أن أشتري إفطارية.
ولكن حين لامست شفتاي الماء، ادّعيت أمام نفسي أنه فقط أحتاج أن أتمضمض. قالت لي أمي قبل ذهابي أنه يمكن للصائم أن يتمضمض، حتى وإن كانت رائحة فمه كريح الجنة. فكرت يومها كيف تكون ريح الجنة هكذا، هذا أمر غير مشجع.
أكملت النهار شبه صائمة، وعدت إلى البيت حزينة وخجلة. لم أشتر الإفطارية ولم آبه لمكافآت أمي، جلست مع الصائمين وضميري يؤنّبني وربّي يخبرني أنه لن أنال قصراً ولا أبطالاً ببطاريات، بل سأقضي سنين لا تحصى في النار لأني ابتلعت قطرات من الماء ولم أعترف لأمي بذلك. لم تجذبني الأطباق المزينة التي لم يلمسها أحد، كما تفعل حين أكون مفطرة، أكلت مما أمامي، وشبعت من اللقيمات الأولى، امتلأ بطني وأوجعني ونمت قبل موعد المسلسل. ومرضت في الليلة نفسها.
أشفقت أمي عليّ، ونصحتني أن أصوم على درجات المئذنة.
فعلت بنصيحتها ومن يومها وأنا أرضى بمائدة المفطرين، بل لا أشتهي حتى مائدة الصائمين.
