حينما يصبح الجوع والعطش من ثوابت الأمة !
“الدين عقل مجتمع لا عقل له” (ميشال فوكو )
قلت له اترك جانبا كل اعتبار آخر وأجبني كطبيب و بكلّ صراحة و ضمير مهني: هل الصوم مفيد صحيا؟ هل إن صمت أصّح؟ وهل النهوض للأكل ليلا، وفي غالب الأحيان بسرعة و العين لا تفارق عقارب الساعة، ثم العودة إلى النوم هو مفيد للصحة، هل السحور أسلوب غذائي معقول؟
قال وابتسامة استغراب تعلو محياه : الصوم فريضة إسلامية وهذا يكفي! (1)
وذات يوم قال لي شخص يعيش فقرا مدقعا أنه يصوم رمضان ليحسّ بما يحسّه المعوزون! إنك دائم الصوم، قلت؟ قال ضاحكا و لكن في رمضان أصوم رسميا..فهل يتساوى صوم بني فقر و صوم آل برميل؟
والأدهى والأمر أن ترى أستاذا في الاقتصاد يصرّح على شاشة التلفزيون أنّ رمضان شهر الخير والبركات! وكأنه لم يسمع عن ارتفاع الأسعار والمضاربات و تعطّل الحركة الإنتاجية بشكل رهيب و تهاون الموظفين.. أما مَن يصدق ما يقول أئمة المساجد عن سمو الأخلاق في رمضان فجولة سريعة واحدة في الأسواق و المرافق العامة تكفيه ليقف على المناقب “السامية” التي تنزل على المسلمين في هذا الشهر بالذات.
العقيدة ايديولوجيا تسلطية وهي شرّ ما يملكه أهل العلم و أهل الفقر و أهل الدين و كثيرا ما تحول دون تحوّل التجمع البشري إلى مجتمع بل تجعل منه قطيعا مطيعا.
والمسلمون كقرية النمل لا فرادة فيها ولا استقلالية و مهما تبجح القوم بالحرية الشخصية يبقى التدين في غالب الأحيان إرثا اجتماعيا متعارضا تماما مع الحرية الشخصية والتفكير المستقل. بكلمة، إنه نفي لكل ذاتية حرة. ولكن حينما يكون كل الناس أصوليين يخيل للبعض أن ليس هناك أصوليّون أصلا. و لذلك فهو مضحك جدا حال الحداثويين الذين يخافون من إقامة ’الدولة الإسلامية’ في البلدان العربية! و لأنهم في غيبوبة ’يناضل’ الناس أحيانا من أجل ألا يحصل الحاصل.. يصارعون المسمى لا المضمون..يرفضون عبارات ’الدولة الإسلامية’ و ’الشريعة’ وهم غارقون تحت رحمتهما حتى الأذنين..
ولكن إن كان لشهر رمضان من مزية واحدة فهي تلك التي تذكر الغافلين أنهم يحيون في دولة دينية قروسطية تطبق الشريعة الإسلامية حرفيا، ضاربة بعرض الحائط التنوع الديني و حرية الإنسان وضميره والمواثيق الدولية جملة و تفصيلا. في رمضان يبدو جليا للعيان التي لا تزال ترى أن الناس مسلمون و ليسوا مواطنين وحتى تلك البلدان التي يعيش فيها الكثير من غير المسلمين تتحول إلى رمضانستان.
كيف يمكن إن يطالب الناس بديمقراطية سياسية ولا يقبلون الاختلاف في مجال الفكر والعقيدة؟ كيف يمكن فرض مواقيت عمل مناسبة للصائمين و قلب “ريتم” الحياة رأسا على عقب لإرضائهم دون أدنى التفاتة إلى حرية غير الصائمين؟
وأين السلطة المدنية العربية التي تسمح بالإفطار نهارا في رمضان؟
أين الحكومة التي لا تنصب نفسها وصية على حياة الناس الميتافيزيقية؟
و متى يكفّ الناس العاديون عن التلصّص و التفتيش في ضمائر الأفراد و جعل أنوفهم في حالة طوارئ قصوى علها تصطاد رائحة أكل منبعثة من شقة مجاورة ينتهك فيها صاحبها ثوابت الأمة بتناول فنجان قهوة ؟
“حينما يصل مجتمع إلى أوج أزمته و تنحل الروابط الإنسانية، يكتب روني جيرار في كتابه ’كبش الفداء’،يتجه الأفراد حتما إما إلى إدانة المجتمع بأسره و هو أمر لا يلزمهم بشيء، أو إدانة أفراد آخرين يبدون لهم جدّ ضارين […] و يتهم هؤلاء المشبوهون بتهم من نوع خاص.” (2)
ككل السنوات الماضية سيضطر غير المتدينين إلى ممارسة حياتهم في الخفاء كما كان يمارس المناضلون نشاطهم في الفترات الحالكة. وسنسمع عن محاكمات مفطرين وعن مداهمات بيوت اشتبه بأنها تأوي بعض المفطرين.. كما كان يحدث للمناضلين المعارضين. و لئن اتهم هؤلاء بالمسّ بأمن الدولة فالمفطرون متّهمون بالمسّ بأمن المجتمع المسلم و ثوابته. فهل الجوع و العطش و الخمول و الكسل و التبذير و وإيقاف عجلة الاقتصاد الراكد أصلا.. من ثوابت الأمة؟
ألا يكون هذا السلوك الديني غير المتلائم أصلا مع الحياة المعاصرة، والذي يتثاءب عبره المجتمع طيلة شهر كامل، ويجد الناس أنفسهم خلاله في حالة إضراب إجباري عام هو من الخنّاقات الميثولوجية التي تحول دون تطور المجتمعات العربية؟
———–
(1) في ثاني يوم من رمضان عنونت جريدة الخبر الجزائرية: ’حالة طوارئ بالصيدليات في أولى أيام رمضان، الصائمون يقبلون على أدوية التخمة والصداع’. جاء فيها : ” إن كان رمضان شهر عطلة للجهاز الهضمي، إلا أن ما تزخر به موائد الإفطار الجزائرية من وجبات غنية بالمواد الدسمة، مع ارتفاع درجة الحرارة، جعل التهافت على الصيدليات يزيد بعد موعد الإفطار لاقتناء مختلف أنواع الأدوية الخاصة بالتخمة، والمسكّنة لآلام الرأس وغيرها.”
(2) Girard René, Le Bouc émissaire, Le Livre de Poche (12ème édition), Paris 1986, P.25
