ملفات الأوان : 11 سبتمبر بعد سبع سنوات : أيّ أسئلة وأيّ موقع نقديّ (17) – من منهاتن إلى مكة

إن نقل القبلة من أورشليم أو ايليا إلى مكة، وأسلمة الذاكرة النبوية الإبراهيمية، ونسخ الأفضلية الإلهية لليهود، لا يمكن إلا أن تواجه بالرفض اليهودي وبالممانعة العقدية. والتنازع حول الإرث النبوي القديم وحول الشخصيات الكاريزمية للتوراة والعهد القديم، صراع وجوديّ، طالما أن التماسك البنيويّ، لفكرية المجموعة العقدية القديمة والجديدة، مرتطب بقراءتهما وتأولهما للتاريخ العقديّ للإبراهيمية. فالرجوع إلى إبراهيم وإلغاء ونسخ الناموس الموسويّ ، لا تعني إلإ الإلغاء المنهجي لليهودية، فيما تمثل اليهودية بشهادة موسى بن ميمون التتويج الأكمل للإبراهيمية. والاختلاف حول التأويل والترميز، في الثقافات الإبراهيمية، يعني التشريع للعنف في كل مستويات الكينونة الفردية والجماعية، والانتقال من العنف الخطابيّ إلى فرض الذمية والانتقال أخيرا إلى المهابدة الاستئصالية.

والأخطر من هذا كله، أنّ الآخر العقدي المستأصل في ربوع العربيا، قادر على التسلل إلى العمق النظري للمحمدية، وأن يوجهها توجيها تاريخيا مخالفا للقصد الإسلاميّ. فالواقع أن اليهودية والنصرانية تخلقان وعيا مفارقا لدى المسلم، فهو يقرّ بتفوقه العقديّ واللاهوتيّ على اليهود والنصارى، إلا أنه يدرك، على نحو مأساويّ، انشداه الواعي واللاواعي، الجائز والضروري للأفق اللاهوتي لليهودية والنصرانية :

“حدثني سويد بن سعيد. حدثنا حفص بن ميسرة. حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لتتبعن سنن الذين من قبلكم . شبرا بشبر، وذراعا بذراع. حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم “قلنا : يارسول الله !آليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟”

( -مسلم بن الحجاج – صحيح مسلم – اعتنى به : محمد بن عيادي بن عبد الحليم – مكتبة الصفا – الطبعة الأولى – 2004-الجزء الثاني – كتاب العلم – باب اتباع سنن اليهود والنصارى – ص. 675).

فالآخر ليس فقط مرجعا للذات، بل هو أفقها الصيروري. والحال أن القبول باليقين اللاهوتي القاضي بالامتياز العقدي للمسلمين، والتسليم بحتمية استنساخ الأنموذج العقدي اليهودي والمسيحي، يولدان انجراجات دامية في الوعي الإسلامي. ويزداد الأمر استعصاء، متى علمنا أن نموذج الآخر النصرانيّ، يحفل بالنقائض العقدية للمحمدية، وبالتشريك الصريح ( عبادة مريم والمسيح والتجسد …الخ ) :

” أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الحارثي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر، أخبرنا سهل أبو يحيي الرازي، أخبرنا سهل بن عثمان، أخبرنا يحيي ووكيع، عن مبارك، عن الحسن قال : جاء راهبا نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهما الإسلام، فقال أحدهما : إنا قد أسلمنا قبلك، فقال : كذبتما، إنه يمنعكما عن الإسلام ثلاثة: عبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، وقولكم : لله ولد . قالا : من أبو عيسى ؟ وكان لا يعجل حتى يأمره ربه، فأنزل الله تعالى : ( إن مثل عيسى عند الله ) الآية .”

( -الواحدي النيسابوري – أسباب النزول – ضبطه وصححه : محمد عبد القادر شاهين – دار الحكم الدينية – بيروت – القاهرة – باريس – 2000- ص.54) .

فالإسلام إذ يرفض التثليث والبنوة والتجسيد والصلب والفداء ،يبطل أساس المسيحية – البولسية ؛فالمسيحية لست من المنظور المحمدي ، إلا تشريكا محضا واستنكافا جازما عن التوحيد الحنيفي / الإبراهيمي .

ورغم نقد الإسلام الصارم للنصرانية ، فإنه تمثل بعمق ، بعدها الكوني المستقى أصلا من الفاعلية الثقافية للهيلينية؛كما تمثل قدرتها الاستعادية والتكييفية للأصول(التوراة والعهد القديم )، و مهارتها في تلوين الحقائق العقدية والتاريخ العقدي بما يساير الخصوصية الذاتية للفرد المؤسس وللسياق التأسيسي .فالمسيحية نجحت في زعزعة المقررات اليهودية، ونقد الفهم الصدوقي والفريسي للموسوية ، وتأولت ، بعديا ، النبوات بما يزكي المنجز اليسوعي . لقد اخترقت الاصطفائية اليهودية واجتافت الأنماط الميثولوجية التعديدية، وأعطتها الشرعية العقدية استنادا إلى تأويل بعدي للتراث الأنبيائي الإسرائيلي نفسه . والأخطر من ذلك أنها لم تكتف باستعادة الميثولوجديا التعديدية ، بل كوننت التركيب المنجز بين الحدس الإبراهيمي والتاريخ الأنبيائي الإسرائيلي والميثولوجيات التعديدية الكنعانية والميثرائية والغنوصية .وقد اعتمد الإسلام نفس الآليات التأويلية ، فبدأ أولا بتعريب تراث البطاركة الإسرائيليين، وبقراءته وفق مقتضيات الحال العقدي والسياسي في مكة والمدينة والعربيا عموما ووفق التقديرات العقدية للشخص المؤسس ؛ كما عمد إلى نزع الشرعية عن المؤسسة الكهنوتية اليهودية والمسيحية ، والى نزع القداسة عن اليهودية والمسيحية التاريخيتين ، بمقتضى تأويل بعدي لمحتوياتهما العقدية والأخلاقية .

وهكذا، أدى الحراك العقدي وإمكان انتزاع احتكار التأويل وإعادة تكييف المادة الإبراهيمية، إلى تشكل عقيدة جديدة تتأول التاريخ الانبيائي ، استنادا إلى أنماط مستقاة من تاريخ المحمدية ، ومن الاصطفافات العقدية بمكة وبيثرب .فالمادة التوراتية أو الإنجيلية ، أعيدت صياغتها لتلائم ، مقصديات مدير الخطاب وموجه الحوادث التاريخية وراسم المصير التاريخي لقبائل وعقائد ذات خصائص تاريخية متفردة . فإبراهيم القرآني ، يتقاسم ، غالبا ، الإطار الحدثي مع إبراهيم التوراتي ، إلا أنه يخالفه في الوجهة اللاهوتية مادام إبراهيم التوراة من الآباء الأوائل أوالبطاركة لا الأنبياء .كما أن إبراهيم القرآني ، يضع الأسس الطقوسية لكثير من العبادات الإسلامية( الحج وعيد الأضحى على سبيل المثال ) ، ويرسم المستقبل العقدي للعرب المحمديين .فالأديان الإبراهيمية ،تتأول الشخصيات النبوية استنادا إلى إعادة تشكيل reconfiguration كثيرا ما تنتهي إلى نوع من تغيير الشكل الأصلي transfiguration .
فكما أولت التوراة الطور الإيلي البطريركي الإبراهامي ، فإن المسيحية تأملت من منظورها ، الطور الإيلي والطور اليهوهي الموسوي والنبوات ( دانيال ، أشعياء… الخ ).

قال يسوع بعد قيامته لتلاميذه :

(وقال لهم هذا هو الكلام الذي كلمتكم به و أنا بعد معكم أنه لا بد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير . حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب .)

(- إنجيل لوقا / الإصحاح الرابع والعشرون : 44-45)

( ولكن الناموس ليس من الإيمان بل الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها . المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة . لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح . )

(- رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية – الأصحاح الثالث – 12- 14)

فتأويل البعديات للقبليات اللاهوتية في الدائرة الإبراهيمية ، هو دليل على امكان تلوين هذا التراث وإخضاعه لشرائط ومقومات تاريخية خاصة . والتأويل والتأويل المضاد ، يؤديان حتما ، إلى استشراء العنف الرمزي أو المادي بين كل الفرقاء العقديين ، خصوصا أنهم يستندون في الغالب إلى معطيات لغوية أو استشرافات عرفانية أو باطنية .

وعليه ، فمن ميزات الإسلام الجوهرية تعريب الإبراهيمية ، وبناء الاستدلال والحجاج على قاعدة الاستثناء البلاغي للخطاب القرآني . فالإسلام يبني فرادته الأنطولوجية ،على الإعجاز البلاغي والبياني للقرآني ، أي على تفوقه الخطابي على سائر الخطابات البشرية . وهكذا ، استوعبت اللغة العربية والمجازات العربية ، المادة التوراتية والإنجيلية ، ووسمت الشخصيات الكتابية بخصائص ثقافية عربية متمايزة :

” لقد وضع الله سبحانه وتعالى الإسلام في إطار من العروبة ، وجعله بذلك الجانب الإلهي من العروبة ، الجانب الذي لا يمكن فصله عن العروبة ، والذي إذا افصل أصبح إسلاما غير الذي وضعه الله سبحانه وتعالى . وصنع الله سبحانه وتعالى ذلك عناية بالعروبة ، ورعاية للعروبة . الإسلام في رباط من العروبة حتى يوم القيامة.”
(-محمد أحمد خلف الله – عروبة الإسلام – منشورات المجلس القومي للثقافة – الرباط – المغرب – الطبعة الأولى – 1990- ص.65)

ومن المحقق أن تعريب الإبراهيمية ، وتصييرها محمدية بمقتضى آليات تأويلية متداولة في النسق المعرفي الإبراهيمي ، قد وفر للإسلام إطارا قوميا وتماسكا ثقافيا لا يستهان به ، إلا أنه وسمه بحدود ، معرفية ولاهوتية وبإشكاليات مستعصية تسللت إليه من شقوق اللغة ومن ثنايا المجاز بشهادة اختلافات المتكلمين والفقهاء حول قدم أو حدوث النص القرآني .

فاللغة تشبيهية ومحايثة مهما رفعتها الرهافة الحجاجية إلى أقصى درجات الشفافية الروحية ؛ وهكذا ، تسلل التشبيه إلى صلب الرؤية الإسلامية ، مما فتح فجوة ، للتأويل والتأويل المضاد والتأويل البعيد ، وسمح للفرق والمذاهب والطوائف ، باحتكار الخطاب القرآني ، وإخضاعه لأنظمة معرفية و أنساق استدلالية مقتبسة عن الثقافات التشريكية ( الثقافة اليونانية والفارسية خصوصا ) . فالتعبير عن الإلهي بلغة بشرية ، يخلق كثيرا من الالتباسات في الوجدان الإسلامي ، ويدفع بالاصطفافات الكلامية و الأصولية والصوفية إلى الاحتراب الرمزي والمادي . فلما كانت اللغة تشبيهية في الأصل ، استحال التعبير التنزيهي عن الله بها ، وارتبط التوحيد بالتعديد . لقد سلمت الإبراهيمية بإمكان صوغ التوحيد في اللغة ، إلا أنها لم تلتفت إلى الجوهر التشبيهي أي التعديدي أي الإنسي للغة . أضف إلى ذلك أن اللغة ليست قناة محايدة تنقل المعاني بحياد ، بل هي إطار ثقافي خاص ، يلون الدلالات ويكيف المعاني ،استنادا إلى المخزون المعرفي التاريخي للألفاظ وللتراكيب وللدلالات الأصلية .فكل صياغة للتوحيد ، بلغة تشبيهية ، تقع في التعديد ، وتلجأ إلى التأويل لاستنقاذ الرؤية من غبش اللغة . ولما كانت أطر التأويل مستقاة من الثقافات التعديدية القديمة وخصوصا من الفلسفة اليونانية ، صعب الركون إلى تلك التأويلات وسهل الالتجاء إلى الحروب المجازية أو الرمزية وأحيانا إلى الحروب المادية لفرض التأويل المقبول ومأسسته. وهكذا ، تقود التموجات الملتبسة والغامضة للبيان ، إلى عنف لا يتنهي إلا ليتجدد، والى محاكاة تنافسية قاسية بين فرق تتقاسم كل التمزقات الوجدانية بين عبارة تعديدية ورؤية توحيدية ظاهرا .

يقول فخرالدين الرازي في الفصل الحادي عشر من كتاب (أساس التقديس ) المخصص للظواهر التي توهم كون الله قابلا للتجزيء والتبعيض :

“أما الذي ورد منه في القرآن .فقوله تعالى في حق آدم عليه السلام : (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) وقال في مريم عليها السلام : ( ونفخنا فيها من روحنا ) وقوله تعالى في حق عيسى عليه السلام : ( وروح منه ) . و أما الخبر . فما روى أبو هريرة – رضي الله عنه – أنه صلى الله عليه وسلم قال : ” لما خلق (الله ) آدم ، ونفخ فيه من روحه ، عطس آدم ، وشكر الله . فقال له ربه : يرحمك ربك ” ثم قال : ” هذا تحيتك ، وتحية ذريتك ” والتأويل :أن نقول : أما إضافة الروح إلى نفسه ، فهو إضافة التشريف . و أما النفخ (فإنه عبر ) بالسبب عن المسبب . وهذا مما يجب المصير إليه ، لامتناع أن يكون تعالى قابلا للتجزيء والتبعيض.”

(-فخر الدين الرازي – أساس التقديس – تحقيق : أحمد حجازي السقا – دار الجيل – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1993- ص . 128) .

فكما تحقق الجماليات المجازية والبيانية للغة الإشباع الجمالي للمخاطب ، فإنها لا تحقق الإشباع العقلي للمتشككين بالنظر إلى انطوائها على توحيد قلق وإشكالي ، قد لا يجدي التأويل في رفع استعصاءاته النظرية . فالمجاز يحقق المتعة الجمالية ، إلا أنه لايحكم الاستدلال ولا يعبر عن شفافية الإلهي . فالعنف يربض في المسافة الموجودة بين اللغة والدلالة ، بين المتعة الجمالية واللااشباع الحجاجي . ومن هذا المنظور ، فتعريب الإبراهيمية ، يجب الفكرية المسماة جاهلية ، إلا أنه يحكم على التوحيد المحمدي ، بالعبور من قناة لغة متشبعة بالمجازات والمعاني العربية التشريكية. والعبور من قناة اللغة ، مثل العبور من قناة الجسد ، لا يعكس إلا بصعوبة لاهوتية بالغة شفافية الإلهي .

“… ولكن شخص يسوع المسيح في المسيحية يوازي أهمية القرآن في الإسلام ويطرح المشكلة التيولوجية نفسها . لماذا ؟ لأن القرآن هو تجسيد لكلام الله في لغة ما ، في لغة بشرية ، والمسيح هو تجسيد لله في جسد بشري ( بحسب الاعتقاد المسيحي بالطبع ) . فكلاهما ذو صفة إلهية بحسب كلا الاعتقادين . وبالتالي فإن ما يقابل المسيح في الإسلام ليس محمدا على عكس ما نتوهم للوهلة الأولى ، وإنما القرآن .”

(-محمد أركون – الإسلام ، أوروبا ، الغرب – رهانات المعنى وإرادات الهيمنة – ترجمة و إسهام : هاشم صالح – دار الساقي – الطبعة الأولى – 1995- ص. 191) .

وكما تسهم الطلاوة اللغوية وسيولة المجازفي تحقيق الإعجاز البياني ، فإنها تنطوي على بذرة الاختلاف . فالبيان هو منجز تشريكي في الأصل ، وصلاته الشعورية واللاشعورية بالبنية الميثولوجية السامية القديمة وثيقة . فالتوحيد الجديد، توسل بالبيان العربي التشريكي الأصل ،فحقق التفوق البياني والفرادة التعبيرية من جهة ،وانطوى في نفس الوقت على الظلال الثقافية التشريكية للبيان القديم( أحسن الخالقين / خير الرازقين / خير الراحمين ). فالموسيقى البيانية هي الطريق الملكي إلى التعديد والى معانقة التاريخ الباطني للغة تشكلت في رحم التعديد . فاللغة حاملة توحيد ظاهرا ، وحاملة تعديد وتشريك و أسطرة باطنا ؛ و أسلمة لغة سامية موغلة في التشريك مثل العربية في ظرف عقدين هو مخالف لمقتضيات التاريخ جملة . والنوسان بين الظاهر والباطن ، مصدر ثر للعنف بكل مستوياته ، بشهادة الاختلافات القاتلة بين أهل السنة والأشاعرة من جهة والقدرية والمعتزلة من جهة ثانية على سبيل المثال .

فاللغة تعطي التوحيد فيما تستعيد التعديد ؛ ونظريات التأويل الإسلامية ، ما هي إلا نتاج تاريخي لعبقرية اللغة التشبيهية، وانفلاتها اللبق والحاذق من محاولات الاحتياز التوحيدي الصرف .وقد انتبه بعض اللاهوتيين المسيحيين لهذا الأمر ، فيما تصر جمهرة المتكلمين الجدد من المسلمين على التمسك بالتسنن التسلفي الخالص بعيدا حتى عن الاختراقات الجزئية للمعتزلة .

يقول المطران جورج خضر :

“إذا كنتَ أوروبيَّ العقل، كائنة ما كانت ديانتك، لا يمكن أن تتهرب من مشكلة ربط كلام الوحي بالتاريخ، وتالياً، من مشكلة ظروف الوحي أو أسباب نزوله في الزمن والمدى. فإذا استخدم الله كلمات من القاموس فمعنى ذلك أن ثمة جانباً بشرياً في القول الإلهي. عندما تستعمل أنت معجماً يونانياً لفهم العهد الجديد فهذا يعني أن كلماته ذات صلة بالحضارة الهلنستية السائدة آنذاك، وأن الإنجيل، تالياً – ولو كان إلهي النفحات كما يقول هو – إنما هو أيضاً مرتبط بأسلوب لوقا وبولس وسواهما، وأن هذا الموقف لا ينفي إلهيَّته. ”

(موقع معبر)

لم تكتف المحمدية بتعريب الإبراهيمية ، بل ارتقت بالواقعات التاريخية إلى مستوى الوقائع العابرة للتاريخ . فالبيان لا يحقق المتعة الجمالية والأدبية فقط ، بل يحول الحدث العرضي إلى أمثولة مجازية. وتحويل العرضي التاريخي إلى أمثولة مجازية، يعني تأبيد العرضي، وتأزيل الجائز، وتنميط الإحداثيات الزمانية العابرة . واستنادا إلى ما سبق ، فإن الاختلافات اللاهوتية والسياسية المحكومة بسياق سوسيو- تاريخي وسوسيو- معرفي ، تستحيل إلى اختلافات خارج السياق التاريخي باطلاق .فتحكيم اللغة التشريكية في الحدث التاريخي المتعين ، يفضي إلى أسطرة الحدث مادامت اللغة تلون الواقعةالتاريخية بألوانها الأسطورية، وبأطيافها التعديدية .كما أنها تميل بها إلى العمومية، النافية للعيانية والزمانية ، وتحيلها إلى متصور لاهوتي خارج مقومات التاريخ الايجابي .

فاللغة لاتحتوي الحدث ، للتسامي به ، بل لتذويبه في قاعها التعديدي العميق ، ولإنكار خصوصيته التاريخية والفكرية المتعينة . وقد حاولت كتابات (أسباب النزول ) استنقاذ الحدث من الشمولية التشبيهية للغة ، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق أي منجز فكري جدير بالاعتبار . وهكذا ، احتفظت المتعاليات القرآنية ، بوضعها الميتافيزيقي المطلق في الوعي الإسلامي (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) ، واستحالت “أرخنت ” النصوص . وهكذا ، أكدت اللغة التشبيهية أصلا ، قدرتها الكبرى على احتواء التاريخ من جديد . فاللغة التشبيهية تسوق التاريخ إلى اللازمانية ، والفعل التاريخي إلى النمط الأنموذجي ،والشخص التاريخي إلى مثال مؤسطر .ومن هذا المنطلق ، يصير العنف الرمزي ، لاتاريخيا ومقولة ثيولوجية مفصولة عن الاعتبارات التاريخية الظرفية المحددة لها .

وتكريس العنف الرمزي ، يقتضي إدراجه لا في التاريخ الانبيائي فقط ، بل في التاريخ العالق بقيعان اللغة وبظلال الثقافة المحتضنة لتلك اللغة . و كأن اللغة تبني العنف الرسولي ، وتلقحه بكل موروثها الاحترابي المتراكم عبر الأحقاب التاريخية . فالعنف المؤسس ، نتاج للتاريخ الأنبيائي ، وللتاريخ الرابض بقاع اللغة وللعنف الرمزي المستظل بثقافة العربيا .
لقد ميز الكثيرون بين الخطاب القرآني المكي السلمي والخطاب المدني الجهادي .والواقع أن الانتقال من الطور المكي إلى الطور المدني ، يرسم تغييرا في الإحداثيات وفي طبيعة الاحتراب التناظري بين الفرقاء العقديين بيثرب .فالخطاب القرآني المكي حافل بالعنف القيامي، بدلالة مشاهد الوعيد القيامية الواردة في أكثر من سورة :

“فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون .فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون . تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون . ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون . قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين .ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون . قال اخسئوا فيها ولا تكلمون .إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا أمنا فاغفر لنا وارحمنا و أنت خير الراحمين . فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون .إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون.” (المؤمنون-101-111 )

أما الطور المدني فقد مثل انتقالا من التركيز على العنف الرمزي والعنف الماورائي القيامي ، إلى العنف الجهادي ، المادي الموضوع في سياق استراتيجي لتدبير الشأن السياسي- اللاهوتي في العربيا .

فالجماعة الإسلامية الأصلية ، لم تكتسب صلابتها البنيوية وتماسكها السوسيولوجي ، إلا بوساطة العنف المؤسس المصحوب بالعنف الرمزي.ولما كان العنف مؤسسيا في هذا السياق ، فإنه يفيض على السياق التاريخي المحدود ويغدو لا تاريخيا ، تركن إليه الجماعة لضمان انتظام نسقها البنيوي وتماسكها الوظيفي وقدرتها التمددية وكفاءتها التوسعية ، في عالم وسمته الهيلينية والمسيحية والمانوية بسمات كونية ظاهرة .فقد انتقل العالم مع الكونية الهيلينية ، من عنف اصطفائي محدد بخصائص جغرافيا تاريخية محددة ، إلى عنف توسعي ، لا يحقق الوعد ويستوفي مقتضيات الميثاق الإلهي إلا بتحويل العالم إلى ساحة للتعنيف الرمزي والمادي للأغيار ، باسم الخلاص أو النجاة .

وهكذا ، صار العنف مكونا رئيسا في التركيبة الفكرية والأخلاقية للأديان الإبراهيمية ، يحتاج مدبرو المقدس الإبراهيمي إلى تشغيله وفق موجبات لاهوتية / سياسية حتمية :

–“حدثنا أبو النعمان حدثنا جرير بن حازم قال : سمعت الحسن يقول : حدثنا عمرو بن تغلب قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن من أشراط الساعة أن تقالوا قوما ينتعلون نعال الشعر و إن من أشراط الساعة أن تقالوا قوما عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة “.

(محمد بن اسماعيل البخاري – صحيح البخاري – اعتنى به : أبو عبد محمود بن الجميل – مكتبة الصقا –القاهرة – الطبعة الأولى – 2003- الجزء الثاني – كتاب الجهاد والسير – باب قتال الترك – ص . 45)

–“حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا يحيي بن الحارث الذماري ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من لم يغز أو يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير ، أصابه سبحانه بقارعة قبل يوم القيامة “.

(- ابن ماجة القزويني – سنن ابن ماجة – اعتنى به وقدم له : محمد بربر – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – الطبعة الأولى – 2006- الجزء الثاني – كتاب الجهاد – باب التغليظ في ترك الجهاد – ص. 485)

–“حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة قال : سمعت قتادة قال : سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة.”

(محمد بن إسماعيل البخاري – صحيح البخاري – اعتنى به : ابو عبد محمود بن الجميل – مكتبة الصفا –القاهرة – الطبعة الأولى – 2003- الجزء الثاني – كتاب الجهاد والسير – باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا – ص . 22)

–“وحدثني عن مالك عن يحيي بن سعيد أنم رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في الجهاد وذكر الجنة ورجل من الأنصار يأكل تمرات في يده فقال : إني لحريص على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهن فرمى ما في يده فحمل بسيفه فقاتل حتى قتل.”

(- مالك بن أنس – الموطأ – خرج أحاديثه وعلق عليه : هاني الحاج – المكتبة التوفيقية –الجزء الثاني – كتاب الجهاد – باب الترغيب في الجهاد – ص : 16)

فالعنف إذن ، ليس إكراها ظرفيا أو إجراءا تاريخيا محكوما بطبيعة السياق والعلائق بين مختلف الفرقاء ، بل هو جزء جوهري ، يمكن من نشوء الجماعة ويضمن تماسكها الروحي ، ويرسم مبتغاها الاستراتيجي ، في سياقات تاريخية ومعرفية مجبولة على التنافس المحاكاتي على نفس الصور المخيالية والإبدال الفكري . ومن هذا المنظور ، فالجهاد الإسلامي ، ليس جهاد دفع كما تعتقد الإصلاحية الإسلامية ، بل هو جهاد طلب . أضف أن الجهاد الإسلامي ، فعل عابر للتاريخ محكوم بحتمية ميتافزيقية ، عكستها النصوص الحديثية الواردة أعلاه.

(فأما شرط الحرب : فهو بلوغ الدعوة باتفاق ، أعني أنه لا يجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة ، وذلك شيء مجمع عليه من المسلمين ؛ لقوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [ الإسراء : 15] ، و أما هل يجب تكرار الدعوة عند تكرار الحرب ؟ فإنهم اختلفوا في ذلك :

فمنهم من أوجبها ، ومنهم من استحبها ، ومنهم من لم يوجبها ، ولا استحبها .

والسبب في اختلافهم معارضة القول للفعل ؛ وذلك أنه ثبت أنه –عليه الصلاة والسلام –كان إذا بعث سرية قال لأميرها : ” إذا لقيت عدوك من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال ، أو خلال ، فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم ، وكف عنهم ، ادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم ، وكف عنهم ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين ، و أن عليهم ما على المهاجرين فإن أبوا واختاروا دارهم ، فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ، فإن هم أبوا ، فادعهم إلى عطاء الجزية ، فإن أجابوا ، فاقبل منهم وكف عنهم ، فإن أبوا فاستعن بالله ، وقاتلهم ” . )

(- ابن رشد – بداية المجتهد ونهائية المقتصد – تحقيق وتعليق ودراسة : علي محمد معوض و عادل أحمد عبد الموجود – منشورات محمد علي بيضون – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية : 2000- الجزء الأول – ص : 579)

فالفكر الديني ، لا يبرح نطاق التمثلات مهما توغل في المقولات المنطقية والاستدلالات الفلسفية والتأويلات الصوفية أو الكلامية .والواقع أن افتقاد الفكر الديني إلى العيانية التاريخية للفكر التاريخي ، كثيرا ما تقوده إلى التشبث ، بمتصورات رفعتها البلاغة التشريكية والتشبيهية للغة إلى مصاف النماذج التأسيسية أو الأطر النموذجية ،المتحكمة في كل مفاصل الرؤية الإيمانية . فالجماعة المؤمنة ، ملزمة بإتمام التطابق مع الأصول والمقررات العقدية في كل زمان ومكان ،لا بالتفكير في صياغة مقررات أو أصول جديدة . واستنادا إلى هذه الرؤية ، فإن اليوميات التاريخية ليثرب تستحيل إلى نموذج تصوري مفارق ، يستحيل تدبره بالآليات المنهجية للتاريخ أو لتاريخ الفكر من المنظور الإسلامي . وهكذا ، يؤدي تغييب المنظور التاريخي ، في الرؤية الإبراهيمية ، إلى تغييب النسبية التاريخي والمحددات السياقية والمساقية للحدث التاريخي ، وتستحيل المواقف العندية أو الذاتية إلى أنماط تأسيسية للفعل البشري بإطلاق . وهكذا ، يتجوهر التاريخ ، وتتحول المواضعات الزمانية المشروطة ، إلى صور مؤقنمة برسم الاستعادة العبادية أو الطقوسية ، لا مواضيع تاريخية مندرجة في سيرورة التاريخ المحايث . فلا غرابة إذن ، في أن يتحول العنف الأصلي المؤسس ، إلى نموذج معياري ، يستعاد في كل السياقات التاريخية والسياسية ؛ كما أن كل الفرقاء العقديين أو الثقافيين أو الحضاريين ، يتحولون إلى نسخ للخصم العقدي المعياري ، أو ممثلين للفكرية الأصلية المضادة للفكرية الإسلامية أي التشريك والتعديد . فالعنف الإسلامي والحال هذه ، عنف مركزي يستوطن كل مفاصل الاجتماع الإسلامي ، ويحكم علاقة الجماعة الإسلامية بكل الأغيار العقديين سواء أكانوا كتابيين أم وثنيين .

وعليه ، فلا جدوى من المقاربات التبريرية للعنف القدسي ، أو للمداخلات الذاهبة إلى الفصل بين الجوهري والعرضي ، بين الروحي والسياسي في الرسالة الإسلامية . فللخروج من استعصاء الفكرية التوحيدية ومن دراما الحدس الإبراهيمي ، لا بد من شحذ الأدوات المنهجية والنقدية ، وتعيين مواطن الاعتلال في المنظورية الإبراهيمية بطريقة صارمة .أما القفز على الوقائع التاريخية أو الحقائق النصية ، وإعلان حروب التفسير و التفسير المضاد والتأويل و التأويل المضاد ، والتماس العزاء في التروحن الصوفي ، فلا يمكن سوى أن تحجب الإشكالية الجوهرية للتوحيد الإبراهيمي وتجلياته الموسوية واليسوعية والمحمدية .

( فالخرافات اليهودية حول كنعان ، والنبوات الموسوية الاستئصالية، ومنظور وصايا عشر طائفية، وشريعة الذحل، وطرد التجار من المعبد، وأمثال الحسام والسيف،ورحمة اله قاتل لا سام، لا متسامح ، كلها تكون الابستيمية التوحيدية ، رغم النهي عن القتل في التوراة والحض على حب القريب في الأناجيل والمزج المنجز هنا وهناك في القرآن . )

{{ مرجع :}}

Michel Onfray – traité d’ Athéologie – éditions Grasset et Fasquelle, 2005 pages 224 et 225

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This