الفلسفة وسؤال التنوير
ليس جزافا على ما يبدو، قرننا سؤال التنوير بالفلسفة. ذلك أنه سؤال ما فتئ يؤجّج بؤرة الفكر المعاصر منذ أن انخرط في تاريخه وجعل الفلسفة المعاصرة تعيد طرحه في كل مرة، وعلى الأقل طيلة قرنين من الزمن، دونما الجواب عليه. “فبدءا من هيجل إلى هوركهايمر وهابرماس مرورا بنتشه وماكس فيبر، يقول فوكو، ” لم تقم فلسفة إلا ووجدت نفسها أمام ذات السؤال إما بشكل مباشر أو غير مباشر”. يكاد هذا السؤال أن يكون” لغزا فلسفيا”. لماذا؟ لأنه النقطة المركزية التي عندها تشتبك كل القضايا الأساسية في الفكر، بدءا بقضية التراث والحداثة وانتهاء بقضية الهوية والاختلاف وما يتوارث خلف هذه القضايا كلها من مفاهيم كالزمان والقطيعة والثورة…الخ والحال أنّ الفكر الغربيّ أو ما دأبنا على تسميته كذلك، قد قطع أشواطا كبيرة في تعامله مع هذه المفاهيم، سواء من حيث بناؤها على شكل أنساق (الفلسفة النسقية مع لايبنتز) أو من حيث تفكيكها (خاصة مع كيركجارد، نيتشه، هيدجر، فوكو، دولوز، دريدا…). وهنا يطرح علينا السؤال: كيف تعاملت الثقافة العربية مع هذا الوضع ؟ أو على الأقل ما حدود مسايرتها لهذه الأشواط ؟
الواقع أنّ الثقافة العربية المعاصرة، ما تزال تعيش التذبذب ويكتنفها الخوف كلما وجدت نفسها معرضة لرياح هاته المفاهيم. فرغم الرواج الكبير الذي لقيته هاته المفاهيم من لدنها تبقىسمتها الغالبة اللبس والغموض، فعندما تتكلم عن مفهوم الحداثة مثلا،فإنّها لا تقصد إلا مفهوم التحديث، وإن تكلمت عن مفهوم الاختلاف فلا تقصد إلا مفهوم التميز. فالاختلافات التي يعجّ بها الخطاب العربيّ مجرد تميزات تكون في أحسن الأحوال “اختلافات” انتربولوجية وفي أغلبها اختلافات جغرافية بل عرقية(1) من البديهي أن تبقى الثقافة العربية مشدودة إلى تصوّرات بعينها وأسئلة مكرورة هي نفسها . فبدل أن تولي أهمية قصوى لتصوّر فلسفيّ يرمي إلى موضعة ابستيمية المعارف نسبة إلى ما قد ندعوه الإبستيمية الفلسفية، نجدها ترنو إلى الفرز ما بين الفلسفات والتساؤل عن كيفية توظيف المفاهيم وانتقائها باعتبارها دخيلة على نحو ما تنتسب إلى فلسفة غربية. فليس العيب الإقرار بوجود فلسفات والحديث بالتالي عن فلسفة غربية وثانية عربية وثالثة صينية…
ليس العيب في نشوء فلسفات بالجمع أو عزوها إلى لغات بعينها أو قوميات بذاتها، لكنّ العيب في إقامة الحدود وتوسيع الهوّة ما بين الثقافات . لعلّ أمّ العلل في كلّ هذا في كون البنية الفكرية الناظمة للثقافة العربية توحيديّة ؛ فهي ما تزال فلسفة تطابق واتصال أكثر منها فلسفة اختلاف وانفصال. وما تنفكّ تعتبر الآخر برّانيا وتنظر إليه كغازٍ، لا كهوّة وانفصال بقدر ما ينخر الذات من الداخل بقدر ما يقرّبها من نفسها أكثر مما يبعدها عنها. ليست الذات إذن كهوية ما يعزى إلى أصل أوّلي أو لحمة مسبقة ما دام كلّ أصل في البدء كان شتاتا . فالمنبع على حدّ تعبير جان بوفري، في تأويله لنشأة الفلسفة(2)موجود في كلّ مكان، غير محدّد، إنّه صينيّ كما هو عربيّ وهنديّ..(3)
إنّ سؤال التنوير على ما يتبيّن سؤال منهجيّ ووظيفيّ. لماذا؟ لأنّه يكاد يعود بنا إلى ما اعتدنا على افتراضه منبعا؛ أي إلى مسألة التراث. فماذا لو سألنا أحد أعمدة الفكر العربيّ عن التحديد الممكن لهذا المفهوم؟ يقترح محمد عابد الجابري تعريفه للتراث كالتالي:”التراث هو كل ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي، سواء ماضينا أم ماضي غيرنا، سواء القريب منه أو البعيد”(4). والأكيد أنّ هذا التعريف أكثر موضوعية من غيره من التعريفات، إذ يستدمج في آن واحد البعد القوميّ والإنساني. أي أنه يجعل الذات كونية(ماضي غيرنا) وخصوصية(ما هو حاضر فينا ومعنا من ماضينا) معا. لكن كل ما يؤاخذ عليه كتعريف إنما هو استغراقه لمفهوم التراث في الماضي(5) فهو إذ يعتبر التراث شيئا مضى وانتهى، يجعله بمثابة ما لا يحضر فينا أو معنا إلا من خلال التذكّر والنوستالجيا، أي بعد وصله بنا وجعله معاصرا لنا. لكن ماذا لو واجهنا هذا التعريف نفسه وقابلناه بتعريف آخر لهايدغر مجيبا عن نفس السؤال: “مازال الاعتقاد يسود بأنّ التراث شيء مضى وأنه لم يعد إلا موضوعا من موضوعات الوعي التاريخيّ. مازلنا نرى أنّ التراث يوجد وراءنا، هذا في حين أنه يجيء صوبنا لأنّنا معرّضون إليه ولأنه قدرنا “(6).
يتضح أنّ ثمة في آخر المطاف تصوّرين متابينين للتراث: تصوّر يرى أنّ التراث تراث ثابت، محفوظ ومصون في وعاء اسمه الماضي، وتصوّر يعتبر التراث متغيّرا، منذورا للصيرورة ما ينفك يمضي وما ينفك يعود. في هذا الإطار، يكون التصور الهايدغري للتراث تصوّرا جديدا، يدعونا إلى إعادة فهم الزمان وعلاقتنا به. فبدل الحكم على التاريخ الإنسانيّ بمنظار كرونولوجيّ ينطلق من الماضي نحو المستقبل، ومن الأصل نحو الفروع تنقلب الآية ليصبح المستقبل هو ما يثير الماضي والفروع هي ما يغذّي الأصول. تقوم النظرة الأولى للتراث على أساس كون العالم نسخة لصورة نموذجية لا ينبغي خيانتها، بيد أنّ الثانية تمضي إلى اعتبار العالم عالم التعدد والشتات. وبقدر ما تروم النظرة الأولى افتراض أصل وهوية مسبقة تروم الثانية زحزحة كل أصل وإرجاع كل هوية إلى دينامية الاختلاف. بهذا نكون إذن أمام فلسفتين: فلسفة توحيدية، يغلب عليها الطابع الانتقائيّ، لا تنفكّ تعلي من شأن الماضي على حساب الحاضر بل إنّ الحاضر بالنسبة إليها يكاد يمّحي لصالح نوستالجيا العصر الذهبيّ ورهان اليوتوبيا؛ وفلسفة تفكيكية عمادها الجنيالوجيا والحفر، تحاول باستمرار الاشتغال على ذاتها وتغيير نظم تفكيرها حتى أنّ الطريقة المثلى في الفكر بالنسبة إليها هي أن تفكر بطريقة غير تلك التي تفكّر بها. ترمي الفلسفة الأولى إلى التفكير من داخل ثوابتها وأصولها وتربتها بيد أنّ الثانية تثمر وتنتج خارج تربتها وتاريخها. إني يقول دولوز، أنتمي إلى آخر الأجيال التي كثيرا ما عانت من تاريخ الفلسفة. ذلك أن تاريخ الفلسفة يمارس داخل الفلسفة ذاتها وظيفة قمعية. إنه أوديب فلسفيّ بامتياز: فلن تستطيع على أية حال أن تتكلم باسمك ما لم تكن قد قرأت هذا أو ذاك، ولهذا عن ذاك ولذاك عن هذا.إنّ معظم أولئك الذين جايلوني لم يتخلّصوا من هذا العبء على الإطلاق…. ( 7) ربما كانت هذه الإشارة من” فيلسوف القرن ” سندنا الكافي للتوجه إلى الفكر العربي بالقول، ألا محيد له إذا ما أراد الخروج من قصوره ، عن الانفتاح على العقلانية الحديثة وتفكيك الارتوذكسية العالقة بتراثه. فالعرب على حدّ تعبير أركون يعانون اليوم من قطيعتين لا واحدة؛ الأولى بالقياس إلى الفترة المنتجة التأسيسية من تراثهم (القرون الهجرية الخمسة الأولى) التي يعتقدون أنهم على دراية بها في حين أنّ الواقع عكس ذلك تماما. الثانية بالقياس إلى العقلانية الغربية ومغامرتها الخلاقة بدءا من ق 16 حيث قطعت الشعوب الأوروبية مع تقاليد الجمود والدغمائية لاسيما مع مجيء كانط فيلسوف الأنوار بامتياز والذي قدم الفلسفة كأنطولوجيا الحاضر.
أفلا يكون سؤال التنوير بناء على ما سلف سؤال الفكر العربيّ ورهانه الحاضر؟ أفلا يكون هو ما يحدّد مجال التساؤل الفلسفيّ حول هوية وجودنا المعاصر؟ فبدل مُضيّنا إلى التساؤل حول انتمائنا لمذهب بذاته أو تراث بعينه يكون هذا السؤال هو ما يكشف عن مدى جرأتنا على التساؤل حول انطولوجيتنا نحن بالذات من حيث كوننا رهان الصدف والانفصالات المفاجئة والاحتمالات الناتجة عن سيل وتدفق نهر الوجود أو ما سمّاه الصديق المفكر عبد الصمد الكباص بالمجرى الانطولوجيّ( 8).
الهوامش:
1- عبد السلام بنعبد العالي، الفكر في عصر التقنية، ص22
2- دولوز – فيليكس غاتاري ماهي الفلسفة، ص107، منشورات المركز القومي للإنماء العربي، ترجمة مطاع صفدي.
3- محمد عابد الجابري التراث والحداثة، ص(45)
4- وفي كل الأحوال فالتراث بحسب الجابري يتوزع زمانيا مابين الماضي البعيد والماضي القريب (أنظر ص45)
5- ذكره بنعبد الله في كتابه: ميتولوجيا الواقع ،ص37
6- DELEUZES, pourparlers, p 14.
7- أنظر كتابه الهام والمتين تحت نفس العنوان والصادر عن دار إفريقيا الشرق،الطبعة الأولى 2006
