في حقيبتي سترة واقية من النوستالجيا
السبل متقاطعة الى حلم النجاة، وحده شاي الساعة الخامسة يأخذني إليك بلا خرائط في مدى المجازفات..
سادة الموت يتناسلون بين أضلاع المدينة الزائلة، وأنا أتّخذ الحكي سترة مدرّعة ضدّ الرّصاص، أروي صحبة الشاي أساطير بلغة هجينة : أكدية وعربية مع سريانية وسومرية مع آرامية وأرتّلها على مسامعك لعلّنا نغفل برهة عن سماع حداء الفاتكين، يردّدون أهازيج القتل برمّانات وسيوف وكاميرات وأقنعة وبلاغات .
قبل انحسار الغسق أقيم رواق الشاي في ا للامكان، يوتوبيا مضادّة ليوتوبيات الفارابي وتوماس مور، يوتوبيا تدحض كل ما سبق وتُعلي شأن حاضر حيّ في اللحظة النضرة، ليتفتح فيها حبّ رجيم فوق أنقاض الأيدلوجيا ت وأطياف التاريخ وأشباح المستبدّين..
أقيم جوسقا من خشب الورد تترامى حوله أستار زخارفها أقحوان بابليّ وأشجار سرو آشوري وغزلان وطواويس هندية وفيلة بيضاء وتنانين طائرة وأشباح ملائكة هي شياطين عاطلة، حُكم عليها باستحالة الجسد من النار الى الهواء، لتعزف موسيقاها في ليلة الوصال المقدّس..
الرواق مجتاح بعصف ريح راديكالية وأمطار من غاز السارين، مهلا، لا تقترب ولا تنأَ عنّي، لا تقتحم الرّواق ولا تغادرني: إتخذ ممرّ العشق فلك نجاةٍ بين الوقت والذاكرة، واقطف شارة الاستحالة، تجدني عند شجيرات الغاردينيا أنوء ببياضها وعطرها يتقمّص أصابعي فتتّقد مصابيح الكلام بين خرس المخاوف وانهمار الرغبة..
2
ولا أحد يعلم متى أبدعها الحرفيون المجهولون وهم يدجنون الغرانق رسوما على الأكواب الرقيقة ويطلقون شهوات الكافيار الأسود من أسماك قزوين على أطباقها المنقطة..
كلّ مافي الحياة محظور علينا وممنوعة عنّا الحياة..
3
إنما كان هناك مشيّعون ضجرون يحثّون الخطى نحو النهاية ويلقون قبضة تراب
على صمتي ويتبادلون الهمس عن تاريخي القادم الذي سيدوّنه كل منهم كما يراه
وكما يتمنى أن يصير اليه قدري بعد مماتي..
شاي الساعة الخامسة معهم لم يكن أبدا غير خدعة نصّ أو وهم قصّ..
أما شاي ساعتنا الخامسة فهو مترع بالحقائق، أصنعه من ندى الفجر على أوراق اللوتس وبراعم شاي الجبل المطلّ على بحيرة القمر..
هو شاي لم تتذوّق له نظيرا إلا في حلم ملكيّ أو معراج إلى رؤيا مشتهاة ..
البراعم الصغيرة المترعة بنسغ الحياة، مشبعة بعبير الأوركيد وشذى الهيل
ما أن أُلقيها في مياه الندى حتى تتفتح نجوما غامضة في الأباريق وتمازج النور بالشذى ولذع المرارة برحيق الالهة ..
شاي فريد ما صنعه أحد قبل أن ابتكره لساعتنا الخامسة بين رقصات الغجر السيغان والغناء الشجيّ لأصواتهم المجروحة بضلال الحرية العظيم.. ..
أهتفُ بك من وراء سبعة بلدان : انتظرني لا تخادعك المصائر وتمضِ بك الى متاهة وحدائق من توت العليق والقراص والنحل البريّ انتظرني أو اتبع خطاي .
إليك البرق شارة هروبي، إليك الشذى سرّ اكتمال النجاة ونحن بين شاطيء الدانوب ومخيّم الغجر المتلأليء في عتمات الغابة والمستنقعات الغدقة الممتدة إزاء البحر..
.. تذوق القدح الأول : ستهلّ عليك الحكاية وتنسف بها تاريخ الأقفال ورعب الحرب مع ترتيلات الراقص السيغاني الثمل ..
الثاني اِرتشفه من يديّ متمهّلا بين برهة صمت ونغمة موصولة الصداح فيزول عنك غبار المدن الضريرة وفداحة الأوطان الهالكة..
قبل أن أقدّم لك ثالث الأقداح سيتدفّق في النسيم نغم من أنغام جلال الدين الرومي فيتوقّد الذهنُ بالأعاجيب..
وما أن تنهي اِرتشاف القدح الرابع حتى يتبدّد الكدرُ ويتراءى عرقا متلامعا فوق جبينك ..
.قدحك الخامس مع قضمة من حلوى العسل واللوز يغمر الجسد برخاء المتع..
أما السادس فإنّه يحوّل العناصر إلى رغوة نور ويخفّ الجسد حتى ليصبح وهجة لهب وموسيقى..
وعند ارتشافك القدح السابع ستحلّق بين نجمة المساء وأرجوحة القمر وتغمرك نشوات الحبّ حتى انبهار الأنفاس ..
4
تلقي إلينا بالمجاذيف ومرادي الصفصاف وتدعونا الى حانة الآلهة على البحر ..
تعلمنا صاحبة الحانة حكمتها العتيقة وتنشد بصوتها البحري:
كل صباح أنسى ما مـّـر
وأنتظر الآتي..
يتناءى صوتها وهي تدعو العابرين الى نظرتها الأبيقورية في تأويل المتع .
يحتسي شغيلة الألهة من الأنوناكي شاي الساعة التي تسبق الغسق ليغادروا كدح النهار واِستعباد الآلهة لهم ..
أأطلب شايا وتخدعني المواعيد ويؤخّر فراري تحقيق ضابط المطار الأشقر..
أفيق ثانية من حلم الهروب ومقترحات خارطة الرحيل بين الدول والمطارات ..
