خيانة التنوير
ليس التنوير حادثا تاريخيا وجغرافيا محصورا في المكان (أوروبا) والزمان (القرن الثامن عشر).
كما أنه ليس “فكرا” أو “حركة” محدّدتين يمكن إبرازهما بهاته الصفة: مفاهيم وتصوّرات من جهة، ووقائع ومؤسّسات من جهة أخرى.
التنوير أشمل وأعمق: إنه ما قد يطابق مسيرة الإنسان وهو يتلمّس أولى خطوات وعيه بذاته ككائن حرّ وعاقل وقادر على صنع مصيره بنفسه، كما يتطابق مع اللحظة المتميزة التي أدرك فيها الإنسان – متأخرا- رشده بالكامل وخرج من دائرة الوصاية التي فرضها بنفسه على نفسه أو فرضها عليه آخرون.
وعليه، فللتنوير إرهاصات ومقدمات وأصول وتحقّق وتجسّد ومسار وامتداد… وهنا قد يبرز اعتراضان:
الاعتراض الأول يحرص على نقاء المفهوم وبساطته.
الاعتراض الثاني يحذّر من نزعة “التعميم” بل و”التمييع”.
والواقع أنّ التنوير أكثر مما هو مفهوم فهو الحقل الدلاليّ الذي منه تنبثق المفاهيم والصيغ الدلالية كاملة. وخاصية كل حقل دلاليّ –كما هو معروف- هي التشابك والتعقّد. وبالتالي، فالتحذير الحقيقي يلزم أن يكون ضد “التبسيط” و”التسطيح”.
بتعبير آخر: التنوير هو “عمق” الصيرورة الإنسانية الصّعبة والمعقّدة نحو تحقيق الوجود الإنسانيّ في أبهى ما فيه وأعمق: حرّية الإرادة وعقلانية التفكير وقابلية الفعل والسلوك للتحسن باستمرار. ومن هنا لا يكون التنوير “نموذجا” يستنسخ ولكنه “مثال” يتمّ التشبّع بـ”روحه”: رفض الوصاية، ممارسة النقد، الثقة في الإنسان.
وهنا نسجل ملاحظتين:
الملاحظة الأولى تهمّ أوروبا والعالم “الغربيّ” عموما حيث تجسّدت “روح” التنوير – كما هي محددة أعلاه- في بعض أعمق النصوص والأشكال وأبهاها، ولكن تمّت خيانة هذه الروح مرّتين.
الملاحظة الثانية تهمّ الأمم المنعوتة بـ”التخلّف” أو “التأخّر”.
الملاحظة الأولى: لقد تمكن الأوروبيون عبر تاريخ قصير نسبيا من بعث “روح” التنوير ثم تجسيدها بامتياز انطلاقا من “النهضة” (القرن الخامس عشر) إلى “الإصلاح الديني” (القرن السادس عشر) وصولا إلى “عصر الثورة” وإعلان “حقوق الإنسان والمواطن” (القرن الثامن عشر تحديدا).
ولكن (وهنا المفارقة التاريخية الرهيبة) ستخون أوروبا ذاتها روح التنوير هذه باسم قيم التنوير الكونية والإنسانية نفسها عندما ستنخرط الدول الأوروبية الحديثة في مسلسل استعمار بلدان غير أوروبية تحت ستار تمدينها وجلب منافع الحضارة إليها. بل إن الأطماع الاستعمارية وسياسات القوى الامبريالية هي التي ستكون في أساس اندلاع الحربين العالمتين المدمرتين اللتين تميز بهما القرن العشرون. والنتيجة الرهيبة لن تكون فقط مادية (موت الملايين وتدمير مدينتين بأكملهما بواسطة القصف النووي)، ولكن بالخصوص نفسية وفكرية تمثلت في تصدّع بل وانهيار كل قيم الحضارة “الغربية” التي جسدت روح التنوير بامتياز. وارتفعت أصوات تندد بخيانة أوربا التنوير لنفسها. وانتشرت فلسفات تصنف نفسها في خانة ما بعد الحداثة تضرب التنوير في صميم روحه حيث شاع خطاب يؤكد على “البنية” ويبرز “الاختلاف” ويشكّك في “التقدم” معلنا “موت الإنسان” و” سقوط السرديات الكبرى” و”نهاية التاريخ”. والنتيجة أنه في المرة الأولى تمت خيانة التنوير باسم “الشمولية” و”الكونية” و”الوحدة” – وهذه خيانة مفضوحة- وفي المرة الثانية تتم “الخيانة” باسم “النسبية” و”المحلية” و”الاختلاف”- وهذه خيانة مستترة.
الملاحظة الثانية: سقطت المجتمعات المستعمرة ضحية “الوضعية الاستعمارية” التي فرضت عليها فرضا. و”الوضعية الاستعمارية” –تحديدا- هي حالة تطوّر فريدة في تاريخ المجتمعات الحديثة والمعاصرة: وأبرز من درس هذه الحالة أوروبيا هو الانثروبولوجيّ والسوسيولوجيّ الفرنسي جورج بالاندييه Balandier ومحليا التونسيّ ألبير ميمي Memmi والمارتينيكي الجزائري فرانز فانون Fanon. والصورة العامة التي يمكن إبرازها في هذا الصدد تتمحور حول الوقائع الذهنية والنفسية التالية: سيطرة المخيال L’imaginaireعلى حساب العقل La raison لدى الفرد المستعمر (فتح الميم) والقابلية لديه للتماهي مع الصورة النمطية التي يرسمها عنه الآخر المستعمر (بكسر الميم) وهي صورة أسطورية استيهامية تسبغ على الأهالي Les indigènes صفات سلبية تجعل منهم مخلوقات قاصرة فيكون ردّ فعل هؤلاء بالتالي هو الانكفاء نحو الذات (فرداتنية فجة، عشائرية مرضية..) والسقوط في حضن ما يسميه ميمّي بقيم احتمائية valeurs-refuges والانغماس في التقليد/التقليدانية والتشبت السطحي والطقوسي بشكليات التدين (ألبير ميمي: صورة المستعمَر/صورة المستعمِر، دار الحقيقة، بيروت،1980 ص127-128). وحتى لما يحدث التمرد لاحقا (ما يسمى بحركات التحرّر الوطني) فالإيديولوجية المؤطرة هنا لا تخرج عن نطاق مطالبة المستعمَر المحمومة بـ”هويته”. لكن من هو هذا المستعمَر بالضبط؟ يجيب ألبير ميمّي:” ليس بالتأكيد هو الإنسان الشامل الحامل قيما كونية مشتركة ما بين جميع الناس. فهو قد أقصي عن هذه الشمولية وذلك على مستوى التأكيد النظري كما على مستوى الواقع العملي. بل قامت محاولة جادة بتضخيم ما يجعل منه إنسانا مختلفا عن سائر الناس إلى حد جعل هذا الاختلاف ذاتا قائمة بحد ذاتها. لقد برهنوا له أنه لن يستطيع الانصهار مع الآخرين. فليكن! فهو ذلك الإنسان [المختلف] أو هو سيصبحه. نفس الشبق الذي كان يدفعه إعجابا بأوروبا واقتباسا لها يدفعه الآن لتأكيد فوارقه ما دام أن هذه الفوارق، في المحصلة، هي التي تؤسسه، تؤسس ماهيته الخاصة” (المرجع السابق، ص156).
وهذه بالتأكيد هي أسطورة “الهوية المتوحشة” التي برع فرانز فانون في وصفها في كتابه المشهور: المعذبون في الأرض.
والخلاصة أنّ الاستعمار هو واقعة سياسة واقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة ومتشابكة مستقلة بذاتها (= الوضعية الاستعمارية). وبهذه الصفة فهو يضرب صميم هوية المستعمَر ويشوش على وعيه مستثيرا لديه رد فعل دفاعيا بالأساس… ومن هنا الحاجة إلى إيديولوجيات وطنية مضادة تنبني أساسا على “حماية” هذه الهوية أو استعادتها بل وخلقها خلقا! وفي هذا السياق يمكن مثلا فهم بروز إيديولوجيات التحرّر الوطني في إفريقيا ممثلة في الزنوجة Négritude (إيمي سيزير ول.سنغور) والوجدانية consciencisme (نيكروما) والسلفية الجديدة في المغرب (علال الفاسي)[أنظر كتابنا/الوطنية والسلفية الجديدة بالمغرب، نشر اتصالات/سبو، الدار البيضاء،2007] وهذه إيديولوجيات بقدر ما تستنكر إيديولوجيا التنوير لدى أوروبا وقد أضحت باغية ومستعمِرة (وهذا استنكار مفهوم ومبرر)، فإنها تروح ضحية أوهامها الخاصة حول “الأصالة” و”الخصوصية” وباقي “الهويات المتوحشة”. وبالتالي، فلا غرابة أن تؤول حالات الاستقلال المنزوع أو الممنوح إلى نقيضها: التبعية الكاملة أو الجزئية لمراكز القرار المالية والسياسية المسيطرة عالميا في الزمن الراهن والفشل الذريع في بناء مجتمعات مشبع أفرادها بقيم الحرية والعقل والتقدم، وبالتالي بقاء هذه المجتمعات حبيسة قصورها التاريخي الأصليّ. فتكون النخب الوطنية هنا قد “خانت”- بمعنى من المعاني- رسالتها التحرّرية الوطنية وروح التنوير الكونية… لأنّ التحرّر الوطني ّالحقيقيّ ليس شيئا آخر غير الخروج الفرديّ والجماعي من دائرة القصور وبلوغ حالة الرشد: رفض الوصاية، ممارسة النقد، الثقة في الإنسان.. وهذه هي روح التنوير بامتياز.
