سعادة المفرد، أو في طرافة القول الإيتيقي الباجوي 1/2

 

 

 لابن باجة موقع شديد الأهمية في تاريخ الفلسفة العربية. فهو  – بشهادة فلاسفة  جاؤوا بعده مثل ابن طفيل وابن رشد – أوّل من مارس التأليف الفلسفيّ في بلاد المغرب والأندلس. أي إنه، سواء بالنسبة للقائلين بوجود تواصلية بين فلاسفة المشرق وفلاسفة المغرب أو بالنسبة للقائلين بقطيعة بينهما، يمثل لحظة لا بدّ من التوقّف عندها.

 

فبالنسبة القائلين بالتواصل يمثل ابن باجة “همزة الوصل” بين الفيلسوفين الأهم في كل من المشرق والمغرب: الفارابي من جهة وابن رشد من جهة ثانية. أما  القائلون بالقطيعة بين فلسفة مشرقية اعتمدت الفيض قاعدة نظرية وجعلت التوفيق (بين الفلسفة والدين) هدفا “إيديولوجيا”، وبين فلسفة مغربية “علمانية” تفصل بين الدين والفلسفة وتربط هذه الأخيرة بالعلم بحيث تكون في الوقت ذاته عقلانية ومتحررة، فإنّ ابن باجة يمثل لحظة التحوّل الجذريّ في تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية. وهو التحوّل الذي سيعمّقه (حسب هذه القراءة التي نجدها أساسا عند محمد عابد الجابري) ابن طفيل قبل أن يعرف أوجه مع ابن رشد.

 

 

غير أنّ النظر إلى فلسفة ابن باجة من هذه الزاوية التاريخية من شأنه إذا ما تمّ الاقتصار عليه أن يوقعنا في ضرب من الاختزال وأن يمنعنا من التنبّه إلى طرافة الأسئلة التي طرحها، لا فقط مقارنة بالفلاسفة العرب الذين سبقوه أو جاؤوا بعده، بل كذلك بالنسبة للخطاب المرجعيّ الأساسيّ في العصور الوسطى أي الفلسفة الإغريقية عموما وفلسفة أرسطو على وجه التخصيص. تلك الطرافة التي يعبّر عنها روزنتال في الفكر السياسيّ الإسلاميّ الوسيط (كمبردج 1962) بـ “المنعرج الفردانيّ” في الفلسفة السياسية لدى الإسلاميين والتي يعبّر عنها عنوان الرسالة الأساسية من رسائل ابن باجة “الإلهية” أي “تدبير المتوحّد” وهو عنوان لا يوجد له شبيه ولا نظير ضمن كتابات القدامى الفلسفية برمتها.  ويؤكّد ابن باجة نفسه، وفي مواضع عدّة من رسائله، على هذه الجدّة التي تسم الموضوع الذي شغله. ففي “رسالة الوداع” الموجّهة إلى تلميذه وصديقه الوزير الحسن ابن الإمام نجده يعلن: “وأوكد من هذا وأشده وجوبا عليَ وأشهاه إليَ إعلامك بأجلَ الأمور التي وقفت عليها، وهي صفة الغاية التي ينتهي الطبع بالسلوك إليها فقد أطال الوصف فيها من تقدمني” (رسائل ابن باجة الإلهية، دار النهار، بيروت 1968). ويضيف بعد ذلك مباشرة أنه لم يجد في مختلف ما اطّلع عليه من كتابات الفارابي نظرا في هذه المسألة. أما بالنسبة لأرسطو فإنّه تطرّق إلى الموضوع في المقالة الأخيرة من “نيقوماخيا” لكن قوله فيها كان حسب ابن باجة شديد الاقتضاب وغير موف بالحاجة.

 

ونحن إنما نريد هنا أن نبحث في نوع المسألة التي انشغل بها ابن باجة وفي أوجه الجدّة والطرافة التي تسم مقاربته لها. في “تدبير المتوحّد” وبعد أن يعدّد أصناف التدبير الذي يعرَفه على أنه “ترتيب أفعال نحو غاية مقصودة” (ص37)، يشير ابن باجة إلى أنّ المعنى الأصليّ للتدبير هو التدبير المدنيّ الذي تختصّ بالنظر فيه الفلسفة المدنية. لكنه يعلن امتناعه عن النظر فيه اعتبارا لكون أفلاطون قد استوفى القول فيه وأحكمه. وعليه يتحدّد خطاب ابن باجة على أنه قول في “النابت المفرد” (ص43)، “وهو كيف ينال السعادة إذا لم تكن موجودة” (نفس المصدر). ويتّخذ هذا الخطاب طابعا “علاجيا” اعتبارا لكون الإنسان الفاضل الذي وجد في مدينة فاسدة “قد لحقه أمر خارج عن الطبع” (نفسه) لأنّ وجود المدينة الفاسدة نفسه أمر خارج عن الطبع.

 

المطلوب إذن، مطلوب ابن باجة طبعا، هو تسطير المنهاج الذي ينبغي على”النابت” أو “المتوحّد” السير عليه حتى “ينال السعادة الذاتية به” (نفسه، ص47) أي حتّى يحمي نفسه من الفساد المستشري في واقعه. لكنّ هذا المبحث يطرح إشكالا خطيرا لا يجعله  جديدا فقط  بالنسبة لما ألَّف في مجال الأخلاق بل كذلك خطابا معضليا يقوم على مفارقة فريدة من نوعها: فمن ناحية يعي ابن باجة جيّدا أنّ موضوعا ما لا يكون علميا إلا إذا ما اتسم بالكلية والضرورة (حسب التحديد الأرسطي)، ومن ناحية ثانية يقدم على تناول موضوع تعوزه هاتان الخاصيتان، فالمدينة الفاضلة تمثل الشرط “الأنطولوجي” لسعادة الفرد والشرط “الابستيمولوجي” لعلمية الخطاب المتعلَق به. وهذا الشرط، حسب ما يوحي به قول ابن باجة، ليس غائبا بل هو ممتنع أصلا انطلاقا من الفساد الذي استفحل في مدن زمانه.

 

هذه المعضلة التي يمكن أن نتبين من خلال تعميقها وجود نوع من النزعة الإنسانية لدى ابن باجة تمثل في تقديرنا مظهر الجدة الأساسيّ في تعامله مع المسألة الأخلاقية حيث

يقوم قول ابن باجة على وعي حاد بخصوصية “الوضع الإنساني” من جهة ما هو فرد لكن دون التغافل عن شرط علمية ذلك القول الذي يفضي إلى التنظير لنوع جديد من المدن وهي “المدينة الكلية” أو “مدينة العقل” الموجودة خارج حدود الزمان والمكان والتي يلتقي فيها السعداء الذين يدركونها باكتساب العلم النظريّ بما هو شرط تخلصهم من شقاء المدن التي يقيمون فيها بأجسادهم ويجدون أنفسهم مجبرين على التعاطي معها في حدود معينة هي الضرورات أو الحاجات.
يقتضي توضح أوجه هذه المعضلة إذن تبيَن تصور ابن باجة للسعادة الإنسانية في مفهومها العام انطلاقا من تحديدها بحسب غاياتها التي ترتب نحوها، ومن جهة ثانية كيف يرتب ابن باجة قوله في “المفرد” و “المتوحّد” على غياب من نوع فريد هو غياب المدينة الفاضلة (واقعا وإمكانا واقعيا) مما يؤدي إلى التنظير لنوع من الهجرة تتحقق للمفرد من خلالها سعادة من نوع خاص تلتقي في بعض أوجهها مع تلك التي يطلبها المتصوفة ولكنها تختلف عنها جذريا من جهة كيفية تحديد الغاية كما من جهة كيفية الوصول إليها.

                  1 – “الوضع الإنساني”

يلحّ ابن باجة في مواضع عدة من رسائله الإلهية لا سيما في “تدبير المتوحّد”على أن موضوع اهتمامه الأساسيّ، بل الأوحد، هو الإنسان. “وقصدنا فيما نحن في الأمور التي تنسب إلى الإنسان” (ص71). وفي “رسالة الوداع” التي أرادها خلاصة لتأملاته الفلسفية يعلن أن غرضه هو بيان “صفة الغاية التي ينتهي الطبع بالسلوك إليها” (ص114). ويمثل الوقوف على هذه الغاية تبيَنا للشروط التي بها تتحقق للإنسان السعادة، أي يتحقق له بها السمو بذاته إلى أرفع المراتب التي تؤهله لإدراكها طبيعته.

ولتحقيق هذا المطلب لا بد من تحديد منزلة الإنسان في الوجود من حيث تركيبته وأصناف الفعل التي تنسب إليه وما يترتب عنها من فضائل بحسب محركاتها وغاياتها. لهذا تتضافر في الخطاب الباجوي المضامين المعرفية المختلفة (علم النفس، المنطق، ما بعد الطبيعة، الأخلاق) لتصبّ كلها في الغاية القصوى: رسم ملامح “الإنسان السعيد” باعتباره مقدمة ضرورية لطرح الإشكالية الباجوية بامتياز: تحديد شروط سعادة “المفرد” بما هو كائن معضليّ في وجوده كما في القول المتعلَق به.

1. 1- منزلة الإنسان في الوجود

يحتل الإنسان موقعا شديد الخصوصية في سلَم الوجود، فهو يجمع في ذاته خصائص ومكونات يشترك فيها مع أسمى أجزاء الوجود (الإله والأجسام المستديرة) وأخرى تشده إلى أدنى مراتب الكون (الأسطقسَات أي العناصر الأوَلية التي تؤول إليها المادة). ويمثل الوعي بهذه الخصوصية المنطلق الضروري لكل نظر فلسفي لا فقط في الإنسان وإنما كذلك في الطبيعة والوجود بشكل عام. ذلك أن الإنسان، واعتبارا لهذه الخصوصية تحديدا، يمثل «”مفتاح الكون”. يقول ابن باجة “وقد ينشأ موضوع تعجب واعتبار يثير عويصا شديدا، وذلك أن طبيعة الإنسان هي، فيما يظهر كالواسطة بين تلك (الموجودات) السرمدية وهذه الكائنة الفاسدة، والأمر في الإنسان على المجرى الطبيعي فإن الطبيعة لم تنتقل من جنس إلى جنس إلا بتوسط، كما تجد في أجناس جواهر الموجودات” (ص30)

 

تتميز الموجودات السرمدية بكونها “موضوعات المعقولات التي هي بما هي عليه” (نفسه) فهي ليست موادّ لصور ولا صورا لموادّ هي غيرها. فالمادة والصورة فيها منصهرتان انصهارا تاما بحيث تكون في الوقت ذاته “عاقلا” و”معقولا”. أما الموجودات الكائنة الفاسدة أو “الهيولانية” فهي مادة وصورة متلبسة بالمادة وقابلة لأن تجرَد عنها وإن كان لا وجود لها بالفعل إلا فيها. وبين هذين الطرفين مراتب متعددة يشتمل الإنسان عليها جميعها ولكنه يكون مع ذلك «واحدا» وقادرا على «التوحد» بما هو اتصال بالمطلق، وعلى “الاتحاد” بهذا المطلق بما هو السعادة الإنسانية القصوى. لكن ما هي هذه المراتب وما درجات حضورها في الإنسان من جهة تركيبته “الطبيعية” ومن جهة الأفعال التي تكون عنه؟ عن هذا السؤال المزدوج يجيب ابن باجة في المقالتين الثانية والثالثة من “التدبير” إذ يحدّد فيهما على التوالي طبيعة “الأفعال الإنسانية” بحسب القوى التي تستعمل في القيام بها، وأصناف “الصور الروحانية” التي تتحدد بفعلها غايات تلك الأفعال ودرجات “إنسانيتها”.

 

 

يتراوح الإنسان في أفعاله بين الاضطرار الصرف والاختيار الصرف، ذلك أنه في تركيبته الجسمية والنفسية والعقلية يتضمن عناصر ومكونات مختلفة يشترك في بعضها مع أدنى الموجودات الطبيعية وينفرد ببعضها الآخر ليرتقي إلى ما هو مطلق وأزليّ. فالجسم الإنسانيّ يتركب من “أسطقسات” وتلحقه بالتالي، مثلما تلحق باقي الجمادات، مجموعة من التغيرات التي لا دخل له فيها بالمرة وتلك هي “الأفعال الجمادية” الاضطرارية مثل السقوط والاحتراق. كما أن للإنسان مجموعة من الخصائص وبالتالي من الأنشطة والأفعال التي من جهة نفسه “النباتية” أي التي تنسب إليه باعتباره كائنا حيا، فهو يتغذى وينمو ويتناسل. هذه “الأفعال النباتية” اضطرارية بدورها لأنها “في ذاتها” خلو من كل أثر للفكر أو القوة الناطقة في الإنسان بما هي منشأ كل اختيار. غير أن الأفعال النباتية تختلف عن الجمادية من حيث أنه يمكن أن يكون للناطقة (العقل) أي للاختيار فيها مدخل. ويقدم ابن باجة مثالا على ذلك في عملية الإنجاب “فالاختيار إذا أدى إليها، وهو إلقاء البذر في أنثى تولده، فهذا فعل اختياريّ” (ص59) لكن الطبيعة (أي البدن) هي التي تقوم بباقي العملية.

 

 

إضافة إلى هذين المكونين، يتركب الإنسان من نفس بهيمية ومن نفس ناطقة. غير أن التمييز بين الأفعال “البهيمية” والأفعال “الإنسانية” لا يتم بذات اليسر الذي نميز به البهيميّ والإنسانيّ من جهة وبين الاسطقسي والنباتي من جهة ثانية، ذلك أنّ الإنسان والبهيمة يدخلان معا ضمن مفهوم عام هو الإدراك الذي تقابله الطبيعة التي يدخل ضمنها المكونان الأولان.

 

يشترك الإنسان مع الحيوان في الوظائف الإدراكية الحسية والتخيلية والأفعال المرتبطة بهذه الوظائف مثل الخوف والغضب والتجنب وكلها أفعال اضطرارية لكن فيها درجة معينة من الاختيار لأنها “من تلقائنا” أما ما يختص به الإنسان دونا عن سائر الموجودات الأخرى فهو “القوة الفكرية” التي تكون الأفعال الصادرة عنها اختيارية محضة “وكل ما يوجد للإنسان بالطبع ويختصّ به من الأفعال فهي باختيار وكلّ فعل يوجد للإنسان باختيار فلا يوجد لغيره من الأجسام” (ص46). هناك إذن معادلة منطقية بين قولنا عن فعل ما أنه باختيار وبين وصفنا إياه بأنه إنسانيّ وبين نسبته إلى القوة الفكرية في الإنسان.

 

لكنّ المشكل الذي يطرح هنا يتعلق بتلك الأفعال التي يشترك فيها البهيميّ في الإنسان مع الإنسانيّ الصرف فيه، أي الفكر. فالقوة الفكرية في نهوضها إلى أفعالها الخاصة يمكن أن تستدعي القوى الحيوانية في الإنسان باعتبارها أدواتها أو “خوادمها”. لكن النفس البهيمية تحتاج بدورها إلى الفكر في قيامها بأفعالها فنجد أنفسنا أمام أفعال لا نستطيع لأول وهلة تبين ما إذا كانت إنسانية أم بهيمية. لهذا يستدعي ابن باجة مفهومي الجوهر والعرض في عملية التمييز. نفس الفعل يمكن أن يكون إنسانيا بالجوهر بهيميا بالعرض أو العكس. “مثال ذلك أن آكلا أكل القراسيا لتشهَيه إياه فاتفق له عن ذلك أن لان بطنه، وقد كان محتاجا إليه فإن ذلك فعل بهيميّ، وهو فعل إنسانيّ بالعرض، وإن أكله المتعقل الطبع لا لتشهيه إياه بل لتليين بطنه واتفق أن كان شهيا عنده، فإن ذلك فعل إنسانيّ، وهو بهيميّ بالعرض” (ص31).

 

 

من هذا التصنيف للأفعال بحسب القوى التي تصدر عنها والتي يتضمن كل منها سابقه ويتجاوزه، يخلص ابن باجة إلى ضرورة تحديد الأفعال الإنسانية ومراتبها بحسب الغايات التي تتم نحوها، هذه الغايات تتحدد بحسب “الصور الروحانية” التي يتحرك نحوها الإنسان في مختلف أفعاله، ويعرف الروح على أنه النفس من حيث هي نفس محركة وبذلك يمكن تعريف “الصور الروحانية” على أنها “الجواهر اللاجسمانية المحركة للأجسام” فهي محركة بمعنى أنها تبعث على الحركة وتشكل غايتها. لكن “روحانية” هذه الصور أو”لا جسمانيتها” متفاوتة، فهناك الصور الروحانية البريئة براءة تامة من شوائب المادة، وهذا حال معقولات الأجرام السماوية أو “الأجسام المستديرة” وعلى الطرف النقيض من هذه توجد الصور المجردة تجريدا عن الأجسام، أي “المعقولات الهيولانية” وهي زائلة زوال المواد التي جرَدت عنها أو منها.

 

يستبعد ابن باجة الصنف الأول من الصور على أساس أنه لا يدخل ضمن «دائرة العقل الإنساني» التي تشكل مجال البحث في شروط السعادة الأنسانية. بقيت إذن ثلاثة أصناف من الصور هي، إلى جانب المعقولات الهيولانية، العقل المستفاد والعقل الفعال من جهة، والصور الموجودة في قوى النفس الثلاث (الحس المشترك والمخيلة والذاكرة) من جهة ثانية. وهذه الصور متفاضلة من حيث قيمتها الوجودية (البقاء والبلى) والمنطقية (الصدق والكذب) والأخلاقية (الرفعة والوضاعة).

 

1. 2- في الغاية الإنسانية القصوى

انطلاقا من تحديد الأفعال الإنسانية ومراتبها سواء من جهة القوى التي تستخدم فيها أم من جهة الصور الروحانية التي تتم نحوها، تتحدد مختلف الغايات التي يمكن للإنسان طلبها وتتحدد بالخصوص الغاية الإنسانية القصوى التي بإدراكها يتحقق للإنسان كماله باعتباره إنسانا وتتحقق له السعادة.

 

في “رسالة الوداع” يميز ابن باجة أربعة أصناف من التمامات (تمام الشيء: وجوده في أفضل أحواله الممكنة بالطبيعة) التي يمكن للإنسان أن يكون عليها. وعن كل واحدة من هذه «الأحوال» تلحق لذة من مرتبة محددة. هذه التمامات الأربع يمكن إدراجها ضمن صنفين كبيرين: التمامات الناتجة عن “الاعتناء بالآلات” والتمامات الناشئة عن اكتساب الفضائل. ولئن كان التقارب (من جهة القيمة) شديدا بين مرتبتي الصنف الأول (وجود الآلات الصناعية حسنة، ووجود الآلات الطبيعية أو الجسمانية حسنة) فإن البون شاسع بين صنفي الفضائل (الفضائل الشكلية والفضائل العقلية). فالفضائل الشكلية، تماما مثل الآلات، «خادمة» أي أنها لا يمكن أن تشكل الغاية القصوى للإنسان الفاضل. ويعني ابن باجة بالفضائل الشكلية تلك التي تتولد عن الأفعال التي تحركها الصور الروحانية الخاصة والصور الروحانية المتوسطة (المشوبة بالجسمية)، فهي التي تكون في المخيلة أو في الذاكرة. فالمتجمل مثلا يوجه كل أفعاله إلى صورته الجسمانية باعتباره لا يطلب سوى إعجاب الناس به. أما الملوك والأمراء الذين يتخذون هيئات غريبة فهم يطلبون إثارة الرهبة والفزع في نفوس من يراهم وهم بالتالي يتحركون نحو الصور الروحانية الموجودة في المخيلة. أما من يقوم بالأفعال المجيدة (الشجاعة الحربية، الكرم، الخ) فهم يطلبون “دوام الذكر” أي ارتباطهم في ذاكرة الآخرين بتلك الأفعال. أما أرقى أصناف الفضائل الشكلية فهي التي تتولد عن الأفعال التي يكتسب بها الإنسان المعرفة والحكمة بحيث يصبح متميزا بصواب المشورة وحسن التدبير. وضمن هذا الصنف يدرج ابن باجة العلوم العملية (الضرورية لوجود المدينة) وكذلك “العقل الذي يذكره أرسطو في السادسة (من الأخلاق إلى نيقوماخوس)” (ص137).

 

هذه الفضائل الشكلية، لا سيما “الفكرية” منها، ضرورية للإنسان الفاضل لكنها غير كافية. لأنها ليست في الحقيقة إلا توطئات للغاية الإنسانية القصوى وهي الحال التي تكون للإنسان مثل “الحدة للسكين” أي تكون ملازمة لطبيعته ويكون بها هو ما هو. ما هي إذن هذه الحال؟ يجيب ابن باجة أنها العلم النظري الذي به يتمكن الإنسان من التخلص بشكل تام من كل شوائب المادة ليتصل بالعقل الفعال الذي يمثل أقرب الكائنات المفارقة إلى العقل الإنساني. “فإن الأجساد الكائنة الفاسدة خوادم للأجرام المستديرة من حيث هي لا كائنة ولا فاسدة، وذلك كالأسطقسات، فالاسطقسات غير كائنة بكلها كائنة بأجزائها. وذلك أنواع الموجودات الهيولانية، وإذا نحن تأملنا أجزاءها، وهي الكائنة، لزم من ذلك ضرورة صورة لا يمكن أن تكون في مادة أصلا، وهي ملابسة للصور الهيولانية وسبب لوجودها”. (“الوقوف على العقل الفعال”، ضمن الرسائل الإلهية، ص108).
ويشكل العقل الفعال في التصور الباجوي قمة المراتب المتضمنة في نظرية المعرفة. فالإنسان يكون في البداية عقلا هيولانيا أو “بالقوة” ثم، بتعلمه العلوم العملية والنظرية، يصبح عقلا بالفعل. وهذا العقل هو الذي، باكتسابه الحكمة النظرية، يتصل بالعقل الفعال فيحصل عن ذلك “العقل المستفاد”. فالعقل الفعال هو بمثابة نور الشمس الذي يمكَننا من رؤية الأشياء جميعها ولكنه لا يرى بذاته، إلا في حالة واحدة ليست متاحة للجميع. فالناس يرون نور الشمس ولكن بوسائط تختلف اختلافات كبيرة من حيث الغلظة والصفاء و كذلك الأمر بالنسبة للمعرفة: فالجمهور لا يحصل لديهم المعقول إلا مرتبطا بالصور الهيولانية أي إنهم يرون من الشمس “خيال خيالها” وذلك “مثل أن تلقي الشمس خيالها على ماء وينعكس ذلك إلى مرآة ويرى في المرآة الذي ليس له شخص” (“رسالة الاتصال”، ضمن نفس المصدر، ص167). أما من يسميهم ابن باجة «النظار» وهم أصحاب العلوم الطبيعية فإنهم يدركون المعقولات قبل إدراكهم لصورها الهيولانية، لكن هذه الرؤية تبقى مشوبة بالجسمانية لأن المعقولات لا تنفصل عند هؤلاء عن المادة. لذلك يمكن تشبيههم بمن “يرى الشمس في الماء” (نفسه). فخيال الشمس في الماء مطابق لها، ولكنه ليس الشمس ذاتها. أما السعداء فهم الذين تخلصوا تماما من كل شوائب المادة فهم يدركون المعقول دون أية وساطة، وهم، بهذا الشكل يتصلون بالعقل الفعال و”يتوحدون” به و”يصبحون وإياه شيئا واحدا” (التدبير، ضمن الرسائل ص37).

 

لكن هذا الاتصال يثير صعوبة يدركها ابن باجة نفسه ويسعى إلى تجاوزها: لا يحصل العقل المستفاد إلا بـ”الاجتماع المدني” وبالتالي لا يتحقق شرط السعادة الإنسانية (الاتصال بالعقل الفعال) لمن كان “مفردا” أي غير منتم إلى مدينة. ومن ناحية أخرى يؤكد ابن باجة على ضرورة أن يتجنب الإنسان الذي يسعى إلى السعادة الاختلاط بأهل المدن الفاسدة. كيف يعمَق ابن باجة هذه المفارقة؟ وكيف يسعى إلى مجاوزتها ضمن مقاربته الإيتيقية لمفهوم المتوحد؟ ذاك ما سنحاول تلمَسه في الجزء الثاني من هذه المقالة.              

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This