في زمن العودات : ”العروشية” أعلى مراحل القبلية

كثر الحديث منذ سقوط جدار برلين ثم وخاصة بعد أحداث 11سبتمبر2001 عن العودات، عودة الحدث وعودة السياسيّ وعودة الأمد القصير والبيوغرافيا والمثالية. هذا في نسق البحوث الفلسفية والاجتماعية أمّا في النسق الحياتيّ العامّ فقد تكاثر الحديث عن ”رجعات ” وعودات : عودة ” الديناصورات” لتنمية الخيال العلمي والاتجار السينمائيّ وعودة الانقلابات العسكرية لـ” تصحيح المسارات الديمقراطية ”وعودة الإرهاب ” للقضاء على الفسق”… وعودة الأوبئة الجرثومية وعودة الأزمة النقدية … بل حتى القرصنة البحرية التي خلناها من غابرات الزمن ها هي تعود في بحر الصومال وقبالة خليج عدن.

لقد عادت دولة القرصان وعصر السّلطان وسالف الأزمان وآب الماضي إلى حاضرنا بدون استئذان حينا وبعد الانذار والإعذار أحيانا.

جدّت كل هذه العودات في زمن ” ما بعد الحداثة” وهذه مفارقة عويصة تستوجب إعادة التأمّل في مفهوم الحداثة وفي مغزى ” العودات”.

يربط البعض تلك ” الرّجعات” بإخفاقات العولمة وفشل النظام العالميّ الجديد ويفسّرها لفيف آخر بثغرات التقدّم البشريّ التي لا غنى عنها فيعتبرها ضريبةََ ” للمعاصرة”.

لا يستقيم القول بعودة هذه الظواهر بل يصحّ منطقا الحديث عن عودة البشر إلى تلك الظواهر ” الماضوية” التي لم ينضب صبيبها ولم يهمد دفقها فظلت خامدة تنتظر شروط ايقاظها وتفعيلها .

اعتقد القائلون بنهاية التاريخ وثبوتية الزمن بزوال تلك الظواهر تدريجيا من محيط الانسانية بلا رجعة وها هو التاريخ يكذّب رومنسيتهم ” الساذجة” المعتقدة في خطّية التطور والرافضة لفكرة الانقطاعات والانزياحات والصراعات الجدلية.

للعرب ”ريادتهم” كالعادة في خضمّ هذه ”العودات” ولئن فاتهم ركب ”العودات” الابستيمية والفكرية الخلاّّقة فها هم على رأس العودات ” الكارثية” الفتّاكة.

عادوا- وليسوا الوحيدين بالتأكيد- للتوريث وللحروب الأهلية والانقلابات والإرهاب والملل والنِّحل والطائفية والعروشية التي أصبحت اليوم إحدى السمات الطاغية لنظام العلائق السياسية والاجتماعية والثقافية .

العروشية هي تقريبا العشائرية وفي الحالتين فالاشتقاق يعود لنفس الجذر ” ع-ر-ش” ويروج استعمال العشيرة والعشائرية مشرقا والعرش والعروشية مغربا والمقصود بالعرش هنا ليس ذاك الذي انتظرنا انفتاح أبوابه في وجوهنا منذ زمن الصحابة ليس عرشا فوق الماء والسماء تسجد له الشمس بل هو عرش فوق الوطن والأمة وتحت المواطنة والمدنية، هو عرش قرابيّ قبليّ طائفيّ ساهم في انبلاج الأبواب وامتدّ لغلق النوافذ.

العرش ذاتٌ جماعوية معنوية وقرابية تقوم على عصبة الالتحام ورابطة الدم الحقيقية أوالمزعومة والعرش جزء من الفريق والفريق جزء من الفخذ والفخذ من البطن والبطن من القبيلة .

يرتكز الانتظام العروشيّ على أصغر تجزئة للوحدة القبلية وقد طغى التمثيل بالعروشيات في خضمّ سياق ” عودة ” القبليّة السياسية والاجتماعية والعصبية الجديدة. لقد كان الاعتقاد بأنّ تعرّش القبائل والنواجع الكبرى في فجاري الاستقلالات السياسية للأقطار العربية مؤذن بانبلاج صبح التمثيل العائليّ الذي قبلنا ببطريركيته على مضض أملا في ميلاد نواة الأسرة ومنها الفرد الذي به نبني صرح المواطنة المنشودة غير انّ الرهان خاب وعادت العروشية لا كتعبيرة ذابلة ومتشظية للروح القبلية بل كقوّة مجدّدة ومخصّبة لها أغرت المريدين فانتصروا لتباشيرها وانجذبوا لإغراءاتها صاغرين وجاز القول قياسا بأنّ العروشية هي أعلى مراحل القبلية .

الانتظام العروشيّ الذي عاد وسيطر على بنياننا الاجتماعيّ اليوم ليس قائما بذاته بل بالدّول ” المعاصرة” التي جدّدت بوعي أو بدونه تلك الأطر العشائرية الآفلة وسكنت إليها عن طواعية أو بانتهازية أملا في تمديد أجل صلاحيتها .
استوت العروشية وجدّدتها دُول الاستقلال عندما فشلت مشاريعها التنموية واصلاحاتها الزراعية ومحاولاتها التأميمية. عادت العروشية عندما انهزمت الجيوش ودُمّرت نواتات المواطنة وإرهاصات المجتمع المدنيّ وانتعشت العشائرية عندما سقط العدل وأُسرت الحرية وكمّمت الأفواه. تيقّّظت الايديولوجيا ” التعريشية” عندما خُصخص التعليم والنقل والسكن والصحة بدون أيّ تقسيط متعب ولا مريح. لقد تربّعت العروشية اليوم على عرش نظيمتنا الاجتماعية وحتّى لا تستصغر ”الرعايا” ذواتها فقد بحثت عن كبراء وزعماء ووجاهات فلم تجدهم إلاّ في رحاب العشيرة .

لقد آب الفرد إلى ظلال العرش بحثا عن ارتواء وعزّة وحميّة بعد استفحال” التعرية ” الوطنية والقومية والاجتماعية وبعد فشل دول الاستقلال في تجسيد وعودها بالخبز والأرض والحرية، ولا جرم فالخيبات تجيز ”العودات”.

يقوم الانتظام العروشيّ اليوم على انصهار الفرد في بوتقة محدّدات انتمائية ضيّقة تقوم على دوائر قرابية شبه مغلقة وتضامنات آلية وعضوية فعّالة. ينتهي العالم في الذهنية العروشية عند حدود العشيرة ويتجسّد الايمان والطاعة في نصرتها وتجسيد رغائبها والذود عن حميّتها. لقد حلّ زمن الإيمان بالعرش وهو إيمان تقليديّ يقوم على الاعتقاد لا الانتقاد فأتت حماسته الفياضة على اليابس والمعتلّ بعد أن سحقت الأخضر والغضّ.

يجري في أيامنا التمثيل السياسيّ بالعرش والبيوتات وتقوم المحاصصات الانتخابية على العروشية ويسري الأمرعلى أحزاب المعارضة والحكم على حدّ السواء ويقوم التمثيل النقابي والجمعياتي أيضا على المحسوبية العروشية .

تُبنَى الجامعات وتُشيّدُ الأكاديميات العلمية أيضا إرضاء للمرجعيات العروشية وفي إطار توازنات العشائر ومشتقاتها وتستنبط أسماء المدارس والساحات والشوارع والقرى المستحدثة وفقا للعشائرية ” أولاد فلان، بني فلتان…” ووصل الأمر بنسبة الطرقات المعبّدة إلى عرش دون آخر بل إنّ المساجد المستجدّة والتي يطلق عليها رسميا تسميات ” الغفران والتوبة والفتح ” تحمل في الاستعمال الرائج أسماء موازية للعروش التي تختصّ ببنائها وتنفرد بممارسة الشعائر فيها .
في ظل غياب الديمقراطية أو استمرارها في مرحلة الدبيب وفي ظل ضعف النسيج الجمعياتيّ وهشاشته وفي عهد تجريد المجتمعات من محصّناتها الحيوية عادت القبلية إلى عنفوانها وجدّدت ذاتها بواسطة عنفوان العروشية.

سيطرت الايديولوجيا العروشية على المنتديات والبرلمانات والمؤتمرات وسادت شعاراتها الدعائية في الملاعب وفوق جدران المبيتات الجامعية وبلغ الأمر منتهاه عندما وعد ”المسؤول ” والابن البار أن يرقّي عرشه إلى مرتبة ”المحافظة” وعندما اختار حزب ”يساريّ راديكاليّ” أن يتزيّن باسم ” كتلة القبائل العروشية ” وهكذا آلت أحلام قرامشي في تحقيق الكتلة التاريخية إلى ”تعريش ” هجين من وحي زمن العودات.

تخلّف العروشية اليوم احترابات ومقاتلَ في الحزب والشارع والملعب والجامعة والمنتدى لكنها بالمقابل توفّر للمستجيرين بها إحساسا بطمأنينة نفسية تروي ظمأ الهوية كما توفّر تغطية إنسانية واجتماعية تضمن المنسوب الأدنى لبشرية البشر.
توفّر العشائر لذريتها بعض قوت وكرامة لمواجهة عاديات الزمن كما توفّر العروش لأمواتها نعوش الدفن والمقابر اللاّمنسية. لم يعد الجنديّ المجهول شهيد الوطن وفديته كما كان بالأمس بل صار معلوم النسب والقبيلة والتأصيلة ونذرا للعرش وحرمته.

في زمن العولمة وعندما أخفقت الهوية الكبرى اختلس الفرد كيانه وانزوى إلى محراب هويته الصغرى يتلذذ بها سريّا وعلنياّ ويتجمّل بها عن فقره وعجزه وكبته.

ليس اللجوء إلى الهوية الصغرى ”جرما” بل هو حنين بدائيّ وضروريّ لتمتين الهوية الكبرى ولضخّ الدماء الجديدة في أوردتها . فالحارة والحمّولة والعرش والناحية والجهة والقبيلة كلها من محددات الإنتماء الأساسية ولم َيحُل استرسالها دون بناء المواطنة أو ترسيخ قيم المدنية غير انّ الفرق شاسع بين الجهة والجهوية وبين القبيلة والقبلية وبين العرش والعروشية.

عصبية العروشية العائدة اليوم ليست سوى معاول هدم استزلمها مع الكاهن وتوحّدت مع الجلاّد فعمّقت الاغتراب والعجز والعطل .

ترعرعت أفكار التنوير والانبعاث والحداثة في بستان الوحدة والتجميع وفي حدائق الهوية الممتدّة. هكذا علّمتنا دروس التاريخ .

لم ننجح طيلة نصف قرن وأكثر في بناء المواطنة واستعصى نيلنا للحداثة في رحاب الدولة ”الوطنية ” و”القومية” والمهمة ستكون بالتأكيد أعسر في عهد ” العروشية” العائدة. هكذا تعلّمنا دروس الجغرافيا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. لبايير بلعباس - سوسيولوجي من جامعة جيلالي ليابس سيدي بلعباس

    وصف لوروا بوليوLeroy-Beaulieu عناصر كتلة النخبة بأنها موؤربة Europeeniseبإعتبارها أقلية متسامية مقارنة مع اغلبية فئات الشعب،هذه النخبة لم تعد تكتفي بالأفكار والتقنيات وطرائق العمل والثقافة والتربية الوافدة من الغرب، بل تطمح إلى تحويل المجتمع إلى ما لم يستطع التاريخ الاستعماري أن يحوله، وبالتالي أصبح هؤلاء غرباء عن مجتمعاتهم، ويعانون من عقدة استعلاء اتجاه المجتمع، ويرزخون تحت ضغط مركب الدونية إزاء الجتمع الفرنسي مثلما قالJean Jaures(لقد وضعنا الشباب الجزائري أمام حضارتين),هذا الشرخ الثقافي هو الأس القاعدي الذي تتحدد عليه طبيعة مشروع المجتمع المزمع التوافق عليه، وهو مايقوم علي الأساس الثقافي والتاريخي قبل الاقتصادي والتنموي، على العكس ما يذهب إليه الطرح الماركسي بخصوص العلاقة الجدلية بين البنية الفوقية و التحتية,ينبغي تجاوز الصدع الثقافي الذي خلفته الفترة الاستعمارية وفق المقاربة الانقسامية والصدع التاريخي المتاصل فينا وفق ما قدمه ان خلدون بخصوص القبلية والقبلة والعروشية في منطقة المغرب العربي، من خلال تخلي النخب عن منطق الاستعلاء والتالي باسم المدنية وتخلي شملية الديني على الشأن العام,

  2. لبايير بلعباس - سوسيولوجي من جامعة جيلالي ليابس سيدي بلعباس

    وصف لوروا بوليوLeroy-Beaulieu عناصر كتلة النخبة بأنها مؤوربة Europeeniseبإعتبارها أقلية متسامية مقارنة مع اغلبية فئات الشعب،هذه النخبة لم تعد تكتفي بالأفكار والتقنيات وطرائق العمل والثقافة والتربية الوافدة من الغرب، بل تطمح إلى تحويل المجتمع إلى ما لم يستطع التاريخ الاستعماري أن يحوله، وبالتالي أصبح هؤلاء غرباء عن مجتمعاتهم، ويعانون من عقدة استعلاء اتجاه المجتمع، ويرزخون تحت ضغط مركب الدونية إزاء المجتمع الفرنسي مثلما قالJean Jaures(لقد وضعنا الشباب الجزائري أمام حضارتين),هذا الشرخ الثقافي هو الأس القاعدي الذي تتحدد عليه طبيعة مشروع المجتمع المزمع التوافق عليه، وهو مايقوم علي الأساس الثقافي والتاريخي قبل الاقتصادي والتنموي، على العكس ما يذهب إليه الطرح الماركسي بخصوص العلاقة الجدلية بين البنية الفوقية و التحتية,ينبغي تجاوز الصدع الثقافي الذي خلفته الفترة الاستعمارية وفق المقاربة الانقسامية والصدع التاريخي المتاصل فينا وفق ما قدمه ان خلدون بخصوص القبلية والقبيلة والعروشية في منطقة المغرب العربي، من خلال تخلي النخب عن منطق الاستعلاء والتعالي باسم المدنية وتخلي شمولية الديني على الشأن العام,

أضف تعليق

Share This