مالك شبل واسلام التنوير – بعد 11 سبتمبر
فالرجل معروف عالميا بصفته أحد أبرز المثقفين العرب والمسلمين العائشين في الغرب والمهتمين بالمسائل الدينية والفكرية والسياسية. وربما لهذا السبب عيّنه رومانو برودي، رئيس المفوضية آنذاك عضوا في لجنة “مجموعة الحكماء” التابعة للاتّحاد الأوروبي
مشكلة الإسلام والغرب
ويأسف مالك شبل أيضا لأنّ كلّ مسلم أصبح مشبوها في الغرب بعد هذه التفجيرات الإرهابية التي يدينها بشدة. ولذلك فإنّه صرّح قائلا لكي يضع النقاط على الحروف:
ويرى مالك شبل إن المتزمتين يتمسكون بالقراءة الحرفية الخاطئة للقرآن الكريم. وهي قراءة ماضوية، لا تاريخية، عفا عليها الزمن. إنها قراءة تجهل المقصد الأسنى للدين ولا تهتمّ إلا بقشوره السطحية. ورؤياهم تبسيطية للأمور أو حتى مانوية ثنوية. فهم يعيدون كل شيء إلى التصنيف الثنائي التالي: مؤمن/ كافر، حلال/ حرام، نجس/ طاهر، الخ..
وفي رأيه انّ هذا تحريف للإسلام وفهم خاطئ لجوهر رسالته وثقافته وتراثه. وهذا التشويه لجوهر الرسالة الإسلامية أصبح عالميا بسبب الانترنيت والفضائيات ووسائل النشر الجبارة في هذا العصر. والأصوليون بارعون في استخدام الانترنيت وبقية وسائل المعلوماتية. إنهم لا يأخذون من الحداثة إلا جانبها التقني ويرفضون جانبها الفلسفي. وقد ارتد ذلك بأفدح الأخطار والخسائر على سمعة العرب والمسلمين. وسوف يلزمنا وقت طويل قبل أن نستطيع تصحيح الصورة على المستوى العالمي.
الإسلام والعقل
بيان من أجل إسلام التنوير
وللقيام بذلك ينخرط مالك شبل في دراسة مطولة تتجاوز المائتي صفحة. وهو يفتتح الكتاب بمقدمة عامة تحمل العنوان التالي: هل إسلام التنوير ممكن يا ترى؟ بمعنى آخر: هل يمكن أن ينتصر الفهم المستنير للإسلام على الفهم الأصوليّ الظلاميّ الراسخ في العقول منذ مئات السنين؟ وجواب المؤلف هو أنّ العملية ستكون صعبة وشاقة جدا ولكنها ممكنة لسبب بسيط: هو أنّ تراث الإسلام نفسه يمتلئ بنقاط ضوء عديدة. ويكفي أن نتذكرها أو نعيدها إلى الأذهان لكي يقبل بها الناس ونبني عليها نهضتنا المقبلة. وعلى هذا النحو لا يشعر المسلمون بان التنوير يجيئهم من الخارج وبالأخص من العدو التاريخي، أي الغرب، وإنما يأتيهم من الداخل.
ولا يكتفي مالك شبل بالتنظير المجرد للموضوع وإنما يرفق كتابه بمقترحات عملية للخروج من المأزق الذي نتخبط فيه حاليا ثم لكي يصالح الإسلام مع الحداثة العالمية التي أصبحت تحيط بنا من كل الجهات. وأول هذه المبادئ التي يقترحها هو: ضرورة بلورة تفسير جديد للنصوص الإسلامية المقدسة من قرآن وحديث نبوي وفقه وشريعة الخ.. ففي رأيه أن التفسير السائد حاليا حرفيّ أكثر من اللزوم وخاطئ في معظم الأحيان لأنّه لا يهتمّ إلا بالقشور السطحية وينسى الجوهر واللباب. ثم يردف الباحث الجزائري قائلا:
في هذه الظروف الخطيرة التي نعيشها أصبح واجبا على المثقفين وعلماء الأمة أن يبلوروا تفسيرا علميا جديدا لرسالة القرآن والإسلام: أي تفسيرا يليق بالحداثة والعصر والقرن الحادي والعشرين. فنحن لا نستطيع أن نعيش على تفسيرات قديمة متكلسة ومتحنطة إلى أبد الآبدين.
أما المقترح الثاني الذي يتقدم به الأستاذ شبل فهو جريء حقا. انه يتمثل فيما يلي: تأكيد تفوق العقل على كل أشكال الفكر والاعتقادات الأخرى. بمعنى انه إذا ما تعارض الدين مع العقل فينبغي أن نغلّب العقل لا الدين. نقول ذلك خاصة أن الإسلام هو دين العقل وان القرآن حثنا في آيات عديدة على استخدام عقولنا.
وأما المبدأ الثالث الذي ينص عليه لكي ننتقل من إسلام الظلاميين إلى إسلام التنويريين فيتمثل في التخلي عن فكرة الجهاد نهائيا لأنّها تتنافى مع جوهر الدين الصحيح وكذلك مع جوهر الحضارة الإنسانيّة. لقد كانت لها مبررات في وقتها ولكنها لم تعد لازمة في وقتنا الحاضر. ثم انه، أي الجهاد، يجعلنا في حالة صدام مع كافة شعوب الأرض. فتفجير الباصات والمقاهي والمباني العامة وترويع المدنيين العزل ليس بطولات ولا جهادا مرضيا عند الله وإنما هو إرهاب إجرامي وخروج على الدين الحنيف السمح. وينبغي على علماء الأمة وكل المثقفين المسلمين أن يعلنوا صراحة إدانتهم القاطعة لهذه التفجيرات ولمرتكبيها.
أما المقترح الرابع الذي يتقدم به فيقتضي ما يلي: منع صدور أي فتوى تشرع الاغتيال والقتل لأي سبب كان. فهذا شيء مضاد لجوهر الإسلام ولكل القيم الإنسانيّة الحديثة. وبالتالي فلا يحق لأي شيخ كائنا من كان ان يفتي بقتل هذا المثقف أو ذاك كما حصل في الجزائر إبان السنوات العشر السوداء لا أعادها الله. فهذه الفتاوى العشوائية تؤدي إلى انتشار الفوضى والرعب والفتنة والذعر في المجتمع. كما وتنقلب بالعاقبة السيئة على الجميع. فإذا لم يعجب المشائخ كتاب ما فليعلنوا ذلك صراحة وليفندوه عن طريق الحجج العقلانية لا عن طريق الدعوة الى اغتيال صاحبه.
وهناك مقترحات أخرى عديدة في الكتاب لا نستطيع أن نتوقف عندها كلها. ولكن من أهمها نذكر المبدأ الأساسيّ التالي: ضمان حرية المعتقد والضمير في العالم الإسلامي. فالإيمان إذا ما فرض بالقوة على الإنسان لا معنى له. يضاف إلى ذلك انه مخالف لما جاء في صريح القرآن: أفأنت تُكرِهُ الناس حتى يكونوا مؤمنين؟ سورة يونس. الآية 99
وهناك مبدأ آخر يلح عليه كثيرا هو: ضرورة أن يقبل المسلمون بالتنوع الفكري والتعددية العقائدية. فالآخر أيضا له دينه ومعتقداته وينبغي أن نحترمها مثلما يحترم هو عقائدنا وديننا. بل وحتى غير المؤمنين أو غير الممارسين للطقوس والشعائر الدينية ينبغي أن نفهم موقفهم ولا نضطهدهم لان الله وحده هو الذي يحاسب كل إنسان على ما فعل يوم القيامة وليس البشر. ولكن الأصوليين المتزمتين لا يمكن أن يقبلوا بهذا المبدأ. فهم يعتقدون أن عقيدتهم هي وحدها الصحيحة وكل ما عداها ضلال في ضلال. وهم يريدون أن يفرضوها على الجميع بالقوة. من هنا خطورة الموضوع. وأكبر دليل على ذلك هو أنهم قضوا على التعددية الفكرية داخل الإسلام نفسه وفرضوا رأيا واحدا على الجميع. نعم لقد اضطهدوا التيارات العقلانية في الإسلام كالمعتزلة والفلاسفة وإخوان الصفاء الخ..حتى محوها من الوجود.
وفي الختام يطرح المفكر الجزائريّ هذا السؤال: أيّ إسلام نريد؟ والجواب هو: نريد إسلام الغد، إسلام المستقبل. نريد إسلام التنوير والعقلانية والتسامح ولا شيء غيره. وللتوصل إلى هذا الهدف النبيل والعظيم يدعونا مالك شبل إلى ضرورة الاعتماد على التربية الحديثة والشبيبة الصاعدة والمجتمع المدني وتطوير برامج التعليم.
بعد صدور الكتاب أجرت معه الصحافة الأجنبية عدة مقابلات وطرحت عليه عدة أسئلة من بينها هذا السؤال:
أليس إسلام التنوير الذي تدعو إليه هو عبارة عن مشروع طوباوي في الظروف الحالية؟ فأجاب:
صحيح إن الإسلام الدوغمائي المتعصب الجهادي الحربي هو الطاغي حاليا على العالم العربي والإسلامي. وقد شكل إيديولوجيا مرعبة تغذيها عوامل عديدة. نعم لقد صودر الإسلام من قبل الأصولية السياسية التي لا تتورع عن اللجوء إلى العنف وسفك الدماء من اجل فرض مقولاتها على المؤمنين. ولكي نواجه هذا البلدوزر الزاحف للإسلام الأصولي المتزمت ينبغي علينا أن نقدم للجماهير العربية بديلا آخر ذا مصداقية. والبديل هو إسلام التنوير والتقدم. ينبغي أن نعود إلى أصول الإسلام، إلى الفترات الزاهرة من عمر حضارتنا العربية الإسلامية، لكي نعرف ما هو الإسلام الصحيح، الإسلام الذي يقبل بالعقل ويحتضنه. وكما قال الشاعر النمساوي الكبير رينيه ماريا ريلكه: فإنّ هدف المثقف هو أن يحرك المياه الجامدة فينا… وهذا ما أفعله عن طريق النضال من اجل إسلام حقيقي، إسلام حديث، فالإسلام كان يحمل دائما الحداثة في داخله وبخاصة في فترات الإبداع والازدهار.
ثم يردف مالك شبل قائلا: ينبغي أن نسعى من اجل عودة الإسلام الأصيل إلى الساحة، إسلام غير مضاد لروح التقدم والعلم، إسلام لا يكون مجرد فولكلور: أي متمثل بلبس الحجاب والمحاكم التقليدية التي تطبق الشريعة والحدود البدنية المرعبة وبقية المحرمات الغذائية وسواها. هذا ليس الإسلام الحقيقي. هذا إسلام الفولكلور..الشيء المهم حاليا هو أن نشرح للناس ما الذي قدمه الإسلام للعالم على الصعيد الحضاري. لا أحد يتحدث عن هذا الموضوع..
ينبغي العلم انه عندما وصل الصليبيون إلى الشرق لمحاربة الإسلام وجدوا حضارة أكثر رقيا وتقدما من حضارتهم. والواقع انه عندما نحلّل موضوعيا تاريخ الإسلام نجد أنّه شهد فترات مجيدة تتناسب تماما مع الفلسفة والعلم والتقدم. وبالتالي فإذا كان قد شهد كل ذلك سابقا فاني لا أعرف لماذا لا يشهده حاليا أو مستقبلا؟ لا توجد إطلاقا أي حتمية قدرية تمنع الإسلام من التصالح مع الحداثة في عصرنا الراهن. ولكن بشرط أن نخرج من الرؤية الأصولية المتعصبة التي تكتسح الشارع العربي حاليا. فالأصوليون المتزمتون يعتبرون التقدم بمثابة العدوّ اللدود للإسلام. وهذا كذب وافتراء على الحقيقة التاريخية. الأصوليون السائدون حاليا هم عبارة عن دوغمائيين ضيّقي العقل والأفق. إنهم يتلاعبون بالنصوص القرآنية وعقول الناس البسطاء من أجل التوصّل إلى أغراضهم السياسية. فهم يحاولون مثلا أن يوهمونا بأنّ لبس الحجاب هو أمر قرآنيّ. وهذا كذب وخطأ في التفسير والفهم.فمن أصل ستة ألاف ومائتي آية قرآنية أو أكثر قليلا لا توجد إلا آيتان ونصف تحيلان إلى الحجاب ومن بعيد وبشكل غير واضح تماما. وهذه الآيات تذكر كلمة الحجاب التي لا نعرف معناها بالضبط. وهي حتما لا تعني الحجاب بالمعنى السائد اليوم: أي تغطية الوجه والرأس بل وكل الجسد كما يفعل الطالبان. هذا ليس قرآنيا، هذا مخالف للقرآن الذي يقول بتغطية الصدر فقط: وليضربن بخمرهن على جيوبهن. سورة النور. الآية 31
ثم يردف مالك شبل قائلا: نعم الإسلام بحاجة إلى إصلاح ولكن ليس الإسلام كإيمان وإنما الإسلام كعقيدة وجملة مبادئ لتنظيم المجتمع. فمثلا لا يمكن بعد اليوم احتقار المرأة أو إعطاؤها نصف الإرث الذي يعطى للرجل أو اعتبار شهادتها نصف شهادة الرجل. هنا ينبغي إعادة تأويل الآيات القرآنية لكي تتماشى مع العصر. فالمرأة إنسان بالكامل ولها نفس الحقوق وعليها نفس الواجبات. هذا هو المفهوم الحديث لحقوق الإنسان. وفيما يخص الآخر ينبغي احترام فكره وعقيدته مثلما يحترم فكرنا وعقيدتنا. وفيما يخص العلاقة بين الدين والسياسة ينبغي أن تحصل تطورات وتمايزات أيضا..باختصار هناك أشياء أخرى عديدة ينبغي أن تتغير في الإسلام..
لكن كيف سيفعل مالك شبل من اجل نشر مشروعه عن إسلام التنوير؟ على هذا السؤال يجيب قائلا:
أنا الآن في مرحلة التفاوضات مع عمدة باريس الاشتراكي برتراند دولانوي من اجل إنشاء مؤسسة في باريس تحمل اسم: إسلام التنوير. والهدف الأساسيّ منها هو إعادة الاعتبار إلى الإسلام وإصلاح صورته بعد أن تشوهت بفعل أعمال الإرهابيين وتفجيراتهم الإجرامية. نريد أن نعيد للإسلام رونقه من اجل تحسين العلاقات بين المسلمين والغربيين بشكل عام. لقد آن الأوان لكي يفهم المسلمون أن الغرب ليس محور الشر ولا الشيطان الأكبر كما كان يقول الخميني. وآن الأوان أيضا لكي يفهم الغربيون أن الإسلام ليس ذلك البعبع الذي يخيف الناس وليس محور الشر كما يقول الرئيس الأميركي بوش. للإنصاف ينبغي القول بأنه لا يطبق التسمية إلا على المتطرفين وجماعة القاعدة ولا يشمل بها كل المسلمين.
ولكن الشيء الغريب العجيب هو انك تستطيع إنشاء مؤسسة باسم إسلام التنوير في باريس أو بروكسيل او مونتريال او لندن الخ..ولكن ليس في دمشق أو الرياض أو القاهرة أو الرباط أو الجزائر الخ..والسبب هو أن الأصوليين المتزمتين يحاربون إسلام التنوير ويعتبرونه زندقة وكفرا! وهم ما زالوا مسيطرين على الساحة العربية للأسف الشديد.
