مقتطف من كتاب الفَكَهُ في الإسلام لليلى العبيدي

الفكه في الثَّقافة العربيّة الإسلاميّة:

إنّ النَّاظر في الكتب لا يتحرّج من القول إنّ الثَّقافة العربيّة الإسلاميّة كانت أكثر الثقافات ولعا بالفَكَهِ. لقد ظهر فيها على مرّ العصور في صور مختلفة وعبّرت عنه بمفردات متنوّعة مثل ” الهزل والمزاح والبطالة[…] وهي مفردات تجريها المعاجم على الترادف رغم بعض الفوارق الّتي يشير إليها الأصل اللّغوي وكلّها تعني اللّهو والدعابة وأخذ الأمور من جانبها الميسور العابث”. ولم ينرك الفكه مجالا من مجالات الثَّقافة العربيّة الإسلاميّة إلّا ولجه. فهو موجود في الشّعر والنَّثر والمقامة، لا يكاد يخلو منه جنس من أجناس الأدب ولا غرض من أغراض الثَّقافة، حيث يتشكّل قصصا تروى عن البخلاء، ونوادر في الحمقى والمغفّلين، وأخبارا في سير الأوّلين، وبدعا افتراها رجال الدّين والمتفقهون، ورواية يرويها راوٍ عن أعرابي “كلّما كان الأعرابي أكذب في شعره كان أطرف عنده، وصارت روايته أغلب، ومضاحيك حديثه أكثر”.

لقد شاع الفَكَهُ في كلّ هذه الفنون، وشاع في كلّ هذه الأغراض. والشَّيء إذا شاع في النّاس وجد أنصارا مؤيّدين ومحبّين به مولعين، ووجد أعداء ألدّاء قاموا له بالمرصاد ومناهضين جنّدوا أنفسهم لمحاربته ومحاربة أتباعه. لذلك كان مبجّلا هنا منبوذا هناك. وكان متعة ومؤانسة ودعارة وفسادا هناك. وكان فنًّا من فنون القول وتجميل الكلام هنا وفعل شيطان رجيم أوجنّ كافر هناك. في ظلّ هذه الثُّنائيات أينع الفَكَهُ حتّى بات من الصَّعب اقتفاء أثاره إقتفاء تامًّا.

المصدر:

الفَكَهُ في الإسلام: ليلى العبيدي، دار ساقي،بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 2010، ص ص42-43.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This