من هيغل ونابليون إلى هابرماس وبوش
قلت في مقالة سابقة إنّ هيغل صفق لنابليون على الرغم من انه كان يغزو بلاده وينتصر عليها في معركة يينا الشهيرة عام 1806. ومعلوم أنّ هيغل كان أستاذا شابّا في جامعتها آنذاك لا يتجاوز عمره السادسة والثلاثين . فلماذا صفّق له بدلا من أن يرى فيه غازيا أجنبيا معتديا ينتهك حرمة وطنه؟
في ليلة 13 أكتوبر عام 1806 كان هيغل قد وضع اللمسات الأخيرة على مخطوطته الشهيرة: فينومينولوجيا الروح، أي التجليات المتصاعدة والناضجة أكثر فأكثر للعقل البشريّ عبر التاريخ منذ أقدم العصور حتى لحظة هيغل نفسه. في هذا الكتاب ذي النفس الشاعريّ الوثاب والعمق الفلسفيّ الذي لا يضاهى يحلّق هيغل عاليا ويحقّق أولى فتوحاته الفلسفية التي لا تقلّ أهمية عن فتوحات نابليون العسكرية. لهذا السبب أعجب بالقائد الفرنسيّ أيما إعجاب. فكلاهما فاتح: الأوّل في المجال الفلسفيّ والثاني في المجال العسكريّ والسياسيّ. ولذلك فعندما رآه يمتطي صهوة حصانه ويصول ويجول في شوارع “يينا” لم يخطئ في فهم الحدث: فهناك تعانقت اللحظة الفلسفية مع اللحظة العسكرية إلى درجة أنّ التاريخ أصبح يكتب مرتين: الأولى من قبل الفيلسوف الذي أرهص بحركة التاريخ ورآها قبل أن تحصل، والثانية من قبل نابليون الذي أخذ يحقّق هذا التاريخ بالذات على ارض الواقع المحسوس.
ينبغي العلم أن هيغل في فلسفته للتاريخ كان يعتقد أن الرجال العظام من أمثال نابليون أو سواه هم الذين يحققون العقل في التاريخ وينجزون التقدم البشري ويقفزون بالمجتمع خطوات إلى الأمام. إنهم عملاء للتاريخ أو وكلاء له. بمعنى أنهم مكلفون بأداء مهمة تتجاوزهم وتتخطى أشخاصهم. إنهم مجرد أداة للتاريخ يحقق من خلالهم مآربه. وما أن تنتهي هذه المهمة أو الرسالة حتى تنتهي حياتهم إما قتلا أو أسرا أو اغتيالا الخ.. ذلك أنّ التاريخ لم يعد بحاجة إليهم. لقد استنفدهم بعد أن استخدمهم. لا ريب في أنهم يتابعون مطامح شخصية وعظمة إمبراطورية من خلال حملاتهم العسكرية أو فتوحاتهم السياسية. بل ويتوهمون أنهم هم الذين يقودون التاريخ في حين أنه هو الذي يقودهم على غير وعي منهم لتحقيق غاياته هو لا غاياتهم هم. فما يبقى منهم ليس الجانب الشخصي وإنما الكوني الموضوعي: أي تقدم فكرة الحرية وتجسدها في التاريخ.
ذلك أن التاريخ بالنسبة لهيغل شيء جادّ له معنى وليس عبثيا. هيغل فيلسوف عقلاني وليس شكوكيا أو ارتيابيا أو عدميا. وبالتالي ففي التاريخ يحصل التجلّي التدريجي لما يدعوه بالروح أو العقل أو الفكرة المطلقة أو الحضارة الكونية. والحضارة تتجسد شيئا فشيئا بطريقة ديالكتيكية من خلال الصراع وملايين الجثث والضحايا الأبرياء حتى ينتهي بها الأمر إلى الانتصار أخيرا. وعندئذ ينتهي التاريخ بعد أن يكون قد توصل إلى غايته: أي تحقيق حكم القانون والخير والحرية والعدالة على سطح الأرض. وفكرة نهاية التاريخ أخذها عنه فوكوياما كما هو معروف. ولكن بالنسبة لهذا الأخير فإنّ نهاية التاريخ تكمن في انتصار النظام الليبرالي الديمقراطي وتعميمه على البشرية بأسرها. والمعنى واحد في نهاية المطاف. كلاهما يحلم بأن يتحقق مجتمع مثالي إلى أقصى حد ممكن على وجه الأرض.
لذلك كتب هيغل عبارته الشهيرة في رسالة موجهة إلى صديقه نيتامير. ونصها الكامل هو التالي: رأيت الإمبراطور، روح العالم، يخرج من المدينة لاستطلاع قواته. إنّه لإحساس رائع تشعر به عندما ترى شخصا كهذا متمركزا على نقطة واحدة، أي على صهوة حصانه، لكي يمتد على العالم كله ويهيمن عليه..
عندما قال هيغل هذا الكلمات كان يعرف أنّه هو أيضا يهيمن على العالم بفلسفته، هو أيضا إمبراطور الفكر والفلسفة، أو في طوره لأن يصبح كذلك.
وبالنسبة لهيغل فإنّ هذا التوافق بين فتوحاته الفلسفية وفتوحات نابليون العسكرية لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة عبثية. ذلك أنه إذا كان هو قد حقّق المطلق في الفلسفة فإنّ نابليون قد حققه في الممارسة. والمقصود بالمطلق هنا تجسيد الحرية والعقل على ارض الواقع بعد الإطاحة بالنظام الأصوليّ المسيحي الإقطاعي القديم. ثم يردف هيغل في رسالته قائلا: إنّ فتح نابليون لمدينة يينا هو حدث تاريخي: بمعنى انه من نوعية الأحداث الكبرى التي لا تحصل إلا كل مائة سنة أو حتى ألف سنة. لماذا؟ لأنّ المعرفة المطلقة أصبحت موضوعيا ممكنة. وذلك لأنه من خلال نابليون وبواسطته فإنّ الصيرورة الفعلية للتطور التاريخي تحققت ووصلت إلى مداها الأخير. من هنا فكرة نهاية التاريخ الوهمية التي أخذها عنه فوكوياما أيضا.
والآن نطرح هذا السؤال: ماذا قال المثقفون العرب عن حملة نابليون ذاته على مصر قبل بضع سنوات من حملته على بروسيا أو المانيا؟ ألم يحددوا تاريخ النهضة العربية بوصوله إلى مصر وقضائه على حكم المماليك وإيقاظه للشرق من سباته الدوغمائي الطويل؟ ألم يحمل معه أفكار التنوير والثورة الفرنسية؟ الم يصطحب معه مائة وخمسين عالما في كافة الاختصاصات؟ صحيح انه كان يتابع أهدافا شخصية ومصالح فرنسية في التوسع والنفوذ ومنافسة الانكليز. ولكن الشيء الذي تبقى منه موضوعيا هو انه هز الشرق العربي الإسلامي هزا ونشر الأفكار الجديدة التي راحت تبذر في المنطقة لأول مرة وتتفاعل. صحيح ان آلاف الضحايا سقطوا على الطريق. ولكن هذا هو ثمن التقدم التاريخي. التاريخ بحسب منظور هيغل لا يمكن ان يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام إلا بعد دفع الثمن.
وماذا حصل في افغانستان والعراق مؤخرا؟ سقوط الأصولية بأبشع صورها، اي الطالبان، وسقوط الطغيان العربي في أبشع تجلياته، أي صدام. صحيح انه ليس الطاغية الوحيد وان كان أكبرهم ولكن الحبل على الجرار.. صحيح ان جورج بوش ليس نابليون ولا يمتلك عبقريته العسكرية أو السياسية. وصحيح انه استغل 11 سبتمبر لتحقيق مآرب شخصية لأميركا في الهيمنة الاستراتيجية على المنطقة ومصادرها البترولية وسوى ذلك. ولكنه بشكل واع أو غير واع أدّى إلى زعزعة الأصولية الإسلامية وأجبر العرب والمسلمين جميعا على إعادة النظر في تراثهم الديني وبرامج التعليم. ومنذ الآن فصاعدا لن يكف الغرب الأميركي الأوروبي وكذلك بقية العالم عن ملاحقتنا حتى نغير مفهومنا القديم والظلامي للدين. ويخطئ من يظن ان المسألة سوف تتوقف عند العراق. فبعد ان تستتب الأمور فيه سوف تنتقل الحركة إلى البلدان المجاورة كلها حتى تسقط السلفية العمياء تماما. وسوف يمتد مسرح الصراع من حدود الجزيرة العربية وحتى الباكستان.. وهي التي ستكون المستهدف الأساسي والنهائي من العملية. وهنا تكمن فائدة 11 سبتمبر: فقد فتح عيون الجميع على مدى خطورة هذه السلفية الانغلاقية على مصير الحضارة الكونية. وأول من تهددهم وتشل طاقاتهم وتمنعهم من دخول التاريخ هم العرب والمسلمون أنفسهم..وآخر الأنباء تدل على ان العراق أخذ يستقر نسبيا الآن ويتدرب على اللعبة الديموقراطية في البرلمان ويبني دولة المؤسسات. وأنا واثق أن تضحياته الرهيبة لن تذهب سدى وسوف يصل شاطئ الأمان عما قريب..
هابرماس و11 سبتمبر
كيف يقرأ هابرماس حدثا كبيرا ك 11 سبتمبر يا ترى؟ ما رأيه بكل ما حصل؟ هل رحب باجتياح بوش للشرق ومعاقله الأصولية مثلما رحب سلفه هيغل باجتياح نابليون لها في اوروبا قبل مائتي سنة؟ على هذا السؤال يمكن ان نجد الجواب في الحوارات المطولة التي أجرتها الفيلسوفة الايطالية الشابة الأستاذة في نيويورك جيوفانا بورادوري مع كل من هابرماس ودريدا بعد ضربة 11 سبتمبر بوقت قصير جدا. وقد صدرت هذه الحوارات في كتاب بعنوان: الفلسفة في زمن الإرهاب. ثم صدر الكتاب بالفرنسية عام 2004 تحت عنوان مختلف تبدو عليه فذلكة دريدا اللغوية: مفهوم 11 سبتمبر. حوارات نيويورك مع جيوفانا بورادوري. وأعتقد ان الباحث السوري خلدون النبواني هو في طور ترجمته الآن إلى العربية هذا ان لم يكن قد أنجز الترجمة نهائيا. وحسنا فعل. فالكتاب يستحق ان ينقل فعلا إلى لغة الضاد. فهو من أفضل ما كتب عن 11 سبتمبر..وأعتقد انه نشر جزء منه هنا على صفحات “الأوان”.
لا يبدو هابرماس منزعجا من قضاء بوش على الطالبان وتقويض نظامهم رغم من عدم إعجابه الكبير بالرئيس الأميركي اليميني والرأسمالي أكثر من اللزوم. فهو حتما يفضل عليه بيل كلينتون الليبرالي المستنير. وسبب تأييده لسحقهم يعود إلى فرضهم لنظام ظلامي مرعب ليس فقط على النساء وإنما أيضا على الشعب الأفغاني بمجمله ثم لانهم رفضوا تسليم بن لادن. ولكن منظر البؤس الذي يتجلى من خلال افغانستان المدمرة يوجع القلب ويذكر هابرماس بمنظر حرب الثلاثين عاما التي دمرت المانيا بين عامي: 1618. 1648. وهي الحرب المذهبية التي جرت بين الكاثوليك والبروتسانت واجتاحت البلاد والعباد.. وبالتالي فهابرماس يؤيد الحرب على القاعدة والطالبان وان كان يتألم جدا للخسائر التي تصيب المدنيين الأفغان. وهو ما يدعوه الأمريكان بالخسائر الجانبية الإجبارية. ونفس الشيء ينطبق على العراق.
ولكن هابرماس يدين في ذات الوقت العولمة الرأسمالية الغربية والأمريكية تحديدا لأنها كانت مربحة للغرب وغير ذات فائدة بالنسبة للعالم العربي أو الإسلامي ككل. ثم إنها استخدمت شعار حقوق الإنسان فقط من اجل الضغط على الآخرين لتسويق بضائعها بحرية في شتى أنحاء العالم. فمن لا يقبل بشروطها تتهمه بأنه ضد حقوق الإنسان وتشهّر به حتى يخاف ويتراجع ويستسلم لمطالبها. يضاف إلى ذلك أنها دمرت نمط الحياة التقليدية في العالم العربي دون أي مقابل تعويضي فجاءت التفجيرات الأصولية كرد فعل عنيف على ذلك. وبالتالي فالعولمة المتوحشة واللامساواة الناتجة عنها والتي حفرت هوة سحيقة بين الغرب وسواه مسؤولة عن تنامي الظاهرة الأصولية الإرهابية. يضاف إلى ذلك ان العالم العربي يشعر بالإهانة والإذلال بسبب فقدانه للمبادرة التاريخية منذ عدة قرون، ثم بسبب تفوق الغرب عليه علميا وصناعيا وثقافيا وتكنولوجيا وحضاريا..والأنكى من ذلك هو ان هذا الغرب يبدو لا أخلاقيا إلى حد كبير. بمعنى انه لا يبالي بآلام الآخرين وإنما فقط بمصالحه الشخصية والانتهازية. وبالتالي فإذا لم يغير سياسته وأنانيته وجشعه فانه لا يستطيع ان يزعم بأنه يشكل قوة حضارية كونية ذات نزعة إنسانية. هنا يكمن خلل كبير في الحضارة الغربية. نقول ذلك رغم جمال هذه الحضارة وكذلك جاذبيتها التي تستقطب المثقفين من شتى أنحاء العالم. وسؤال بوش الغبي مباشرة بعد 11 سبتمبر: لماذا يكرهوننا؟ لا معنى له. فإذا لم يتم ترويض الرأسمالية المتوحشة التي لم تعد لها قيود أو حدود فلا أعرف كيف يمكن ان نتحدث عن حضارة غربية. لا ريب في انها حضارة عملاقة تكنولوجيا ولكنها قزمة إنسانيا وأخلاقيا. فالآثار السلبية الناتجة عن العولمة الرأسمالية تؤدي إلى إفقار مناطق عديدة بل وحتى قارات بأسرها. وهنا يلتقي هابرماس ودريدا مع المفكر السويسري جان زيغلر الذي أدان “امبراطورية العار” والشنار لبوش حتى قبل الفضيحة المصرفية الأخيرة التي هزت العالم ولا تزال. وبالتالي فلا يمكن ان نلقي باللوم فقط على الأصولية الإسلامية. لا ريب أنّ هذه الأصولية ظلامية عمياء خاصة اذا ما اتخذت شكل القاعدة والطالبان ولكنها تدافع عن نفسها أمام زحف الحداثة التي تكتسح مجتمعات الإسلام من خلال العولمة. من هنا نفهم سبب رد الفعل الهائج للأصوليين. فهم يعلمون ان الحداثة سوف تستأصل عالمهم القديم الذي تعودوا عليه وألفوه لكي تحل محله عالما آخر جديدا. وهذا يعني موتهم لا أكثر ولا أقل. انه من وجهة نظرهم يعني موت الإيمان ، موت عالم الطهر والنقاء وحلول الكفر والانحطاط الأخلاقي والنساء والجنس وكل عالم الغرب محله. وهذا يعني ان الأصولية خائفة بقدر ما هي مخيفة. انها خائفة أن يحصل للإسلام ما حصل للمسيحية الاوروبية من تهميش بعد فصل علم اللاهوت المسيحي عن السياسة وتحول الدين إلى قضية شخصية تهم وعي الفرد فقط دون ان يكون ملزما لأحد. لم يعد الدين هو الذي يخلع المشروعية على النظام الاجتماعي أو السياسي في بلدان الغرب المتقدمة في حين انه لا يزال يلعب هذا الدور عندنا. الفرنسي من أقصى الشرق عندما يلتقي بالفرنسي من أقصى الغرب لا يسأله عن دينه أو عقيدته أو مذهبه.. فهذا شيء أصبح ثانويا بالنسبة له في حين انه كان أساسيا قبل قرنين أو قرن ونصف فقط. وبالتالي فرجال الدين المسلمون لا يريدون ان يفقدوا هيمنتهم كما فقدها كهنة المسيحية في اوروبا بعد مقاومة عنيفة انتهت بالاستسلام امام الحداثة وسحب السلطة من أيدي الكنيسة. هذا الشيء يرعب بن لادن والخميني والقرضاوي ومشائخ الشيعة والسنة وكل الحركات الأصولية ويخشونه أكثر من الموت. من هنا رد الفعل الهائج للأصوليين على الحداثة الغربية ومحاولتهم تدمير رموزها في الداخل والخارج على حد سواء. ولكنها معركة دونكيشوتية خاسرة سلفا. فبلدوزر التقدم والحداثة سوف يكتسح في طريقه كل شيء..
أتوقف هنا لحظة كي أرد على انتقادات نادر قريط وقبله كرم الحلو وسواهما لكتابي عن الانسداد التاريخي. فهما يعتقدان أني مبهور بالغرب بلا شروط واني ألقي باللائمة فقط على الأصولية وانعدام التنوير متناسيا كارثة فلسطين والعراق والامبريالية وإسرائيل وبقية المآسي… ولكن هذا ليس صحيحا على الإطلاق. فقد أدنت سياسة الغرب تجاه فلسطين مرارا وتكرارا على صفحات الشرق الأوسط والأوان وسواهما إلى درجة الإملال. كما وعرضت كتب جان زيغلر وريجيس دوبريه المنددة بالسياسة الغربية والاميركية على وجه الخصوص. والواقع انه لكي يكون التحليل متكاملا ينبغي ان يشمل العوامل الداخلية كما الخارجية. ولكنك قد لا تستطيع في نفس المقال ان تركز على كليهما معا فتُتّهم بالتحيز لهذه الجهة أو تلك. ولا أحد يستطيع ان يقرأ كل ما تكتبه دفعة واحدة فيبدو تحليلك للظاهرة ناقصا بطبيعة الحال.
وبالتالي فلست غافلا عن جرائم الغرب ولا عن لعبة الأمم القذرة كما يقول نادر قريط ولا عن إمبراطورية العار والشنار والعولمة اللاانسانية التي تجوّع نصف العالم كما يقول جان زيغلر. ولكن يا أيها السادة، التاريخ مليء بالهيجانات المسعورة والأشلاء والدماء كما يقول هيغل في فلسفته للتاريخ. وهي الفلسفة التي استخدمتها لفهم ما يجري في العراق وأفغانستان وكل العالم الإسلامي. أوروبا لم تصل شاطئ الأمان الا بعد ان دفعت الثمن باهضا. حروب نابليون استنزفت شباب فرنسا حتى لم يعد فيها رجال! هذا دون ان نتحدث عمن سقطوا في الجهة المضادة له على مسرح أوروبا كلها. ولكنه زرع بذور الحرية على الرغم من كل شيء. وهي بذور لم تمت بسقوطه في واترلو بعد ان تواطأت عليه كل العروش الأوروبية الرجعية الإقطاعية وأطاحت به. راحت فكرة الحرية تشق طريقها حتى انتصرت في النهاية وقضت على هذه العروش بالذات. وبالتالي فالفوضى الخلاقة التي نتجت عن مغامراته العسكرية انجلت في نهاية المطاف عن نظام الحداثة الجديد ودولة القانون والمؤسسات. وأصبح القانون المدني لنابليون قانون أوروبا كلها بعد ان حل محل الشريعة المسيحية أو القانون الإلهي المقدس للكهنوت..صحيح ان ثمن ذلك كان باهضا ولكن النتيجة كانت على مستوى التضحيات. النتيجة كانت كل هذه الحضارة التي نشهدها اليوم في بلدان الاتحاد الأوروبي: جنة الحداثة على وجه الأرض أو حتى ما بعد الحداثة. ألا نحسدهم عليها؟ ألا أتمنى أن أغمض عيني ثم أفتحها فأرى سوريا وكأنها قد أصبحت بلجيكا من حيث التطور الحضاري أو هولندا؟ وبالتالي فمن يريد أن يصل إلى نتيجة ينبغي أن يدفع الثمن. الحضارات لا تصنع دون أشلاء ودموع وقتلى وجرحى بالألوف المؤلفة. هذه هي فلسفة التاريخ التي أتبناها، التي أقرأ على ضوئها ما يحصل حاليا في العالم العربي. أتوني بأفضل منها لكي أتخلى عنها فورا..التاريخ تراجيدي في جوهره وعمقه أو قل إن التراجيديا تشكل جزءا لا يتجزأ منه. ينبغي ان نستوعب ذلك. الضحايا التي سقطت في العراق وفلسطين ولبنان والجزائر إبان السنوات العشر السوداء، الضحايا التي لا تزال تتساقط في كل أرجاء العالم العربي والإسلامي هي بدمائها زيت المصابيح التي تضيء لنا زوايا النفق المظلم الذي قد نخرج منه يوما ما..
في الكتاب القيم المذكور آنفا عن الفلسفة في “زمن الإرهاب” نلاحظ ان كلا من هابرماس ودريدا يركزان على جميع الأسباب التي أدت إلى انفجار الإرهاب الأصوليّ بمثل هذه القوة والفرقعة. وهي أسباب داخلية وخارجية متضافرة. المسؤولية ليست فقط على الخارج كما تزعم الايدولوجيا العربية الديماغوجية المسيطرة. وكنت قد أدنت سكوت المثقفين العرب أو قسم كبير منهم عن الأسباب الداخلية وتركيزهم على الخارجية فقط. ورأيت في ذلك اختلالا في التوازن وامتثالية فكرية تعبنا منها. ما هي هذه الأسباب التي أدت إلى انفجار الظاهرة الأصولية بعد السبعينات من القرن الماضي؟ هناك اولا عدم المرور بالمرحلة التنويرية بالنسبة للعالم العربي والإسلامي وذلك على عكس اوروبا. لا أحد يستطيع ان يقنعني ان القاهرة أو الرياض أو كراتشي أو اسلام آباد أو الجزائر أو دمشق الخ..مستنيرة مثل باريس وروما ونيويورك وبرلين ولندن الخ..ما أقوله هنا لا استطيع ان أقوله هناك بل ولا ان اوشوش به همسا.. وهناك ثانيا مرحلة الاستعمار التي دامت طيلة قرن ونصف. وهناك ثالثا الفقر المدقع المهين لانسانية الإنسان والذي يصيب شرائح واسعة من السكان. وهناك رابعا قصة إسرائيل والضغط الكابوسي الناتج عنها على مدار ستين سنة والذي نتمنى لو ينتهي قريبا أو يخف نسبيا لكي تنطلق النهضة العربية من جديد. إنا هنا من دعاة تغيير أسلوب الصراع معها لكي يصبح حضاريا وسياسيا وليس عسكريا كما كان عليه الحال في السابق. لا أعتقد بإمكانية الحسم العسكري الذي جربناه مرارا وتكرارا دون أي نتيجة. ثم ان الزمن قد تجاوزه. فالعالم كله مع وجودها. وعندما يجمع العالم بأسره على شيء حتى ولو كان ظالما أو باطلا فانه يتحول إلى حقيقة موضوعية لا حيلة لنا بها. وإذن فالمستقبل هو للتنافس الحضاري بين العرب واليهود: إما أن نلحق بهم علميا وتكنولوجيا وثقافيا وديمقراطيا واقتصاديا ومستوى معيشة وإما نفشل في المنافسة الحضارية وينتهي أمرنا إلى الأبد. وإذا ما استطعنا تشكيل حضارة عربية تمتد من المشرق إلى المغرب فان مشكلة إسرائيل سوف تنحل من تلقاء ذاتها. هذا هو موقفي استعرضه هنا بسرعة شديدة. للاسف فان هابرماس لا يستطيع ان يتناول مسألة الصراع العربي الإسرائيلي بشكل صحيح ومتوازن وعادل بسبب المحرقة ونظرا لكونه مثقفا المانيا. دريدا يستطيع ان ينتقد إسرائيل بل ويدين عدوانها على الفلسطينيين لانه يهودي على عكس هابرماس. وهناك خامسا فشل أنظمة ما بعد الاستقلال في تحقيق التنمية والتطور. فهذا أيضا ساهم في تنامي الأصولية وطرح نفسها كبديل. هذا بالإضافة إلى إفلاس الإيديولوجيات الحديثة التي فقدت مصداقيتها فحل الدين محلها كعقيدة راسخة الجذور في الوعي الجمعي وذات مصداقية.
هناك نقطة أخرى أساسية: وهي أن ما عاشته أوروبا خلال ثلاثة قرون وهضمته بشكل تدريجي مرحلة بعد مرحلة يعيشه العالم العربي الإسلامي بشكل متسارع إلى حد الذهول. فمطلوب منه ان يصبح ديمقراطيا ويحترم حقوق الإنسان ويقضي على التعصب الطائفي والاستبداد السياسي خلال عشرين أو ثلاثين سنة فقط! وهذا مستحيل. ينبغي ان يفهم الغرب الحقيقة التالية ويكف عن وضع شروط تعجيزية علينا: العالم الإسلامي لا يستطيع بين عشية وضحاها ان ينتقل من الموقف التقليدي الأصوليّ السلفي لفهم الدين إلى الموقف الحديث العقلاني المستنير..بمعنى آخر فانه لا يستطيع التخلي عن اعتقاده بامتلاك الحقيقة الإلهية المطلقة من دون بقية الأديان. كل الأديان تعتقد بذلك وليس فقط الإسلام. ولكن المسيحية الغربية تخلت عن هذا الوهم الجبار تحت ضغط الحداثة العلمية والفلسفية الصاعدة بشكل متواصل منذ القرن السادس عشر. لم تقبل المسيحية الأوروبية بالتعددية العقائدية والدينية في المجتمع ولا بالنظام العلماني وفلسفة التنوير إلا على مضض وبعد مقاومات شرسة خلدتها كتب التاريخ. إنها لم تقبل بذلك عن طيبة خاطر وإنما بعد صراعات مريرة ونزيف داخلي حاد. وقل الأمر ذاته عن النظريات العلمية. فلم يخطر على بالهم أن يعيدوا الاعتبار إلى المسكين داروين إلا مؤخرا بعد ان كفروه وشرشحوه ولعنوه طيلة مائة وخمسين سنة…هذا هو التاريخ أيها السادة: انه لا يتقدم إلا عن طريق العناد والصراع والجدل الحامي والأخذ والرد..ولكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح..
وبالتالي فمشكلة الدين قصة صعبة أيها الإخوان بل إنها أصعب القصص وأكثرها حساسية. ينبغي العلم بان نفس أعراض الأزمة المتشنجة الهائلة التي يعاني منها الإسلام حاليا كانت المسيحية قد عانت منها طيلة القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. باختصار: فان حركة التاريخ التي حلم بها هيغل وأدت إلى انتصار حكم القانون والحرية والعقل في أوروبا سوف تنتصر أيضا في العالم العربي يوما ما وان طال الزمن. ولن يكون للفكر من معنى ولن يستحق ساعة عناء واحدة إن لم يمش في هذا الاتجاه ويدلنا على درب النور والحقيقة.
