في المعارضة والانشقاق
يوصف نظام البعث السوريّ من قبل معارضيه، والكاتب واحد منهم، ومن قبل المنشقّين عنه، بأنه نظام دكتاتوريّ حيناً واستبداديّ حيناً آخر وشموليّ تسلّطيّ في بعض الأحيان، ولا يخلو أن يصفه بعضهم بأنه نظام طائفيّ أو مذهبيّ أو فئويّ .. إلى آخر ما هنالك من صفات لا يخطئها القارئ في خطاب “المعارضة” السورية. ولما كانت الصفات، جميع الصفات، حدوداً وفروقاً وتعيينات، فإنّ كثرة الصفات، التي تطلق على هذا النظام، وتداخلها يعنيان كثرة الحدود والفروق والتعيينات وتداخلها؛ وليس هذا بمستهجن، لأنّ نظام البعث السوريّ والنظم التي على شاكلته تُصنّف في النظم الهجينة التي تبدي ملامح ووجوهاً مختلفة ومتخالفة، وتشترك مع النظم السياسية الأخرى المعروفة في بعض الصفات والخصائص، ولكنّ ذلك لا يحول دون محاولة الكشف عما هو جوهريّ وما هو عرضيّ أو عما هو أساسيّ وما هو ثانويّ في بينية النظام، ولا يعفي المعنيين بالأمر، ولا سيما المثقفين منهم من هذه المهمّة، بغية التوصّل إلى رؤية، بل إلى رؤى سياسية واضحة وموضوعية وغير تفاضلية، إذ لا يندرج تعدّد الرؤى واختلافها في واحد من بابي الخطأ والصواب أو الرشد والغواية أو الهدى والضلال أو الوطنية والعمالة أو الخيانة.
ومن البديهيّ أنّ كلّ وصف أو تحديد أو تعيين، ولا سيما في مجال السياسة، ينمّ على موقف ورؤية، ولذلك فإنّ تحرّي الصفات التي يطلقها معارضون أو منشقّون تدلنّا على مواقف هؤلاء وعلى رؤاهم الفكرية والأيديولوجية والسياسية. لكن اللاّفت للنظر أنّ تعدّد الصفات وتداخلها وتناقضها أحياناً لا تحيل على تعدد قوى “المعارضة” واختلاف مواقفها ورؤاها، إذ تجتمع سائر الصفات والحدود والتعيينات في خطاب كلّ حزب من أحزاب المعارضة وفي خطاب كلّ قائد من قادتها وكلّ ناشط من ناشطيها وكلّ مثقف من مثقفيها، ما يعني أنّ هذه الصفات مجرّد كلمات ذات مغزى تحقيريّ، لا ذات دلالات علمية وموضوعية تنتمي إلى علم السياسة المرتبط بعلم الأخلاق، وأنّ “المعارضة” لا تزال في حال من السديمية والاختلاط والعماء. لذلك سأغامر بالقول: إنّ في سورية اليوم معارضة لم تتبلور بعد (جسمها الأساسيّ من أعضاء أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، ولا سيما حزب البعث العربي الاشتراكي) وقلة من المعارضين الديمقراطيين وكثرة من المنشقين، وهؤلاء المنشقون أحزاب وأفراد، وأنّ معظم الخطاب السياسيّ الذي يوصف بالمعارض جزافاً هو بالأحرى خطاب منشقّين، لا خطاب معارضة ولا خطاب معارضين.
لقد أشرنا في غير مكان إلى وحدة السلطة والمعارضة في الدولة الوطنية الحديثة، على أنها وحدة جدلية، ديالكتيكية، حيث السلطة هي سلطة الدولة فحسب، أي سلطة القانون، وحيث المعارضة مشاركة إيجابية نشطة في حياة الدولة وسلطة رقابية لا تقلّ أهمية عن أيّ مؤسسة رقابية أخرى؛ ومن ثمّ فإنّ المعارضة الوطنية التي تستحقّ اسمها هي معارضة بالفعل وسلطة بالقوة، والسلطة ذات السيماء الوطنية هي سلطة بالفعل ومعارضة بالقوة، بفعل التداول السلميّ للسلطة، مع كل دورة انتخابية. ونحن لا نستلهم هنا تجارب الدول الحديثة التي يجب علينا أن نستلهمها، فقط، بل نستلهم تجربة ما نسمّيه جنين الدولة الوطنية في بلادنا أيضاً، قبل أن تأتي عليها الثورة فتغيّر بنيتها ووظيفتها. فقد أنعمت علينا الثورة نعماً شتّى أبرزها تثوير الحياة السياسية ومذهبتها، أي تجريدها من أيّ قيمة أخلاقية، اجتماعية وإنسانية، وجعلها مذهبية أو عقائدية، قومية واشتراكية وإسلامية وما شئت من هذا القبيل. فقد أعادت الثورة إنتاج الطابع الانشقاقيّ، الذي وسم تاريخنا السياسيّ، منذ الانشقاق الإسلاميّ الأوّل إلى يومنا وساعتنا.
كان الانشقاق “السياسيّ” ولا يزال من أبرز مظاهر الحياة السياسية السورية، ولا سيما منذ مطلع العقد السادس من القرن الماضي. ولعلّ أوّل انشقاق ترك آثاراً عميقة في الحياة السياسية السورية كان انشقاق الناصريين عن حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ بصورة أساسية وعن حركة القوميين العرب وغيرها من أحزاب تلك الحقبة بدرجة أقلّ، ثم انشقاق حركة القوميين العرب؛ لكنّ أخطر الانشقاقات وأكثرها تأثيراً في الحياة السياسية السورية كانت الانشقاقات المتتالية في حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ منذ استولى على السلطة عام 1963، ثمّ الانشقاقات المتتالية في الحزب الشيوعيّ السوريّ وفي الحركة الناصرية وفي سائر الأحزاب الأيديولوجية أو العقائدية الأخرى. ومن المؤسف أنّ هذه الظاهرة لم تدرس بعد دراسة موضوعية تتحرى أسبابها ونتائجها وآثارها المباشرة وغير المباشرة في مصائر الأحزاب الأيديولوجية وفي ما آلت إليه العلاقات السياسية لا بين السّلطة والمنشقّين عنها فحسب بل بين “الحزب الأمّ” (أو “الحزب الأب”) والأحزاب التي انشقّت عنه والأفراد الذين انشقّوا عنه أو خرجوا من صفوفه أيضاً.
لعلّ أبرز خصائص الانشقاق في الأحزاب الأيديولوجية أو العقائدية هو التنافس على المشروعية الأيديولوجية، التي تعيِّن مبادئ الحقّ ومبادئ الأخلاق، تنافساً كان ولا يزال يغطّي صراعاً ضارياً على السلطة والثروة وعلى مصادر القوة، ومن ثمّ فإنّ هذا التنافس على المشروعية الأيديولوجية قد حدّد على نحو حاسم جميع المبادئ المعرفية والسياسية والأخلاقية لخطاب المنشقّين، ما وسم هذا الخطاب بسمات شعورية فضلاً عن سماته الأيديولوجية وأسسه المعرفية المشتركة مع خطاب السلطة، سلطة الحزب القائد. أبرز هذه السمات الازورار عن الحقائق الواقعية وعدم الاعتراف بالآخر وإقصاؤه واستبعاده وتكفيره وتخوينه ووصفه بكل ما يجعل من القضاء عليه واجباً أخلاقياً بمعايير الأخلاق الثورية، القومية والاشتراكية والإسلامية، فضلاً عن التمامية والكمال واحتكار الحقيقة. لذلك لم تتبلور بعد في سورية معارضة وطنية ديمقراطية، ولم يتبلور بعد مشروع وطنيّ ديمقراطيّ، رغم المحاولات المعروفة، وآخرها المجلس الوطني لإعلان دمشق، الذي أسفر انعقاده عن انشقاق جديد رافقته حملة تشهير شعواء بأحزاب سياسية وبمثقفين مستقلين، ما يعني أنّ منطق الانشقاق لا يزال سائداً.
أبرز تجليات هذا المنطق أنّ النقد “السياسيّ” ينصبّ دوماً على الأشخاص وعلى تحديداتهم الذاتية وأسرهم وأصولهم وفصولهم، لا على الممارسات ولا على الظاهرات ولا على الأفكار والرؤى والتصوّرات ولا على مصادر السلطة وآليات اشتغالها ولا على بينية النظام وشروط إنتاجه وإعادة إنتاجه؛ العيب دائماً في الأشخاص الأوغاد والجشعين والفاسدين واللصوص .. ومن ثم فإنّ جذر هذا الخطاب هو الأحقية في الحكم (الأحقية في الخلافة)، ما أشبه اليوم بالأمس!
وبخلاف ما يتوهّم بعضنا، لم تسفر ظاهرة الانشقاق عن تعدّدية فكرية وسياسية فعلية، بحكم منطق الانشقاق وأساليبه وآلياته، وبحكم البنية المعتقدية للعائلة المقدسة أو “الفرقة الناجية” التي تتماهى بالحزب الأم أو الحزب الأب أيديولوجيا وسياسياً وأخلاقياً، بعد أن تقتله رمزياً، ولم تسفر عن أيّ نموّ وتطوّر في الفكر والأخلاق والسياسة، بل أسفرت عن طوائف سياسية متفاصلة ومتعادية؛ فأيّ تعددية في ثلاثة أو أربعة أحزاب بعثية يدّعي كلّ منها أنّه البعث الأصيل، أو في نصف دزينة أو أكثر من أحزاب شيوعية أو ناصرية يدّعي كلّ منها أنه الحزب الأصيل والأحزاب الأخرى تحريفية وانتهازية وعميلة للإمبريالية؟
فإذا كان مفهوماً أن تنتج الأحزاب والحزيبات المنشقة عن أحزاب السلطة وحزيباتها خطاباً انشقاقياً، كخطاب السلطة وأحزابها، لا يمتّ إلى الفكر والسياسة والأخلاق بأيّ صلة، فليس مفهوماً ولا مسوّغاً أن يحذو المثقفون الذين ينسبون أنفسهم إلى الحداثة والعقلانية والعلمانية والديمقراطية حذو هذه الأحزاب، سواء كانوا من أعضائها أو ممن خرجوا أو أخرجوا من صفوفها، وإلا فنحن إزاء ظاهرة المثقف المنشقّ، التي هي الوجه الآخر للسياسيّ المنشقّ.
