” انفجار المشرق العربي “لـ جورج قرم: إعادة قراءة

“.. وبعد الآن لن يكون ورثة المرحلة التاريخية الآفلة، مرحلة الملحمة الناصرية والحلم اليساريّ الرومانسيّ، سوى صورة كاريكاتورية باهتة في غالب الأحيان للأبطال الذين رحلوا. ولسوف نلتقي هؤلاء الورثة في الحركة الوطنية اللبنانية وفي حركات المقاومة الفلسطينية المسلّحة التي أعيد بناؤها في لبنان ولدى بعض الحكام ممن سيعلنون تصميما لفظيا على التصدّي للتنازلات أمام الإمبريالية والصهيونية كما تجسّدت في اتفاقيات كمب ديفيد. وفي الأحوال جميعها سيكون ورثة الأبطال هؤلاء بلا جمهور على صعيد الرّأي العام العربيّ، لأنّ لعبة الأقنعة لم تعد تنطلي على أحد، ولأنّ المجتمع العربيّ، المرهق، المتخم بالنفط، الغارق في التضخّم والمضاربات المالية والصفقات التجارية التي أطلق النفط عفريتها من قمقمه، ماعاد يستطيع التنطح لأي دور سياسيّ…”ص-51- 

الإقتباس السابق من كتاب ( انفجار المشرق العربي ) للمفكر جورج قرم الذي لم يؤلّف كتابه بعد غزو العراق للكويت، ولا إثر قيام التحالف الغربيّ بتحرير الكويت وحصار العراق، ولا بولادة (اتفاقية أوسلو) أو موتها؛ بل.. في أعقاب اجتياح إسرائيل للبنان وحصار (بيروت) المشهود في صيف عام (1982).. ومن النادر أن نجد، انطلاقا من الحدث ذاته؛ مثل هذه الرؤية الصافية للمأساة العربية قبل ربع قرن من تحقّقها الكامل..! ومن الأكثر ندرة أن يجد القارىء اليوم بين يديه كتابا صادرا عام 1987 لكنه يقدم وصفا يكاد يكون بالغ التحديد للحظة الراهنة – لحظة القارىء لا لحظة المؤلّف – بأبعادها السياسية والاجتماعية وكذلك الاقتصادية والنفسية، وذلك كله بأسلوب رائق وسهل يجمع دقة التشريح وعمق التحليل.. وهذه الدعوة إلى ( إعادة قراءة ) هي دعوة للمثقفين العرب، لأنّ الكتاب يستحق قراءة جديدة من وجهة نظر حقبتنا الحالية، فمن خلال تحقّق توقّعات الكتاب بالكامل تقريبا، نكون أمام عمل تنظيريّ وليس مجرّد كتاب سياسيّ أو تأريخ اجتماعيّ للوضع العربيّ؛ والتنظير هو أكثر ما يفتقر إليه المثقّفون العرب، وهذه سمة أخرى تجعل من( انفجار المشرق العربيّ ) موضوع إعادة قراءة.. فالحدث الذي وجده كثير من المراقبين حدثا عسكريا كبيرا – أي حصار بيروت- رأوا فيه مجرد حدث عسكريّ، ناهيك عن الذين لم يجدوه حدثا عسكريا كبيرا (!) باعتباره اشتباكا بين بضعة آلاف مقاتل بين  فلسطينيّ ولبنانيّ يحملون بنادق في مواجهة خاسرة مع جيش إسرائيليّ جرّار؛ غير أنّ حصار بيروت نفسه هو المحور الزمنيّ والدلاليّ لكتاب ( جورج قرم) الذي يبحث في كلّ الأوضاع العربية، والذي لم ينجح- فقط- في قراءة ( العلامة)كاشفا تداعياتها المستقبلية، بل أنه كشف بذلك جذرها الماضويّ مما جعله يضع عنوانا فرعيا للكتاب هو: ” من تأميم قناة السويس إلى اجتياح لبنان”. وبكلمات جورج قرم: “.. ولقد كان تصميم إسرائيل الشرس على اغتيال منظمة التحرير الفلسطينية بحجّة سلامة الجليل ومكافحة الإرهاب، وسط لامبالاة العالم أجمع بما فيه الأنظمة العربية، تعبيرا عن فصل آخر من فصول فشل القومية العربية المعادية للإمبريالية. وعلى هذا الصعيد استكمل اجتياح لبنان عام1982 ما لم يتحقّق بصورة كاملة في هزيمة 1967: أي السّحق، ربما النهائيّ، للناصرية التي كان مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية وحلفاؤهم في الحركة الوطنية اللبنانية، المحاصرون في بيروت الغربية، يمثلون آخر تجلّ لها”…!-ص179-

هذه الرؤية الثاقبة لمفكر عربيّ كان يؤلّف كتابه بينما كان غبار المعارك الدائرة بين الفدائيين والقوات الإسرائيلية يغطّي دلالة الحدث، دون أن تخفى على المؤلف صورة المستقبل التي يمكن استخلاصها من بين الركام:  البطولة التراجيديّة لحفنة من المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين الذين وجدوا أنفسهم ممثلين لكلّ طموحات الشعوب العربية، في خاتمة طريق لا يمكن الرجوع عنه ولا يملكون إمكانية التقدم عليه، كما يجد البطل الإغريقيّ نفسه في مواجهة قدر لا يمكن الانتصار عليه ولا الهرب منه، فيواجه مصيره بشجاعة تليق بالأناشيد التي سوف تنشد له.. مما يعني نهاية الحلم العربيّ الحقيقيّ نهاية بطولية.. ومن المفارقات المأساوية أنّ أوّل أرض تطؤها أقدام المقاتلين الفلسطينيين بعد خروجهم من بيروت في النهاية، هي أرض الأساطير الإغريقية: قبرص.. حيث لاقوا استقبالا شعبيا، ثم اليونان حيث تم استقبالهم استقبالا رسميا باستعراض حرس الشرف اليونانيّ وأداء التحية العسكرية لقائد منظمة التحرير، وكانت اليونان دون أيّ مجاملة لما يريد الإسرائيليون أن يظهروه، تعبر عن إدراك الرأي العام العالميّ أن ماظهر كهزيمة عسكرية للفلسطينيين هو انتصار رمزيّ..             

وثمّة واقعة تختصر مقولة جورج قرم، لم يذكرها في كتابه لأنه لم يتوفّر عليها- بالإضافة إلى أنه لم يكن محتاجا إليها- لكنها تؤكّد بشكل كثيف رؤيته الصائبة، فبعد أعوام من اجتياح لبنان تبيّن في كتاب “حرب إسرائيل اللبنانية” أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ “مناحيم بيغن” وبعد وضع خطة عسكرية لضرب  منظمة التحرير وإخراجها من لبنان قبل عام من الغزو، اختار أن يكون الاجتياح  يوم الخامس من حزيران 1982 لكي يتذكّّر العرب هزيمة 1967 التي وقعت في الخامس من حزيران..! ولم يتفطن سوى قلة من المراقبين العرب ومنهم المثقّفون إلى دلالة توقيت دخول الجيش الإسرائيليّ إلى لبنان.. وكان الشرط الإسرائيليّ الوحيد لوقف الهجوم على بيروت هو خروج منظمة التحرير من لبنان.. وهو ما رفضت المنظمة التسليم به فورا وخاضت حربا لمدة ثلاثة أشهر أدت في النهاية إلى مقتل (631) جنديّ الإسرائيليّ وحوالي خمسة آلاف جريح (وهذه أرقام إسرائيلية رسمية) كانوا محميّين بآلاف الدبابات وأحدث الطائرات بالإضافة إلى البوارج التي كانت تقصف بيروت من البحر، والمدافع التي ركّزها الجيش الإسرائيليّ على التلال شرق وشمال بيروت.. بعد ذلك قبلت المنظمة بالخروج.. 

يقول جورج قرم واصفا مشهد الختام في بيروت: “.. رصّ سكان بيروت الغربية صفوفهم، ودافعوا بكرامة عن مدينتهم، وأجروا بعد ذلك وداعا حافلا للمقاتلين الفلسطينيين: إنه كان آخر مجهود بشريّ خارق قي مسيرة منهكة. فكما وقفت الجماهير المصرية إلى جانب عبد الناصر في حزيران 1967بعد الهزيمة المرة، وكما شيّعته في عام 1970بعد أن ترك بلاده مدمّرة إثر حرب الإستنـزاف على قناة السويس؛ كذلك قدّم سكان بيروت الغربية- وهم الرفاق التعساء لآخر طلقات الثورة العربية- قدّموا للعالم أجمع مشهدا وداعيا أخيرا للتضامن وللمقاومة في وجه الآلة الحربية الإسرائيلية/ الأمريكية الهائلة.” – ص180-

والواقعة الأخرى التي لم يذكرها جورج قرم في كتابه- والتي تؤكد هي الأخرى دقّة رؤيته للإحداث- هي الواقعة التالية: … بينما كان الفدائيون يستعدون للرحيل عن بيروت بعد وقف إطلاق النار؛ أعلنت إسرائيل في نشوة جبروتها أنّ خروج مقاتلي منظمة التحرير لا يمثّل تحقيقا لشرط وقف الحرب على لبنان إذا لم يخرج المقاتلون اللبنانيون الناصريّون معهم..! وشعر البعض بالرعب من أن تستطيع إسرائيل فرض هذا الشرط الإضافيّ في لحظة من الضعف العربيّ الاستثنائيّ.. وأما المقاتلون الناصريون فقالوا ( إن الطلب الإسرائيلي هو وسام على صدورهم لكنهم لن يخرجوا من لبنان) ورفضت الحكومة اللبنانية الرضوخ للإهانة الإسرائيلية، وصمتت إسرائيل؛ وكعادة الذاكرة العربية انزلقت هذه الواقعة إلى النسيان.

                             *  * *

الكتاب: انفجار المشرق العربي

الكاتب: الدكتور جورج قرم

الناشر: دار الطليعة- بيروت- 1987


 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This