وصفة لطبق رمضان – منهل السرّاج
ذهب أولا مع الكاميرا التي لا يُحسّ بوجودها. انتقى الخضار واللّحمة من أماكن بيعها الطازجة، وهي عادة ساحة في وسط ستوكهولم تدعى ساحة العلف، كانت في السابق لبيع لوازم المواشي وتحوّلت بعد ذلك لأكثر مكان في ستوكهولم حيوية، حافظوا على اسم الساحة القديم لأنّهم يحبّون المواشي ويحترمونها كما الإنسان.
في الساحة المكشوفة تنتصب خيام بائعي الخضار والفاكهة وأشياء أخرى. وتحت الأرض يوجد مطاعم تعدّ فيها أصناف طعام من كل أنحاء العالم. كلّها طازجة وشهية، يتهيّأ لمن يتنقّل بينها أنّ روائح الطعام تتعارك لتثبت هويتها، فالمكان مزدحم وأصحاب المحلّات يتبارون في جذب الزبون حتى وإن لم يكن جائعاً.
وضع صندوق مشترياته الكرتوني، ثم لفّ خصره بمريول طويل عريض، ليس الهدف منه إقناعك أنت المشاهد بنظافة طباخك كما يلجأ عادة طهاة برامج الطبخ إنّما الهدف منه هو أن يجفّف يديه طوال وقت إعداد الأطباق، منشفة متنقلة بمتناول يده..
تداعى إلى الذاكرة هموم سيدات البيوت في البلد، حين كانت تتنقل شائعة بين نسوة الحارة، أنّ الخضار تسقى بماء المجاري، فيسقط الغمّ عليهنّ جميعاً، لأنّ تنظيف الغبار مقدور عليه، ولكنّ ماء المجاري في الخضار! يعني صحن التبولة مطعّم، على قول إحداهن: الله وحده يعلم خراء أيّ ضيعة، نأكل الآن.
تشتري النساء المعقمات بأنواعها. يرتدين المريول الأبيض، وينقعن كل الخضار منذ الصباح وتبقى منقوعة حتى المساء. تُفرم عدّة التبولة وقد خُلّصَت من شوائبها ومنافعها. فيصبح صحن التبولة بدون طعم، الّلهمّ إلاّ بقايا رائحة الديتول شديد السطوة.
مكث في إعداد “الصوص” نصف ساعة كاملة. نظرت في صحن الطعام أمامي، فوجدت لونين لاغير، الطبخة التي أُعدّها يومياً، ” احمسي اللحمة ودبّي الخضرة المفرومة فوقها ” وانتهى الأمر.
راح يتحدث عن الخيل ويدلق قنينة من النبيذ فوق اللحم، تمسك أنفاسك أنت المشاهد وتظنّ أنّ الأحمق قد خرب طبخة اليوم وهو شارد في البراري، ولكن يتّضح أنه لم يكن شارداً وهذه الطريقة هي الطريقة المثلى في دلق النبيذ، لأنّه بعد ذلك راح يرش البهار بطريقة منتظمة ويحدق في الكاميرا ليوصيك أنه في تلك اللحظة بالذات عليك أن لا تنظر في الطعام لأن عينك ستفسده..
ظننت أن مبدأ عمله عدم مراعاة المقادير ولكن وبعد حين، أمسك برتقالة وقشرها بتأنّ شديد بمقدار ثلاثة سنتيمترات طولا ومثلها عرضاً، فرمها فوق ما لا أدري .. ثم قطّع تفاحة وحشرها في الفرامة لتفرم مع اللحم.. وبعدها أمسك الهاون وهو من الرخام وانهمك يهرس قطعا من البهار الله وحده يعلم ما هذه، ورشها بتأنّ شديد وكأنه قرأ عليها آية الكرسي. أتى زواره ليأكلوا لا ليتذوقوا، والزوار طفلة في الثالثة عشرة وامرأة في الخمسينات ورجل في الستينات وشاب في الثلاثينات، يعني أناس عاديون ليوم عادي أتوا ليأكلوا ويعلّقوا على الطعام من دون تكلّف أو تمثيل. وانتهت الحلقة بأن قام الغجري عن كرسيه، رفع كأسه الأنيق وشكرهم بأنهم تكرموا اليوم وقبلوا دعوته.
اتصلت بعائلة تحرص على عيش طقس رمضان في ستوكهولم ومازلت حتى الآن لا أفهم كيف يحدّدون الغروب من الشروق، إذا كان رمضان يأتي في كل الفصول، والسويد إما شتاء بليل شبه كامل أو صيف بنهار شبه كامل، يعني زمن الصوم في الشتاء يجب، حسب الشمس، أن يكون بين التاسعة صباحاً حتى الثانية ظهراً وفي شمال السويد ليس أكثر من ساعتين وأحياناً أقلّ. أمّا في الصيف فقد يصل طول الصوم أيضاً حسب قانون الصوم الشمسي، إلى ثلاث وعشرين ساعة، لا يلحق الصائم أن يفطر إلاّ عليه أن يتسحر ليبدأ صومه لأنّ الشمس تغرب في الثانية عشرة ليلاً وتسطع في الواحدة صباحاً.
المهم باركت لها برمضان العام وأشرت عليها أن تتابع البرنامج وتعدّ طبق الإفطار بوصفة اليوم.
بقي أن تسأل الشيخ إن كان يجوز دلق كلّ هذا النبيذ مع كلّ صنف!.
