وللحداثة بقية (عن التنوير وما بعد الحداثة)

من المعلوم أنّ الحداثة modernité تحيل –اصطلاحا- على مجمل التمظهرات والصياغات الفكرية والإيديولوجية التي انبثقت وتشكلت في سياق ما يدعوه الفيلسوف الألمانيّ هيجل بانبثاق وتشكل “الأزمنة الحديثة” على المستوى “الكونيّ” و”التاريخي” العامّ متمحورة حول أفكار وقيم “حديثة” و”حداثية” يمكن حصرها فيما يلي: حرية، عقلانية، تقدم.
وهذه هي قيم التنوير بامتياز.

وعليه، لا نكون –ضرورة- إزاء نظرة اختزالية وتجزيئية للتاريخ الإنسانيّ العامّ ولكن إزاء انخراط التاريخ الإنسانيّ العامّ في مسار تحديث/حداثيّ بمضمون تنويريّ عامّ (=الحداثة التنويرية). بل إنّ هيجل يتكلّم في هذا الصدد عن حلول “العقل في التاريخ” بل و”اكتماله” و”نهايته”. وبالطبع فهذا كلام مردود على فيلسوف “يينا” المعجب بنابلون بونابرت(الذي وصفه بروح العالم فوق صهوة جواد) حتى وجيوشه تطرق أبواب مدينته يينا. فمياه كثيرة – كما يقول المثل الفرنسيّ- جرت تحت القنطرة منذ صدور كتاب “فينومينولوجيا الروح” في 1807. لقد انتقد كارل ماركس (وهو يساريّ هيجليّ سابق) هيجل انتقادا خرجت منه “الفكرة” الهيجلية وهي “تمشي على رجليها بعد أن كانت تمشي على رأسها”. وهذا بالطبع تشبيه كاريكاتوري يلزم أخذه بحذر. ولكنّ ربط المسار التحديثيّ/الحداثيّ بمضمونه التنويريّ الإنسانيّ العامّ- ربطه بمعطيات التاريخ والاقتصاد والاجتماع والسياسة (التي هي هنا معطيات الرأسمالية الظافرة مركزا وأطرافا) أضحت واقعة تنبئ عن “كونية” القيم التنويرية وفي نفس الوقت “محدوديتها”- بل يمكن أن نقول : خيانتها من طرف أوروبا الرأسمالية.

بتعبير آخر: إنّ الحداثة بمضمونها التنويريّ العامّ ليست فكرة تحلّل وتنتقد بهذه الصفة، ولكنها مسار عالميّ شامل يتداخل فيه الفكريّ- الإيديولوجيّ بالاقتصاديّ- الاجتماعيّ. وعليه يلزم أن يتساوق نقد الحداثة فكريا مع نقدها تاريخيا وسوسيولوجيا. وهنا- مثلا- تبرز قيمة ما أنجزه ماركسيّون غير أرتوذوكسيين بل و”هامشيون” مثل جورج لوكاتش (كتاب التاريخ والوعي الطبقيّ) وكارل كورش (كتاب الماركسية والفلسفة). كما تبرز – بالخصوص- قيمة ما أنجزه روّاد “النظرية الاجتماعية” مثل هوركهايمر وأدورنو في نصوصهم الأولى الموضوعة قبل تجربة المنفى حيث جرفهم تيار اليأس والإحباط العامين.

وهذا التيار – الذي تمتدّ جذوره عميقا لدى نيتشه وهيدغر- هو ما يمكن الجزم بأنّه أناخ بكلكله الرهيب على الفكر والإيديولوجيا إبان خروج الإنسانية منكسرة من حربين عالميتين وقد “تحطمت” كلّ مثل الحداثة والتنوير وقيمهما وتحوّلت إلى مجرّد “حكاية كبرى” (جان- فرانسوا ليوتار) يلزم نسيانها وتجاوزها مثل كل “الحكايات الكبيرة” الأخرى!
وهنا نصل إلى جوهر الالتباس المطروح.

لقد تبلورت على امتداد التاريخ الحديث والمعاصر مواقف ثلاثة إزاء الحداثة التنويرية:

–موقف “المحافظين” [القدماء والجدد] المؤوّلين لهيجل والهيجلية تأويلا يمينيا ينتقد التقدم التاريخيّ الحاصل انتقادا “أخلاقيا” مزعوما ويدّعي التأسيس لانبعاث حضاريّ متمحور حول ذاتية الفرد “الأخلاقية” وخصوصية الجماعة “الثقافية” و”نهاية” التاريخ” المتوهّمة (من ألكسندر كوجيف إلى ليو ستراوس إلى فوكوياما). هؤلاء انتقدوا الحداثة التنويرية انتقادا تاريخيا إيديولوجيا.

–موقف “العدميين” قدماء وجددا [وهذا نعت لا يتضمن أي حكم قيمة] الناقمين على ما آل إليه حال الفلسفة (= الكليانية) وحال العلم (= التقنية) والمجتمع (= التشظّي) والتاريخ ( الانقطاع) والإنسان (التأليل والتذرر) مدّعين “موت الله” باعتباره قيمة القيم (نيتشه) وموت “وجود الوجود” (هيدغر) و”موت الإنسان” (فوكو) و”موت السرديات الكبرى” (ليوتار)… هؤلاء انتقدوا الحداثة التنويرية انتقادا انطولوجيا ومعرفيا.

–موقف “نقديّ” يربط الحداثة التنويرية بمسارها التاريخيّ البدئيّ: الرأسمالية (ماركس)، أو يفحص تعرّجات هذا المسار “الرأسماليّ” ومنزلقاته ( بالخصوص أصحاب النظرية النقدية: هوركهايمر، أدورنو، ماركيوز…)، أو يعيد بناء المشروع الحداثيّ التنويريّ من داخل فلسفة التواصل وسوسيولوجيا الراهن (هابرماس)

إننا لا ننكر ما قد تحتويه هذه الترسيمة من اختزال وتبسيطية. ولكننا نتشبث بها لأنّها – في نظرنا- تدرأ ما هو أخطر: إغراق النقاش حول التنوير والحداثة وما بعد الحداثة في تجريديات وتفريعات يضيع معها أو فيها الخيط الناظم للإشكال: السياق التاريخيّ المتلاحم (بالرغم من ظاهرية انقطاعات وقطائع يمكن تسجيلها هنا وهناك) والأساس الماديّ الصّلب (= معطيات الاقتصاد والاجتماع) اللازم استحضارهما من أجل مقاربة سليمة وموضوعية لمسألة الحداثة وما بعد الحداثة.

بتعبير آخر: ليست ما بعد الحداثة مرحلة تتلو مرحلة الحداثة و”تنسخها” قياسا [وهذا قياس مفترض] على أنّ الحداثة مرحلة تتلو مرحلة التنوير وتنسخها! فالتاريخ الفكريّ الإنسانيّ الحديث والمعاصر هو من التعقيد والتداخل والشمولية بحيث يتجاوز هذا التحقيب الكرونولوجيّ المدرسي البسيط. كما أنّ الأمر لا يتعلق هنا بالصيرورة الذهنية لفكرة مجرّدة هي فكرة التنوير أو الحداثة أو ما بعد الحداثة. التاريخ المعنيّ هنا هو تاريخ صيرورة عظمى ننعتها بـ”الحديثة” (=الأزمنة الحديثة) تداخل (ولا يزال يتداخل) في تأسيسها وانطلاقها وتبلورها عناصر التاريخ والفكر والاقتصاد والاجتماع والسياسة. وهذه الصيرورة التاريخية العظمى (تاريخ الإنسانية الحديث والمعاصر) عرفت انطلاقات ومراجعات بل إخفاقات وقطيعات عبرت عنها –جميعها- فلسفات ومذاهب فكرية وفنية متصارعة ومتنافرة تارة باسم الحداثة وتارة باسم ما بعد الحداثة. لكن هل يمكن إنكار السياق التاريخيّ الحديث للصيرورة التاريخية الحديثة؟ هل يمكن إنكار أنّ الإنسانية قد غادرت نطاق “أزمنة قديمة” واقتحمت غمار “أزمنة حديثة”- وهذه واقعة لا رجعة فيها- وبالتالي، فثمّة مضمون ثابت في قعر هذا السياق التاريخيّ الحديث ذاته أي صيرورة التحديث/الحداثة ذاتها؟

إنّ معطيات التاريخ والفكر والاقتصاد والاجتماع والسياسة تبدلت ولا تزال تتبدّل في “الأزمنة الحديثة” بل وقد تنقلب رأسا على عقب. وكلّ شيء وارد وجائز في سياق “نقد” هذه التبدلات والانقلابات إلاّ موقفان:

–موقف الردّة نحو “سلف” يفترض فيه الصّلاح المطلق عرقا كان أو ثقافة أو دينا. فتجاوز الحداثة التنويرية ونقدها لا يمكن أن يفضي إلا إلى المزيد من الحداثة والتنوير أو إلى نقيضها: الرجعية والظلامية والمحافظة (قديمها و جديدها).

–الحكم المطلق بسلبية (هل أقول: عدمية؟) الحداثة التنويرية في سياق “مراحل” تشكّلها السابقة. فهنا نستحضر السياقات الخصوصية ونغفل السياق العامّ لتشكّل “الأزمنة الحديثة”. وعليه، فبقدر ما أنّ مرحلة “ما بعد الحداثةّ” تعبّر عن تبدّل جوهريّ في معطيات التاريخ والفكر والاقتصاد والاجتماع والسياسة – وهذا حاصل وواقع- فهي تعبّر في منظور ينتقد الحداثة التنويرية ولا يلغيها أو يتنكر لها… تعبّر عن ضرورة “إعادة البناء” لهذه الحداثة التنويرية ذاتها. وهكذا يصحّ أن نقول بأنّ للحداثة بقية. كما أنّ لهذا الحديث بقية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This